Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Wednesday, 20 June, 2007

حول مفهوم ( الإسلام الأوروبي )(*)

أنصار صدام الحضارات يقودون الحملة ضد الإسلام

فرج بوالعَـشّة

بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر ظهر اتجاهان للنظرة الغربية إلى الإسلام. اتجاه سياسي/فكري، (عنصري ـ عدائي)، يؤمن بفرضية "صدام الحضارات"، ويرى في الإسلام "دين عنف". وخطرا "بربريا" يهدد "حضارة الغرب المسيحية" وطريقته في الحياة. واتجاه، سياسي/فكري، (تصالحي ـ تفاهمي)، في أوروبا تحديدا، يفصل بين الدين الإسلامي والممارسات الخاطئة باسمه. ويدعو إلى تجسير الهوة بين العالم الإسلامي والغرب على أرضية "حوار الحضارات"!

وبينما يعمل الاتجاه الغربي، (العنصري العدائي)، على تحويل فرضية "صدام الحضارات" من واقع افتراضي (نظري) إلى واقع بالفعل، سياسيا وعسكريا، نجد الاتجاه (التصالحي ـ التفاهمي) يميل إلى تحسين العلاقات مع العالم الإسلامي، وإشاعة ظاهرة اللقاءات والندوات والمؤتمرات المشتركة بين المسلمين، المقيمين في الدول الأوروبية، وحكومات تلك الدول، بهدف مناقشة وضع الإسلام والمسلمين، المقيمين في أوروبا، وما يطرحه وضعهم من قضايا ومشاكل وإشكاليات، في المجتمعات الغربية!

ولكن، هل الحكومات الغربية معنية حقا بالتفاهم المتبادل والاحترام الواجب لحقوق المسلمين في مجتمعاتها، مقابل الاحترام الملزم من طرف المسلمين لقوانين الدول التي يقيمون فيها؟! في ألمانيا حيث أعيش، تعيش أقلية مسلمة، يُقدر عددها بحوالي أربعة ملايين نسمة، أصبحت، بعد الحادي عشر من سبتمبر، محط اهتمام كبير من قبل مؤسسات الدولة الألمانية، الحكومية منها وغير الحكومية. وأصبح الدين الإسلامي موضوعا بارزا للجدل، على المستوى الرسمي والمجتمعي، بشأن مكانته ودوره في الحياة الألمانية. وكان من نتائج ذلك أن قامت بعض الولايات بتدريس الديانة الإسلامية للتلاميذ المسلمين، بدءا من العام الدراسي 2003، بغرض تعليمهم مبادئ دينهم وتعاليمه الأساسية. وفُتحت أقساما جديدة، في بعض الجامعات، للدراسات الإسلامية، وتخريج معلمين مؤهلين لتدريس الدين الإسلامي باللغة الألمانية. والهدف، من وراء ذلك، دمج المسلمين في المجتمع الألماني. وإيجاد إسلام "ألماني" يتلاءم مع قوانين العلمانية للدولة الألمانية، وثقافتها الاجتماعية!

ومن هنا جاءت كثرة الندوات والمناقشات الإعلامية والمؤتمرات المنعقدة حول قضايا المسلمين والإسلام. مثل إشكالية تمثيل المسلمين في ألمانيا، والإسلام والإعلام، والإسلام والمرأة. . . . وغيرها من القضايا المتصلة باندماج المسلمين في المجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها. وكان من ابرز هذه الأنشطة انعقاد المؤتمر الإسلامي الألماني المشترك الثاني في برلين، ابريل الماضي، الذي أشرف على تنظيمه وزير الداخلية وولفغانغ شويبلي، في دلالة على تداخل البعد الأمني مع البعد الديني في مسألة الإسلام والمسلمين المقيمين في أوروبا. ويعود ذلك إلى تسيد مناخ "الحرب على الإرهاب" على أجندة الأمن الأوروبي الداخلي. وبالتالي هيمنته على أجندة الحوارات واللقاءات مع الجاليات المسلمة في أوروبا، كما هو الحال في المؤتمر الإسلامي الألماني، حيث طالب وزير الداخلية بوضع مسألة الأمن الداخلي و"الإرهاب" في صلب محاور النقاش، ورأى أن المؤتمر يجب أن يساهم في رفع مستوى الأمن الداخلي الألماني!

لم يكن المؤتمر الإسلامي الألماني الثاني إلا تكملة لنهج المؤتمر الأول، الذي انعقد في برلين، سبتمبر 2006، بمقر المستشارية الألمانية. وحضره ممثلون عن الحكومة الألمانية وآخرون عن المنظمات الإسلامية. إذ شارك فيه من الجانب الألماني الرسمي ثلاثون مسؤولا، يمثلون الحكومة الاتحادية والحكومات الولاياتية. وشارك المسلمون الألمان بخمسة ممثلين عن أهم الاتحادات والجمعيات الإسلامية الألمانية، إلى جانب شخصيات إسلامية مستقلة، بارزة في المناشط الحياتية، السياسية والثقافية والإعلامية.

كانت الاختلافات واضحة، بطبيعة الحال، بين الجانبين (ممثلي المؤسسات الألمانية الحكومية وممثلي المؤسسات الإسلامية غير الحكومية) . ورغم محاولة الجانب الألماني التأكيد على أن هدف اللقاءات تعميق روح الحوار والتفاهم بين الثقافة الإسلامية والثقافة الألمانية، وإزالة سوء الفهم بينهما، فإن حساسية الاشتباه بسلوك المسلمين وثقافتهم كانت حاضرة ومسيطرة في الطرح الألماني لقضايا إسلامية معينة، من زاوية نظرة ليبرالية، تركز على وضع المرأة في الإسلام، وتُضخِّم "قضية الحجاب" إلى مستوى الفوبيا الاجتماعية. كما أن الطرح الألماني (الرسمي) يحكمه منظور أمني يتوجس خيفة من أن المسلمين لديهم استعداد ثقافي "ديني" لاستخدام العنف، إلى حد مطالبة المسلمين، في ألمانيا، من طرف وزير الداخلية "بألا يتأخّروا في تبليغ السلطات الألمانية المختصة عن الأفراد والأعضاء المنتسبين لاتحاداتهم وجمعيّاتهم الذين لديهم استعداد لاستخدام العنف. "!

وكذلك كان الاختلاف ظاهرا، بين الجانبين، حول المحاور الرئيسية، المطروحة من وجهة النظر الألمانية الرسمية، مثل قضية اندماج المواطنين المسلمين، على المستوى الديني والاجتماعي، في المجتمع الألماني، وكيفية إعداد مناهج تدريس الديانة الإسلامية في المدارس الألمانية، وإلزام التلاميذ المسلمين، والتلمذات خاصة، بالمشاركة في المناشط الرياضية المدرسية، بما فيها تمارين السباحة. وتعليم أئمة الجوامع في ألمانيا. وضرورة مشاركة المسلمين في ألمانيا، بفاعلية، في إدانة العنف والإرهاب، وتبليغ السلطات المختصة عن الأفراد والأعضاء المنتسبين إلى المؤسسات والجمعيات الإسلامية، الذين لديهم استعداد لاستخدام العنف، حسب تعبير الوزير الألماني، الذي يعوّل على إمكانية التصدي الفعّال لـ"الإرهاب الإسلامي" من خلال إجراءات وقائية مناسبة وبالتعاون مع المسلمين!

من جهتهم أكد ممثلو أبرز الاتحادات والجمعيات الإسلامية، في ألمانيا، رغبة المسلمين في مواصلة عملية الحوار والتقارب مع الحكومة والمجتمع. وركزوا على مطلبهم الجوهري بشأن ضرورة الاعتراف بالإسلام اعترافًا تامًا كدين متساوٍ في الحقوق مع الأديان الأخرى، وجزء لا يتجزأ من المجتمع الألماني. لكن الاختلافات بين الجانب الإسلامي والجانب الألماني الرسمي ظلت قائمة، حتى في المؤتمر الثاني، أبريل 2007، بسبب إيلاء الموضوع الأمني اهتماما مركزيا، والاستمرار في إثارة قضايا ذات علاقة عضوية بالثقافة الإسلامية، من منظور غربي ليبرالي، بدلا من الانطلاق من الاعتراف الرسمي بالدين الإسلامي على قدم المساواة مع الطوائف المسيحية واليهودية، وضمان حقوق المسلمين في إنشاء مجلس أعلى لتمثيلهم وتنسيق شؤونهم أمام الدولة، كما هو الحال في دولة النمسا المجاورة، التي تعترف رسميا بالدين الإسلامي، وبالتالي تقر بحقوق المسلمين المترتبة على هذا الاعتراف الرسمي، الذي يعتبر أقدم اعتراف غربي (أوروبي) بالإسلام دينا رسميا، بقرار من الإمبراطور النمساوي فرانز جوزيف في عام 1912، لكن لم تنشأ في الدولة النمساوية أية جمعية إسلامية إلا في عام 1979، وفي العام 1982 جرى لأول مرة البدء بتدريس الدين الإسلامي للتلاميذ المسلمين!

إن اللقاءات الحوارية والمؤتمرات البرامجية بين المسلمين، المقيمين في الدول الأوروبية، وممثلي حكوماتها، أو مؤسسات مجتمعاتها المدنية، تبقى ضرورية ومجدية للجانبين. وللمسلمين بالدرجة الأولى. فهي فرصة للتعارف، وتمتين العلاقات المشتركة، وتقريب وجهات النظر المتخالفة، وخلق قواسم مشتركة للعمل المجتمعي المدني المشترك، لصالح مطالب المسلمين الحقوقية المشروعية من جهة، ولصالح خدمة المجتمعات التي يعيشونه فيها.

إن المسلمين، في أوروبا، يعتبرون، في كثير من دول القارة، الأقلية الدينية الثانية بعد المسيحية. لكن السلطات لا تزال تتوجس مكروها (أمنيا) من جهة الوجود الإسلامي، وتشتبه في وضعية الاتحادات الإسلامية القائمة، مما جعلها غير معترف بها رسميا، كما في ألمانيا. ومن الجانب الإسلامي فإن المسلمين ملزمون بأن يصيغوا حراكهم المجتمعي من أجل تحقيق المساواة في المواطنة (حقوقا وواجبات) في سياق "الاندماج الايجابي" واحترام دساتير وقوانين البلدان التي يعيشون فيها، انطلاقا من قيمهم الإسلامية الإنسانية، التي تنسجم مع مكاسب البشرية في العدالة والمساواة والاخاء. فالإسلام انبثق من "السلام" والدعوة إلى "الأخوة الإنسانية". إن الإسلام أكثر الأديان نزوعا إلى الإنسانية. وتلك النزعة الإنسانية هي ما يجذب المعتنقين الجدد إليه أكثر من أي ديانة أخرى. فحسب إحصائيات رسمية فإن عدد المسلمين الجدد، من ذوي أصول أوروبية، يبلغ أكثر من نصف مليون شخص، في أنحاء الاتحاد الأوروبي. وقد أخاف تصاعد الوجود الإسلامي في أوروبا منظمة "الكونجرس اليهودي العالمي"، فأعدت دراسة مسحية، تحت عنوان "صعود الإسلام في أوروبا"، استنتجت منها: "أن الإسلام يتمتع بمعدلات النمو الأعلى في أوروبا؛ فهناك حوالي 20 مليون مسلم في الاتحاد الأوروبي يعتبرون أنفسهم مسلمين؛ فالمسلمون في أوروبا يمثلون قوة يجب أخذها في الحسبان، وإذا تواصل هذا الاتجاه سيشكل المسلمون في عام 2020 حوالي 10% من مجموع سكان أوروبا"!

وفي ألمانيا، اعتنق حوالي 4 آلاف ألماني الإسلام مابين يوليو 2004 ويونيو 2005، منهم 1152 من المسيحيين والبقية من ملل دينية مختلفة، ويعتبر هذا الرقم أربعة أضعاف عدد المتحولين إلى الإسلام، حسب احصائية 2003، وذلك رغم صورة الإسلام المشوهة، في نظر الغربيين، نتيجة للجهل بحقيقته، من جهة، والتشويه المتعمد له من جهة أخرى. ومع ذلك يتزايد أعداد الغربيين المعتنقين للإسلام باحثين عن الطمأنينة، التي لا يجدونها في دين أجدادهم، لأنه لم يعد يلبي طموحاتهم الحياتية والروحية، على حد تعبير العالمة الاجتماعية الألمانية مونيكا فولراب.

إذن يستمر الإسلام والمسلمون، في دار الغرب، في الانتشار والتطور، رغم الغول الخرافي المخيف (إسلاموفوبيا) الذي خلّقته وضخّمته النظرة الغربية (السياسية ـ الفكرية ـ الإعلامية)، بتاريخها الاستشراقي القديم، الذي يعود إلى ظهور الإسلام، مرورا بالحروب الصليبية، والاستعمار الأوروبي، وصولا إلى الهيمنة الأمريكية.. ورغم تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، والتفجيرات الإرهابية اللاحقة في مدريد ولندن، التي ضخّمت حالة الخوف من الإسلام والمسلمين، بطريقة لا تخلو من الهلع الهستيري، الذي يُصوِّر وجود المسلمين الأوروبيين "مجتمعا موازيا"، ثقافته مفارقة لقيم الحياة الغربية، ويمجد الكراهية والعنف، مما يهدد أسس النظام المجتمعي الغربي، حسب الموقف اليميني المتطرف. لكن أوروبا تبقى فضاء ديمقراطيا، يصون الحريات العامة والفردية، ويتمتع فيه المسلمون بحقوق إنسانية وحريات دينية واسعة لا يحلمون بها في بلدانهم الأصلية. ورغم التضييق عليهم، وعلى مراكزهم ومؤسساتهم (أكثر من سبعة آلاف مركز ومؤسسة إسلامية في أنحاء أوروبا) بحجة "مكافحة الإرهاب"، فإن اعتناق الإسلام ازداد نموا في أوروبا وأمريكا، بعد تفجيرات 11 سبتمبر، وهو ما قد يبدو ظاهرة غريبة، غير مفهومة!

لكن لا غرابة في أمر إذا اتضحت أسبابه. فالإسلام ينتشر، بين الغربيين، بتأثير اطلاعهم على مصادر المعلومات الصحيحة عن الإسلام كفلسفة روحية ونظام حياة، واحتكاكهم أو تعرفهم بمسلمين يمارسون دينهم على نحو صحيح وأصيل، بما هو دين المعاملة النزيهة والأخلاق الرفيعة، في قيمها الإنسانية السمحة: العدل والإحسان، الصدق والأمان في المعاملات، التواضع، البساطة، الصدق، التسامح، الرأفة، الأمان النفسي، السلام الروحي، دماثة الخلق، المحبة، المودة، المروءة... علاوة على اعتراف الإسلام باليهودية والمسيحية، والإيمان بالأنبياء الأولين. واعتماده منهجا سهلا بسيطا في عبادة الله مباشرة دون وسيط. وكونه يوازن، دون إفراط أو تفريط، بين المادة والروح، الفردية والجماعية، الأخلاق والعلم، الدنيا والآخرة، الصوفية والحسية... لكن هذه القيم الإنسانية الكونية مفقودة كثيرا في ديار المسلمين. ولنتذكر ما قاله الإمام محمد عبده، شيخ التنوير الإسلامي، قبل قرن ونيف: "في الغرب وجدت مسلمين ولم أجد إسلاما. وفي الشرق وجدت إسلاما ولم أجد مسلمين. "ويقول، اليوم، الداعية الإنجليزي الشهير يوسف إسلام، ما معناه: "أحمد الله أنني عرفت الإسلام قبل أن أعرف المسلمين... بالطبع ليس المقصود كل المسلمين، إنما المقصود أن معظم المجتمعات الإسلامية تعايش اغترابا واضحا عن خطاب الإسلام في جوهره الروحي/الحضاري الأصيل، ما عدا بعض الاستثناءات مثل الحالة الماليزية والحالة التركية والحالة البوسنية، حيث تتطور مقاربة الإسلام الحضاري للحداثة والديمقراطية بطريقة مائزة، شكلا ومضمونا. ويمكن تحسس ذلك الجوهر الروحي الحضاري للإسلام الأصيل، وهو يتشكل في مجتمعات المسلمين في الغرب. حيث يتكون ما يُسمى بـ: الإسلام الأوروبي"، مستندا إلى فقه النوازل والمصالح المرسلة، والضرورات التي تجيز المحظورات، على أساس "أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة، خاصة كانت أو عامة". وهو الأساس الفقهي، الذي يعتمده المجلس الأوروبي للإفتاء، برئاسة الشيخ العلامة يوسف القرضاوي، في استخراج الفتاوى المراعية للظروف التي يعيشها المسلمون في دار الغرب. آخذة في الاعتبار مقتضيات الاندماج الايجابي من الزاوية الشرعية، كما حددها "المجلس الأوروبي للإفتاء"، وفق المنطلقات التالية: "ضرورة معرفة لغة المجتمع الأوروبي وأعرافه ونظمه، والالتزام تبعاً لذلك بالقوانين العامة، في ضوء قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) «المائدة: 1» والمشاركة في شؤون المجتمع والحرص على خدمة الصالح العام، عملا بالتوجيه القرآني: (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) «الحج: 77»، والعمل على الخروج من وضع البطالة؛ ليكون المسلم فاعلاً منتجاً يكفي نفسه وينفع غيره، عملاً بالهدي النبوي الشريف: "اليد العليا خير من اليد السفلى، فاليد العليا هي المنفقة، واليد السفلى هي السائلة" (متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما). وأكد المجلس مقتضيات أخرى للاندماج لابد للمجتمع أن يحققها وهي:

أ- العمل على إقامة العدل وتحقيق المساواة بين جميع المواطنين في سائر الحقوق والواجبات، وبالخصوص حماية حرية التعبير والممارسة الدينية، وكفالة الحقوق الاجتماعية وعلى رأسها حق العمل وضمان تكافؤ الفرص.

ب- مقاومة مظاهر العنصرية والحدّ من العوامل المغذية لمعاداة الإسلام، خصوصاً في مجال الإعلام.

ج- تشجيع مبادرات التعارف الديني والثقافي بين المسلمين وغيرهم بما يحقق التفاعل بين أبناء المجتمع الواحد... "

فكريا يشتغل المفكر الإسلامي، الدكتور طارق رمضان (سويسري من أصل عربي)، ضمن نخبة من المفكرين الإسلاميين الأوروبيين بالمواطنة، على تأسيس خطاب "أوروإسلامي" من منظور إسلامي حداثاني، يتخذ الاجتهاد العقلاني، منهجا ورؤية، في استشراف إسلام النزعة الإنسانية العقلانية الكونية، بالعودة إلى جذوره الأصيلة، المتأصلة في القرآن وصحيح أحاديث الرسول وسنته. والتواصل المعرفي مع الفكر الإسلامي العقلاني في أزمنته الذهبية. والاتصال الروحي بالطاقة الروحية الشعرية الكامنة في الرؤية الصوفية الخلاقة (وليس الدروشة النكوصية). فالإسلام أكثر الأديان نزوعا إلى الأنسنة العقلانية. إذ إن الخطاب القرآني يتوجه إلى الناس كافة. ويزخر بآيات تُكرّم الإنسان باعتباره قيمة القيم. وتكرّم روحه المنشرحة الصدر للتقوى و"الإخوة الإنسانية". وتبجل العقل الاجتهادي في طلب المعرفة والعلم.

ومن هنا فإن رؤية الفكر الإسلامي الحضاري، التي يمثلها طارق رمضان وأشباهه، ترى للمسلمين في أوروبا دورا فاعلا معطاء، كقيمة إنسانية حضارية مضافة. وليسوا مجرد مهاجرين غير مرغوب فيهم. قد يشعر بعضهم بالخوف من الاندماج، فينغلقون على أصولوية ماضوية متزمتة، يجدون فيها ما يعفيهم من مجاهدة تغيير ما بالنفس، من طريق المنهج النقد العقلاني المزدوج، للذات، وللآخر ـ الغير (المختلف)، على قاعدة: لا إكراه في الدين، والاختلاف رحمة، وسنة الحياة: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ والأرض واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنّ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ). «البقرة: 251».

إن مفهوم"الإسلام الأوروبي" يقدم، في اعتقادي، مخرجا حضاريا صائبا لإشكالية وجود المسلمين في أوروبا. فهو يحقق التوازن السوي ما بين هويتهم الأثنية الثقافية الخاصة وحياتهم العامة في المجتمعات الغربية. وهو ليس إسلاماً آخر، أو مبتدعاً، إنه الإسلام نفسه، في أصوله الروحية الإنسانية العقلانية الأصيلة. إنه إسلام القيم "ذات الصلوحية الكونية"، بتعبير طارق رمضان، الذي يدعو المسلمين، بصفة عامة، والمسلمين الأوروبيين، بصفة خاصة، إلى التصالح مع أنفسهم، بالتصالح مع قيم الإسلام الإنسانية العقلانية الكونية، التي تعزز هويتهم (الدينية ـ الروحية ـ الثقافية) المخصوصة، وتحقق لهم، في الوقت نفسه، الثقة في النفس، اللازمة للتصالح مع العصر، المحكوم بضروراته ومصالحه المرسلة. وهو التصالح الواثق، ولكن المتسامح، مع الآخر/المختلف (مسلم أو غير مسلم) بالنظر إليه كقيمة إنسانية بحد ذاته، وكون الاختلاف سنة الحياة، كما يراه الإسلام الأصيل، الذي ينبذ الإكراه. وبالتالي تكون نتيجة هذه المصالحة المركبة (نفسيا/عقلانيا/اجتماعيا)، للذات مع الذات ـ مع الآخر/الغير، بمثابة قاعدة الانطلاق الحضارية لمشاركة المسلمين بفاعلية، منتجة ومبدعة، في بناء المجتمعات الأوروبية التي يتواطنوها (من المواطنة).

أما إذا انضمت تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، فإن "الإسلام الأوروبي" سوف يُشكّل وجودا اجتماعيا (ديموغرافيا) كبيرا. أي حوالي مائة مليون نسمة. وحضورا ثقافيا متميزا في خصوصيته، ومنسجما، في الوقت نفسه، مع قيم الحداثة والعلمانية الغربية. مما يجعل "الإسلام الأوروبي" أكثر انفتاحا، وتأثيرا في فهم الأوروبيين، غير المسلمين، للإسلام، بصورة صحيحة. وبالتالي تزايد اعداد المهتدين إليه.

إن معظم الأوروبيين يعارضون انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، خوفا من كثافتها السكانية (70 مليون نسمة مع نسبة ولادات عالية). علاوة على مخاوف تاريخية وثقافية غير منسية. فالنمسا لا تزال تستذكر "حصار فيينا". واليونان لا تزال تعتبر "اسطنبول" هي "القسطنطينية السليبة"، علاوة على استيلائها على الشطر التركي من قبرص. ورغم علمانية الدولة التركية الراسخة، وتكيف المجتمع التركي مع معطيات العصر ومقتضيات الحداثة (اقتصادا وسياسة وعلما وتكنولوجية)، إلا أن الأوروبيين المعارضين لانضمام تركيا يتحججون بأنها دولة مسلمة تتعارض ثقافتها مع "قيم أوروبا المسيحية". وهو ما يظهر واضحا في الموقف الفرنسي المتشدد، كما يظهر في تعهد الرئيس الجديد، نيكولاس ساركوزي، لناخبيه، بالعمل على الحيلولة دون حصول تركيا على عضوية الاتحاد الأوروبي. ففي رأيه: "لا مكان لتركيا في أوروبا". والمفارقة أن الفاتيكان، رأس الكنيسة الكاثولوكية، يدعم انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي!... ويبقى، في الختام، الطريق طويلا، أمام "الإسلام الأوروبي"، حتى يختفي شبح "الإسلاموفوبيا"، الذي يحوم في سماء الغرب، ويتأنسن الإسلام في صورته السوية، بعدما يتوقف الغرب (السياسي/الفكري/الإعلامي) عن شيطنته للسلام والمسلمين، الدارجة منذ هزيمة هرقل، عظيم الروم، أمام فتوحات الإسلام الكاسحة!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، السبت 16 يونيو 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home