Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الجمعة 19 ديسمبر 2008

عودة المثقف الملتزم..!!(*)

فرج بوالعَـشّة

مقابل تقلص أو قل حتى اختفاء مثقفي اليسار الليبرالي، في الولايات المتحدة، نهضت حركة المثقفين اليمينيين "المحافظين"، الذين تحول بعضهم من مثقفين ليبراليين ويساريين مستقلين، إلى منخرطين مؤيدين للبرنامج الريغاني اليميني. واحتلوا مراكز بارزة في إدارته، حيث عملوا بحماس على صياغة سياسة تفكيك الاتحاد السوفيتي، الموصوف عندهم بـ: "إمبراطورية الشر". وهاجموا بشراسة الليبرالية الأمريكية والمثقفين الليبراليين، الراديكاليين على خصوص، الذين ضعف دورهم الاجتماعي العضوي منذ انتهاء حرب فيتنام، ثم فشل "الكارترية الأخلاقية"..!
وفي عهد بوش الابن، الذي يعتبر تمثيلا متجددا للحقبة الريغانية، بطريقة متطرفة، تجدد المجد السياسي للمثقفين اليمينيين، الذين ظهروا باسم المحافظين الجدد، وقد حازوا على مراكز ومفاصل بارزة ومؤثرة في تصميم وإخراج الرؤية السياسية الإيديولوجية لإدارة دبليو بوش، الذي كان مجرد واجهة رئاسية ـ خصوصا في ولايته الأولى ـ لدهاقنة المحافظين الجدد المتصهينين، ومن ورائهم ملالي المسيحية المتصهينة...!
وعندما وقعت قارعة 11 سبتمبر، اعتبرها المحافظون الجدد "ضربة حظ"، على وزن ربّ ضارة نافعة، لصالحهم، فاستخدموها، على الفور، في تنفيذ مخططهم لغزو العراق، في سياق مشروعهم الإيديولوجي ـ الاستراتيجي، المعروف بـ"مشروع القرن الأمريكي الجديد"، الذي يقوم، فيما يخص الشرق الأوسط، على التدخل العسكري المباشر، وتغيير الأنظمة، لإعادة ترتيب الخريطة الجيوبولتيكية للمنطقة، بما يخدم مصالح أمريكا وسيطرتها على النفط، وحماية إسرائيل...!
لكن، بفضل المقاومة العراقية، سقط المشروع البوشي في العراق، وانهزم المحافظين الجدد وملالي المسيحية المتصهينة، فيما عادت الروح لحركية الوعي الرفضي للمثقفين الأمريكيين التقدميين في معاداة الحرب وإيديولوجية المحافظين الجدد.. وهو "الوعي الرفضي" الذي تحول إلى حركة اجتماعية سياسية واسعة للخلاص من "البوشية" وإيديولوجيتها الفاشية، دافعة بأوباما مرشحا للتغيير المنشود..!
ولم يكن المثقفون الأمريكيون الليبراليون التقدميون في رفضهم للبوشية معزولين عن مثقفي العالم. فمن فوائد مصائب إدراة بوش الابن أنها ولدت شبكة تواصل وتنسيق، متناغمة بين المجتمعات المدنية الحية في جنبات الأرض، جامعة، في داخلها، تحالفا كونيا، ضمنيا، بين مثقفي العالم، الذين يجمعهم الرفض المشترك للحرب والعولمة الوحشية والدفاع عن البيئة.. وبالتالي رفضهم للهيمنة الأمريكية، التي تحولت، في العهد البوشي، إلى نيو إمبريالية، مهووسة بإنتاج روما جديدة..!
أنهم صنف خارج التوصيف التقديسي لجوليان بندا..أنهم مثقفو القرن الواحد والعشرين، الذين يجدون في برتراند راسل وكامو وسارتر، وأشباههم، الرواد المؤسسين لصورة المثقف المعاصر لعصره، الذي يضمن دوره، كمثقف عضوي في مجتمعه اللغوي "الوطني-القومي" إذا شئت، دوره كمثقف عضوي في مجتمعه الكوني.. فعلى قدر ما كان راسل وسارتر وكامو مثقفين إنجليز أو فرنسيس، على سبيل المثال، كانوا مثقفين كونيين فاعلين. كما في مناهضة سارتر للاحتلال الفرنسي للجزائر، وتأسيس راسل وكامو لمحاكمة جرائم الحرب الأمريكية في فيتنام...!
لكن رغم تنوع وسائل الاتصال وتشابكها المذهل، نجد مثقفو اليوم أقل فاعلية وتأثير بكثير من فاعلية وتأثير أولئك الرواد في مجتمعاتهم والعالم، بعد الحرب العالمية الثانية، وخلال الستينيات والسبعينيات...!
لقد اختفى مثقفو المقهى، على الطريقة الفرنسية، المنخرطون في القضايا الأيديولوجية والإنسانية الكبرى. لكن، اليوم، في مطالع القرن الجديد، تعود أطروحة سارتر عن التزام الكاتب-المثقف، بحيوية أكبر ورؤية إنسانية كونية أعمق، متخلصة من أثقال الأيديولوجيات الكبرى الخائبة، سواء في الفلسفة أو السياسة أو الأدب، التي هيمنت في القرن المنصرم..!
إن المثقف الملتزم، انطلاقا من سارتر، يتمنهج مفهومه، كما عند إدوارد سعيد، في التزامه بمبادئه الفكرية الأخلاقية الأنسية. المبادئ التي حتمت على سارتر رفض قبول جائزة نوبل لعام 1964 لأنها صادرة عن مؤسسة رسمية لها دوافعها السياسية المغرضة..!
ودون أن يكون المثقف مثاليا أو قديسا، حسب مواصفات جوليان بندا، فإنه لا بد يجد نفسه مُلزما بمواجهة ضغوط قاسية لأجل أن يحقق انسجامه الأخلاقي الضميري مع مبادئه التي تشكل هويته كمثقف. وهي الضغوط التي يعينها أو يحددها إدوارد سعيد في أربعة ضغوط أساسية، تشكل أو تمثل الاختبار الحاسم لمناعة إبداع المثقف وإرادته. أولها: التخصص الفكري، الفلسفي، الأدبي، العلمي.. وشرط اختباره ألا يستسلم صاحبه لأسر حقل تخصصه. في الفلسفة أو الأدب أو التاريخ أو الاقتصاد أو الفيزياء أو غيرها. أكان دارسا أو مدرسا. بحيث لا يفكر المثقف في أي شيء خارج أفكار تخصصه، معزولا "فكريا" عن قضايا المجتمع والعالم، محصورا في منزلة "مثقف متخصص" إلى درجة: "تصبح وديعا وراضيا بما يسمح به المدعوون قادة في هذا الحقل. كذلك يقتل التخصص حس الإثارة والاستكشاف لديك. وهما موجودان على نحو يتعذر انتقاصه في البنية العقلية للمثقف. وفي التحليل الأخير، فإن الاستسلام للتخصصية، حسبما أشعر دائما، هو كسل؛ ولذا ينتهي بك الأمر إلى تنفيذ ما يطلبه منك آخرون، لأن هذه، برغم كل شيء، هو ما يمليه عليك التخصص".
يتبع...

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 18 ديسمبر 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home