Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Monday, 19 November, 2007

 

هل يوجد شيء اسمه الأمن القومي العـربي!(*) (2)

فرج بوالعَـشّة

(1)
لقد كانت حرب تشرين ـ أكتوبر نصرا عسكريا تاريخيا فذا، للمقاتل العربي.وما كان ليتحقق لولا التشارك العربي القوي، الذي ترجم مفهوم الأمن القومي العربي في آليات عمل عربي مشترك، بالسلاح والمقاتلين والمال والنفط والدبلوماسية، نجم عنه إلحاق هزيمة عسكرية نكراء بدولة بني صهيون، وغسل عار هزيمة 67، حتى إن تحليلات غربية كثيرة خرجت تتحدث عن نهوض العالم العربي كقوة عالمية مؤثرة!

لكن السادات حوّل الانتصار العسكري إلى هزيمة سياسية؛عندما قايض ثقل مصر القومي المركزي، في معادلة الأمن القومي العربي، مقابل استعادة مقيدة لسيناء، مؤسسا لعصر سلالة خديوية جديدة، لا تزال قائمة حتى اللحظة، تُخصص إرادة مصر السياسية ومقدراتها الاقتصادية لقوى الهيمنة الأجنبية، سياسيا واقتصاديا، وتُدير نظامها طبقة الباشاوات الجدد!

ونتيجة لإخراج السادات مصر من معادلة الصراع العربي مع بني صهيون، أصبح عنوان المرحلة مُسلَّمة: «لا حرب بلا مصر، ولا سلم بلا سوريا». وهي المُسلَّمة، التي سقطت صدقيتها في حرب تموز، عندما تمكّن حزب الله من خوض الحرب العربية ـ الإسرائيلية السادسة، لوحده، وإلحاق الهزيمة المخزية بالمشروع الصهيو أمريكي. ليصبح عنوان المرحلة: لا سلم بدون سوريا، لكن الحرب ممكنة بدون مصر!

والحال، نتيجة لمغامرة السادات ، في توثيق مصر بكامب ديفيد، وتسليم تسع وتسعين من الأوراق لأمريكا، اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982، وهيمنت الحقبة السعودية المنفوطة بتبعيتها الانهزامية للهيمنة الأمريكية. وراجت ثقافتها الرجعية وإعلامها النفطي المعادي للمشروع القومي النهضوي. وكانت دائما مُموِّلا للمخططات الأمريكية في المنطقة. فهي التي مولت، مع الكويت، ودول خليجية أخرى، حرب صدام حسين ضد إيران، بأكثر من 400 مليار دولار، خدمة للرغبة الأمريكية في القضاء على الثورة الإيرانية. كما موّلت الجهاد الأفغاني، بنحو 22 مليار دولار، ونشطت مخابراتها، بالتنسيق مع السي آي أيه، في عملية تجنيد واسعة للأفغان العرب، باسم «الجهاد» ضد السوفييت «الكفّار». مولت، بالمال والمناهج المتعصبة، المدارس الطالبانية في باكستان. التي تخلقت فيها حركة الطالبان بإشراف مباشر من مخابرات حكومة بنازير بوتو، والسي آي أيه.ولم تكن صناعة «الجهاد الأفغاني» سوى متاجرة بدماء شبيبة عربية مُغرّر بها في حرب قذرة بالوكالة عن السيد الأمريكي، في صراعه الكوني مع غريمه السوفييتي. بينما لم يكن مسموحا للسعودية وتوابع حقبتها، بأن يوجهوا التمويل والتجنيد للجهاد ضد العدو الصهيوني الذي يشكل خطرا ماثلا وداهما على الأمن القومي القُطري، لكل بلد عربي تقريبا، دون أن نتحدث عن خطره على الأمن القومي العربي ككل!

ومن منطلق مفهوم هذه الأنظمة للأمن القومي على أنه تأمين بقائها في السلطة، من خلال خدمة الأمن القومي الأمريكي، انخرط النظام السعودي وتوابعه الخليجية، ومعهم النظام المصري والأردني، في دعم العراق، بكل قوة، في حربه مع إيران. ليس دفاعا عن الأمن القومي العربي، أو «بوابة العرب الشرقية» حسب شعار تلك المرحلة. إنما خدمة للمخطط الأمريكي في محاربة الثورة الإيرانية!

ورأينا كيف عندما انتهت مهمة العراق، بنهاية حربه مع إيران عام 1988، استهدفت أمريكا، التخلص من قوته القومية، حيث أصبح صدام، بقوة العراق، المحرك المركزي للقرار العربي القومي، لا سيما في مؤتمر بغداد الذي عقد في 28 مايو 1990 بدعوة من الرئيس صدام حسين، لمناقشة موضوع التهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي العربي واتخاذ التدابير اللازمة حيالها. وتم في ذلك المؤتمر، لأول مرة، على مستوى القمة، إدانة الولايات المتحدة بالاسم، لحمايتها المستمرة لإسرائيل.وفيه دعم، ما يسمى قادة عرب، حق العراق في امتلاك جميع أنواع التكنولوجيات الحديثة.وفيه هدد صدام بحرق نصف إسرائيل «فصفق له العرب»!

ثم كان أن نصب له الأمريكان فخ الكويت. وحدث ما حدث من أحداث اجتياح الكويت، في الوقت الذي انهار فيه جدار برلين، وتفككت فيه الكتلة الشيوعية «الصديقة»!
ولم يمض على انقضاء قمة «الأمن القومي العربي في بغداد»، سوى شهرين ونصف، حتى انعقدت قمة القاهرة، في 15 أغسطس 1990، بقيادة المحور السعودي ـ المصري، الذي فرض التصويت بالأغلبية، من أجل إصدار فتوى سياسية تشرع، لأول مرة في تاريخ العرب الحديث، استدعاء قوى استعمارية لاحتلال أراض عربية.بل ودفع تكاليف الحرب والاحتلال.وأسندت الفتوى السياسية، فتوى دينية بواسطة مفتي آل سعود، الشيخ بن باز، الذي أفتى بجواز الاستعانة بالقوات الأجنبية: «سواءً كان المستعان به يهودياً او نصرانياً او وثنياً او غير ذلك..» كما جاء في جريدة (الشرق الاوسط) في 1/1/1991! وكان ذلك فصلا تاريخيا صارخا على انهيار نظرية الأمن العربي القومي، وتهافت العمل العربي المشترك بطريقة لم يُعرف لها مثيل في تاريخهم الحديث.

(2)
وها هو، اليوم، النظام العربي الرسمي، بعد نحو خمسة أعوام على احتلال المغول الجدد لعراق الرشيد، يظهر في أحط أوضاعه التاريخية، وأكثرها عارا، في خنوعه وانصياعه للسيد الأجنبي. ومع ذلك تصر الجامعة العربية على الحديث عن سبل حماية الأمن القومي العربي!

وأبأس ما في الأمر تظاهر أصحاب ما يسمى الجامعة العربية بأنها منظمة لخدمة مصالح الشعوب العربية.فنجد أمينها السيد عمرو موسى، مع احترامي الشخصي له، يُضخّم من الحديث عن إصلاحات الجامعة، مستشهدا، مثلا، بتشكيل البرلمان العربي الانتقالي، الذي، معظم أعضائه عبارة عن برلمانيين مزورين مندوبين عن برلمانات مزورة. يعقدون، مثل قادتهم، ملتقيات لا معني أو مضمون عملي لها. كلام في كلام. وشعارات في شعارات. ومناقشات لتجزئة الوقت. ومنها مناقشاتهم لمسألة الأمن القومي العربي.حيث اجتمعت ما يسمى بلجنة «الشؤون الخارجية والسياسية والأمن القومي في البرلمان العربي الانتقالي»، في دمشق، ثم في طرابلس الغرب، بهدف إعداد مسودة مشروع لاستراتيجية الأمن القومي العربي، محددة في خمس عناصر رئيسية، مطروحة للنقاش، وهي:مفهوم الأمن القومي العربي، والحالة الراهنة للأمن القومي العربي، ومصادر التهديد، واستراتيجية الأمن القومي العربي، وآليات تنفيذ استراتيجية الأمن القومي العربي!

وكالعادة حضرت، بوفرة، المزايدات العربية الرسمية على القضايا القومية؛ حيث في الوقت الذي تفرط فيه معظم الأنظمة العربية في الأمن القومي العربي، بل وأمنها القومي القطري، إذ تختزله في أمنها السلطوي، بمعني تأمين بقائها في الحكم (على حساب أي شيء آخر!!!)، نجدها تزايد على بعضها البعض، بالأقوال، في إنشاء البيانات والرطانات الخطابية عن وحدة الأمة العربية ومركزية القضية الفلسطينية.!

تكاثرت الأوراق. فهده ورقة سعودية وهذه مصرية وهذه ليبية. وما يجمعها جميعها المزايدة الفارغة من أي إلتزامات ملموسة. ولم لا ما دام الكلام لا يكلف شيئا... نُطالع الأوراق المطروحة لمناقشة مسألة الأمن القومي العربي، نجدها كلها تمتح من البلاغة المجانية نفسها، من حيث الحديث عن ضرورة الحفاظ على سيادة واستقلال وأمن وسلامة الاقاليم العربية، لحماية الأمن القومي العربي، وضرورة تفعيل الدور الجماعي العربي الموحد، وإعادة ترتيب البيت العربي، ودراسة مفهوم الأمن القومي الجماعي العربي بما يناسب التطورات السريعة والاستجابة للتحديات والمخاطر، بحيث يستعيد العالم العربي موقعه الفاعل كجزء من معادلة القوة على الساحتين الإقليمية والدولية. وقد عددت الورقة السعودية مصادر التهديد للأمن القومي العربي في استمرار احتلال إسرائيل لأجزاء مهمة من الأرض العربية في فلسطين وسوريا ولبنان، ومشكلات التركيب الطائفي والمذهبي، وتزايد أشكال التحدي الغربي لمكونات الحضارة الإسلامية، وتحديات التنمية الاقتصادية بما في ذلك مشكلات الفقر وانخفاض مستويات الحياة، وهجرة رؤوس الأموال والعقول العربية، وتفاقم مشكلات البطالة، الأمر الذي يتطلب مراجعة شاملة لأبعاد الأمن العربي القومي واستحقاقاته بهدف اعتماد مفهوم شامل للأمن القومي العربي يقدر على مواجهة تحدياته الخارجية والداخلية. ولكن لا شيء على الأرض بلغة الأفعال والاستجابة لسؤال: ما العمل العملي إزاء حماية الأمن القومي العربي، بمفهومه الشامل (السياسي ـ الاقتصادي ـ الثقافي ـ العسكري.....). بالعكس فإن ممارسات معظم الأنظمة العربية معادية ليس فقط للأمن القومي العربي وإنما للأمن القومي القُطري. ألم يُصرح جمال مبارك، الوريث المنتظر للنظام الساداتي ـ المباركي، بأن العلاقة مع الولايات المتحدة جزء من الأمن القومي المصري. والمعنى الحقيقي لتصريحه، هو أن أمن النظام المباركي جزء من الأمن القومي الأمريكي!

والشاهد أن الأمن القومي العربي لن يكون له أي معني إلا بعدما تتمكن الشعوب العربية من التخلص النهائي من أنظمة الاستبداد والتبعية، وتأسيس وترسيخ أنظمتها الديمقراطية الوطنية الخالية تماما من طبائع الاستبداد والعمالة للمهيمن الأجنبي. عندها ستجد الحكومات العربية الديمقراطية، الممثلة لإرادة شعوبها، التي انتخبتها، وتستطيع أن تسقطها، وتأتي بغيرها، أنها ملزمة بالعمل العربي المشترك ودمج مفهوم الأمن القومي القطري بمفوم الأمن القومي العربي، بما يخدم مصالح الشعوب العربية، في الأمن الجماعي والاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي.

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الأربعاء، 14 نوفمبر 2007م.


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home