Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 19 October, 2006

ماذا تـتـوقع " لنا" السي آي أيه!!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

«لنا» هنا تعني «نحن» الأمة العربية، التي تعمل أمريكا بقوتها الاقتصادية والعسكرية وهيمنتها السياسية على تعويم مفهوم وجودها الجيوسياسي وتغيير عنوانها الخاص كوطن عربي كبير، إلى عنوان مصطنع في تصور استراتيجي جيوسياسي، تحت تسمية: «شرق أوسط جديد»، أو كبير، يمتد، في التصور الأمريكي، من مضيق طارق إلى مضيق هرمز. وهي الخريطة المستهدفة كمجال حيوي لـ«روما جديدة»، سياسيا اقتصاديا عسكريا، بحيث تلعب إسرائيل دور صاحب البطل ـ السنيد.

أما ما تتوقعه ـ لنا ـ «السي آي أيه»، فنجد معطياته في دراسة استخبارية، انجزت لصالح وكالة المخابرات الأمريكية المركزية، من أجل وضع تصور مستقبلي لواقع «النظام العالمي الجديد» ودور الولايات المتحدة فيه، حتى العام 2015.

ولأن أهمية الشرق الأوسط، وفي قلبه الوطن العربي ترتبط بكونه مضخة نفط عظمى لتغذية الغول الرأسمالي، فإن معيار استشراف الآفاق المستقبلية، لمتغيرات النظام العالمي الجديد، يتوقف على مدى تأمين السلعة النفطية بكميات وأسعار مناسبة. دراسة السي آي أيه تؤكد أن النفط سيحافظ على أهمية طاقته المركزية للعالم في منظور المستقبل المتوقع حتى العام 2015.

وبعد العامل النفطي في رسم المستقبل العالمي، تأتي عوامل أخرى، لا تقل جوهرية، في تحديد ملامح المتوقع، بل أن أهميتها تكمن في أنها تأثيراتها غير متوقعة.والمقصود الرحم الديموغرافي المتفجر، حيث تتوقع الدراسة ارتفاع عدد سكان الأرض من 6 مليارات إلى ما يقرب من 7 مليارات نسمة في عام 2015، وأن يشهد معدل الأعمار ارتفاعا في معظم دول العالم. مع ملاحظة ان نسبة كبيرة من زيادة السكان ستكون في الدول النامية. وكون الاقتصاد ملعب التاريخ، وفي ظل أولترا إمبريالية متوحشة، في نسخة روما الجديدة المتأمركة، يسهل للمحلل المستقبلاني تصور العالم اقل أمنا. لكن شبكة المجتمع المدني الكوني، وحركة حركاته الرفضية، المناهضة للعولمة الليبرالية، وللحروب، لا يمكن لها أن تقبل، أو تتعايش مع أوهام محافظين جدد وأصوليين مسيحيين متصهينين، مهووسين بحروب «الصدمة والرعب» ونظرية «الفوضى البناءة»!

وإلى جانب حركة المقاومة العالمية للعولمة الأمريكية، تنهض مقاومات شعبية مسلحة ضد السيطرة الأمريكية العسكرية، كما هو الحال مع المقاومة العراقية، التي أجهضت المشروع البوشي لتوليد «الشرق الأوسط الجديد» من لبنان. وأجهض حزب الله محاولة توليده ثانية من لبنان، بواسطة الأداة العسكرية الصهيونية!!

ودون أن تكون لدى المحلل، المدرك لأوضاع المنطقة، امكانيات السي آي أيه في إنجاز مثل هذه الدراسة المكلفة، فإن المؤشرات واضحة على هزيمة مشروع الهيمنة الأمريكية، على العالم العربي، قبل 2015 بسنوات، إلا إذا نوت أمريكا إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بالقنابل النووية!!

دراسة السي آي أيه تستبعد تماما فكرة المعالجة النووية التدميرية لأعداء الولايات المتحدة المفترضين. وتعويضا عن ذلك تستبشر ترضيات تطمينية لمستقبل الولايات المتحدة، ستجدها في فرص التعاون بين الهيئات الحكومية وغير الحكومية، وتطور أساليب السيطرة على شبكات الإجرام والإرهاب الدولية. وفي التطور العلمي والتكنولوجي، والتقنيات الحديثة، كتقنية المعلومات والتقنية الدوائية، التي ستكون عاملا أساسيا في تطور التنمية الكونية، وبالتالي ترسيخ الأمن الدولي!!

وحيث إن السي آي أيه غير معنية بالأخلاق الإنسانية، لا من قريب ولا من بعيد، فإن دراسة، مدفوعة التكاليف من لدنها، لا بد وأن تُعنى، بالضرورة، برسم تمكين الولايات المتحدة من فرض سيطرتها العالمية، بما يليق بقدراتها العسكرية، ومقدراتها الاقتصادية.وكون أمريكا في العهدة البوشية الثانية، وما أدراك ما العهدة البوشية الثانية، فإن دراسة الوكالة لابد وأن تأخذ في اعتبارها إرضاء أوهام صاحب البيت الأبيض!!

في الاجمال تنطلق الدراسة من معطيات «موضوعية»، تستند إلى تجميع المعلومات التحليلية، لكنها تتجنب التطرق إلى معطيات تراجع الهيمنة الأمريكية الكونية. وفي سياق تحليلها «الموضوعي» تتحدث الدراسة عن تعاظم النفوذ الصيني مقابل انحسار النفوذ الروسي. وفيما «يخصنا»، حسب توقعات الدراسة، فإن هناك قضيتين رئيسيتين تتصلان بوجودنا. وهما النفط والماء. في مسألة النفط، من المتوقع ارتفاع الطلب عليه بنسبة الخمسين في المائة. هذا يعني أن المنطقة العربية، ستظل في المستقبل المنظور سيالة للعاب الهيمنة الأمريكية.والدراسة تبتعد عن مقاربة مؤشرات بورصة أسعار النفط في منظور العقد المقبل. وهي محقة في ذلك، لأنها مؤشرات تتعلق بالاستشعار السايكو سياسي، أكثر مما تتعلق بمنطق المبدأ الاقتصادي في معادلة العرض والطلب. فالأسعار تطرق، حتى كتابة هذا المقال حدود 60 دولارا، على خلفية هزيمة بوش، سياسيا، في العراق، والنزاع الأمريكي ـ الأوروبي مع إيران، في طوره الدبلوماسي، المفتوح على تصعيد عسكري محتمل. ومع استمرار الغرب «الأمريكي ـ الأوروبي» في حماية إسرائيل وتبرير عدوانها، كما في لبنان وفلسطين، ومع احتمال نشوب انتفاضات شعبية مسلحة ضد أنظمة الاستبداد العربية، من جهة، وضد الوجود الأمريكي ومصالحه، من جهة أخرى فإن أسعار النفط ستتناسب في صعودها مع إنفجارات الفوضى المحتملة في الشرق الأوسط.

الدراسة تتجنب التطرق إلى مثل هذا السيناريو المشؤوم، إذ لا يمكن لواضعيه أن يغفلوا الحاجة الدعائية للإدارة البوشية في تلطيف الأزمات الدولية المستقبلية، سيما وهي الغارقة في المستنقع العراقي.

وفي مسألة المياه، التي يُتوقع أن تكون مصدرا لنزاعات إقليمية حادة مع حلول العام 2015، تشير الدراسة إلى ثلاث مناطق رئيسية تشكل فيها المياه أهمية استراتيجية وجودية كبرى، وهي الشرق الأوسط، وشبه الصحراء الأفريقية، وجنوب آسيا، وشمال الصين. ويهمنا هنا الحديث عن شرقنا الأوسط بطبيعة الحال. وإذا كانت الدراسة لا تتوقف أمام إمكانية التعاون الإقليمي السلمي، وتدخّل تكنولوجيا تحلية مياه البحر، في إقصاء أزمة نقص المياه من دائرة الصراعات الإقليمية المحتملة، فإن دول الخليج تعمل منذ عقود على حل مشكلة المياه لديها بوسائل التكنولوجيا المتقدمة.

وبالنسبة للمشكلة المائية في العراق وسوريا فهي مرتبطة بابتزاز تركي قابل للحل، لا يقتل من عطش، كونه مرتبط بوضع سياسي وليس مائي، بينما تبقى الأزمة المائية، في علاقتها مع الصراع العربي ـ الإسرائيل، مفتوحة على احتمالات الحرب أو السلام!!

وعند الحديث عن تطور ثورة المعلومات وتقنياتها، التي تمثل الثورة البشرية الثالثة، بعد الثورة الزراعية والثورة الصناعية، فإن العرب مجرد مستهلك سطحي.ولا علاقة للأمر بالعقل العربي العلمي، المتفوق على المستوى الفردي، وعلى نحو مذهل، وإنما الداء في طبيعة الدول وأنظمة الحكم، إذ أن شروط ثورة المعلومات تتوقف على حرية تدفقها التي تتوقف على مساحة انتشارها، وبالتالي فعاليتها، وهي مساحة ضيقة حد الاختناق في معظم المجتمعات العربية. وبسبب واقع هذا الاختناق السياسي ـ الاقتصادي ـ الثقافي، فإن العرب، باقون في ذيل قائمة التطور التاريخي، وبالتالي مستمرون في لعب دور المفعول به، ما لم تنتفض الشعوب لتستحق خلاصها الجماعي من المستبد المحلي، كشرط ضروري للتخلص من المهيمن الأجنبي!!

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 19 اكتوبر 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home