Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Saturday, 20 May, 2006

لماذا لا يُقسَّم العـراق المُقسًّم؟!! (*)

فرج أبوالعـشة

أثناء اشتغالي على هذا المقال، حول واقع العراق المُقسًّم، نشر السناتور جوزيف بادين، عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، مقالا في صحيفة نيويورك تايمز، في الأول من مايو الحالي، دعا فيه، إلى تقسيم العراق، على غرار البوسنة، بواقع ثلاث مناطق منفصلة، ذات حكم ذاتي موسع، للأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب والسنة في الوسط. على أن تكون بغداد مقرا لحكومة مركزية ذات سلطات أقل.

السناتور الديموقراطي جوزيف بايدن صهيوني قح! وهو أعتى مناصري إسرائيل في مجلس الشيوخ الأمريكي. وما طرحه في مقاله له غرض صهيوني في نفسه اليعقوبية!

لكن ذلك لا يغفل الحقيقة التاريخية الواقعة اليوم في عراق الرشيد، وهي أن العرق مُقسَّم بالثلاث فعليا. وتدور على أرضه حربان وليست واحدة. الأولى معلنة يقودها الغزاة الأمريكيون وحلفاؤهم من الفرنجة، وعملاؤهم من الشيعة والأكراد ضد المقاومة العربية السنية. والثانية حرب أهلية طائفية ـ عرقية، تبدو غير معلنة، رغم فائض الجثث والدم.

العراق الحديث، دولة ووطن، رُكِّب، كما هو معروف، على يد الاستعمار البريطاني، ويفكك، اليوم، على يد الاستعمار الأمريكي. وإذا كان التركيب البريطاني الاستعماري القديم قد قام على أساس تغليب الأقلية السنية «العربية» على الأغلبية الشيعية «العربية»، وتغليب العرب على الأكراد، فإن الاستعمار الأمريكي الجديد يجد نفسه عاجزا عن إعادة تركيب ما فككته حربه. وقد اتضح سخف نظرية «الفوضى البنّاءة»، الموجهة للعالم العربي والإسلامي، والقائمة على معادلة الفك والتركيب، وهي من تصنيع معهد «أميركان انتربرايز» الصهيوني، لأصحابه المحافظين الجدد. والأمر نفسه حدث مع استراتيجية «الصدمة والرعب»، التي اتخذت عنوانا للحرب على للعراق، بقصد فرض الهزيمة والاستسلام على الشعب العراقي بالكامل، فانعكست صدمة ورعبا على إدارة بوش وبنتاغونه. فإذا كان أجناد بوش الصغير وجنرالاته نجحوا، بسهولة، في غزو العراق وإسقاط النظام ونشر الخراب والفوضى، فإنهم لم ينتصروا، لأنهم لم يحققوا الأهداف السياسية للحرب. ويبدو أن «الرب»، الذي يدعي سيد البيت الأبيض أنه يوحي إليه، قد قطع الاتصال به. وتركه يتخبط في أكاذيبه، فيما معدلات استطلاع شعبيته تواصل انحدارها إلى الحضيض. فليست لديه استراتيجية للنصر في العراق بل انه يأمل في تجنب الهزيمة وتمرير المشكلة لخليفته، كما قال السيناتور بايدن عن حق، مقترحا تقسيم العراق، وفق ما سماه «الخيار الثالث»، الذي، حسبه، يتجاوز «الاختيار الخاطئ»، لإدارة بوش، سواء في حالة الاستمرار في رعاية حكومة وحدة وطنية في العراق أو سحب القوات الأمريكية على الفور.

إن خيار التقسيم، المطروح، ليس من بنات أفكار «بايدن» العبقرية، إنما هو تعبير عن الواقع الماثل للعيان في عراق اليوم. ولا شك أن الإدارة الأمريكية لديها استراتيجية لتقسيم العراق، لكنها لا تستطيع أن تعلنها رسميا. فتقسيم العراق نتيجة طبيعة لغزوه، وما ترتب عليه من سياسات. حيث أخذ البريطانيون الجنوب الشيعي، وأخذ الأمريكيون الوسط السني، مع رعاية الواقع القائم في الشمال الكردي، كما كان عليه قبل الغزو. ثم عكسوا وضع التقسيم الجغرافي هذا تقسيما طائفيا ـ عرقيا في بنية الدستور. وفي التشكيل الحكومي من خلال أسلوب المحاصصة الطائفية. وانعكس التقسيم عسكريا، حيث للشمال الكردي جيشه:البشمركة، علاوة على العلم والنشيد والبرلمان. وللجنوب الشيعي: فيلق بدر وجيش المهدي، وغيرهما من المليشات الصغيرة، علاوة على قوات وزارة الداخلية الخاضعة لتوجيهات الائتلاف الشيعي. وللوسط السني قواته العسكرية المنخرطة في مقاومة الاحتلال وعملائه. وإذا قيل أن الوسط السني يحتضن الإرهابيين، التفجيريين، التكفيريين.. ألخ، فإن الائتلاف الشيعي، الذي يسيطر على وزارة الداخلية تحديدا، يمارس، بالتحالف مع قوات الاحتلال، إرهابا رسميا منظما ضد العرب السنة، بواسطة فرق الموت المشكلة من قوات وزارة الداخلية، إضافة إلى ما يرتكبه فيلق بدر من اغتيالات وتصفيات، على الهوية، للعرب السنة. والشاهد عشرات الجثث التي يُعثر عليها كل يوم، لعرب سنة، تحمل آثار التعذيب والتمثيل بها بعد قتلها.

فأي عراق موحد هذا؟!!

إن العراق لم يكن قط موحدا، برغبة أهله. وإذا كان البريطانيون قد رسَّموه في حدود جيوسياسية محددة، في عشرينيات القرن الفائت، فإن مضمونه الديموغرافي، العرقي ـ الطائفي، ظل فاقداً للتماسك الوطني. إن الانتماء العرقي ـ الطائفي، عند غالبية العراقيين، كان هو المعيار الهوياتي للفرد. وما كان من الممكن أن يكون لهوية المواطنة، أي معنى في ظل أنظمة الاستبداد المتوالية. لا سيما في عهد نظام صدام البعثي، الذي بعث القبيلة ـ العشيرة في الدولة. وجعل جيش النخبة «قوات الحرس الجمهوري»، وقفا على العرب السنة، وشكك في ولاء الشيعة العرب، وهمشهم وفقرهم وأضطهدهم. وحارب الأكراد بوحشية فظيعة. لكن، في جملة الوضع، طال تظلمه واضطهاده وقمعه الدموي جميع العراقيين:شيعة، أكراد، سنة، تركمان، مسيحيين... بلا استثناء، إلا أن الشيعة العرب والأكراد حملوا العرب السنة آثام ما ارتكبه نظام صدام البعثي العلماني. وبالتالي جرى تصريف الحقد الكردي ـ الشيعي، على النظام الصدامي، إلى حقد عرقي ـ طائفي ضد العرب السنة. وهو الحقد السَواء الذي اجتمع عليه الأكراد والشيعة في تحالفما السياسي، بعد سقوط النظام، وتعاونهما مع المحتل، من أجل إقصاء العرب السنة من الجيش، وقوات الأمن، ومؤسسات الدولة الحساسة، وجعلهم مجرد أقلية مهمشة، لا دور لها في رسم مستقبل «العراق الجديد».

والحال أن «العراق الجديد» بعد ثلاث سنوات، على الغزو الانجلو أمريكي، لا جديد فيه اللهم أنه أسوأ من العراق القديم في عهد صدام. فقد تضاعف عدد السجناء والسجون. واستجدت ألوان من التعذيب الأمريكي لم تخطر على أوضع جلادي سجون البعث الصدامي. فعلى من تخطر أن تجرك جندية أمريكية فاسقة بمقود كلب. أو أن تصور معك فاسقة غيرها وأنت ميت تحت التعذيب. أو يجعلون من ملابسك الداخلية غطاء لوجهك. أو أن تنسف الفلوجة على ساكنيها. دع عنك سجون الجزار صولاج، القائد المغوار لفرق الموت المختصة في خطف العرب السنة أفرادا وجماعات وتصفيتهم في جنح الليل. فهل نقول كم كان صدام رؤوفا رحيما؟!

والخلاصة، بوضوح شديد، إن الشيعة، أسياد «العراق الجديد»، بيدهم توحيده أو تقسيمه.!!

إذ سيستمر العراق وأهله في الشقاق والتمزق والاحتراب، ما استمر الشيعة في سياستهم القائمة على استغلال تحالفهم، أو تقاطع مصالحهم مع الغزاة، خدمة لمنفعتهم الطائفية الضيقة في السيطرة الطائفية على السلطة، والرغبة في إقصاء العرب السنة من المشاركة المصيرية في تقرير هوية العراق، والتفضيل التحالف مع الأكراد عليهم، كون مطامع الأكراد لا تمس في جوهر سلطة الشيعة ومناطق نفوذها!!

فالأكراد غير معنيين بمكاسب السلطة المركزية، بدليل ترفّع البرزاني عن منصب الرئاسة الشكلي، وتركه طالباني يعارك عليه. فمطلب الأكراد، في «العراق الجديد»، محصور في «استرداد» كركوك «المقدسة» من سيطرة العرب، وتطهير كردستان العراق التاريخية من أكثر قدر ممكن من السكان العرب.

إما إذا أراد الشيعة، العرب تحديدا، تركيب عراق جديد حقا، فعليهم أن يضعوا يدهم في يد أهلهم السنة العرب، سياسيين ومقاومة نظيفة، على استراتيجية سواء، تطالب الأمريكيين وأتباعهم الغزاة بوضع جدول زمني للانسحاب من أرض العراق.

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 18 مايو 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home