Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الخميس 19 سبتمبر 2008

موت الحداثة وانبعاث ما بعدها!!(*)

فرج بوالعَـشّة

بينما لا تزال العقلية الغربية ـ الإسلامية التقليدية تماحك "مسألة الحداثة" من منظور جهلها بها"بتراثها الفكري الفلسفي ومعطياتها العقلانية العلمية"،نجد الفكر أو العقل الغربي قد تجاوزها نحو تأسيس المنظومة المعرفية"فلسفة العلوم والتكنومعلوماتية" لما بعد الحداثة...!!

لقد ظهر نعي "موت الحداثة" ورثاؤها منذ أواخر الستينيات في نصوص الفيلسوف الإبستيمولوجي ميشال فوكو،الذي أعلن:"موت الإنسان"..أي إنسان الحداثة..بالمعنى المفاهيمي.."الموت" الذي أنتج متوالية "موتات" ابستيمولوجية:موت الفلسفة والتاريخ والإيديولوجية والعقلانية والموضوعية والوضعية العلموية..وغيرها من مفاهيم إنسانوية الحداثة..وهي المفاهيم التي رأى فوكو وجوب وضعها بين مزودجين،حتى تحليل أخير...!!

إن بنية العقل الغربي الحداثوي المكوَّن،والمكوِّن أيضا،لم تهضم بعد فلسفة ما بعد الحداثة المنافية لجهازية المفاهيم واستقرارها على معانيها ومراميها القديمة..!! إن مفاهيم ما بعد الحداثة لا تزال غامضة مُشتتة،بلا وعي فلسفي يحتويها في نظرية معرفية متكاملة..وكيف لها ذلك وهي المناقضة،في العمق،للنظريات..!!

إن موقف "ما بعد الحداثة" من "الحداثة" لم يحسم جذريا بعد..فلم تُعين،بعد،لحظة انقطاع "الحداثة"..هل اكتملت الحداثة "فلسفيا" مع هيجل؟!..وماذا عن نيتشه؟!..الذي أعلن "موت الله"،بالمعنى المسيحي،أي موت وعي الميتافيزيقا المسيحية؟!..هل نعُده مبتدأ "ما بعد الحداثة"،وربما منتهاها،كما في تجليات في عالم "ما بعد الخير والشر" ـ عنوان أحد أبرز مؤلفاته ـ ؟!..

إن فوضى مفاهيم "ما بعد الحداثة" كامنة في سياقات سبرها المعرفي لما بعد نظام الخير والشر..أي اللانظام..أي نظام الفوضى وفوضى النظام ـ بالمعنى الفلسفي،وليس بالمعنى البوشي..!!!

تاريخيا،بلغة خطاب الاقتصاد السياسي،لم يُتفق،بعد،حول لحظة اكتمال الحداثة..يوجد ميل تنظيري إلى اتخاذ حدث نهاية الحرب العالمية الثانية خاتمة تراجيدية لتشوهات الحداثة الغربية البرجوازية،الماثلة في نزعاتها القومية الفاشية النازية العنصرية،المحمولة على تاريخ استعماري شنيع..ويمكن اعتبار انبثاق الحركة الشيوعية،وفلسفتها الماركسية تحديدا،ردة فعل ثوري عنيف على مظالم الحداثة البرجوازية في ذروة هيمنة نظامها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي في القرن التاسع عشر..!!

إن طرح رؤية "ما بعد الحداثة" ومناقشتها،في حيز الثقافة العربية،التي لم تنجز استحقاقات الحداثة بعد،تبدو موضوعا للترف الفكري؛كونها"الثقافة عربية" تفكر وتنتج،نفسها،في واقع عربي"اجتماعا واقتصادا وسياسة" هو ما قبل الحداثة أصلا..!!

لذا علينا،في ديرة العرب والمسلمين،أن ننتظر فكرة "ما بعد الحداثة"،التي فقست حديثا في الغرب،حتى تصبح ديكا متقاعدا عن الصياح..وعندها نأخذ في تنازع أفكارها والتنازع على تفسيرها،كما سبق وجرى لغيرها من أفكار كبرى مثلها،أخذناها بعدما أوشك الغرب على نبذها وتجاوزها:التنوير،الحداثة،الماركسية،الوجودية،العبثية.....ألخ...ثم انقلبنا على التراث العربي الإسلامي،فشوهناه بتفسيراتنا المشوَّهة بعقد نقصنا وعجزنا عن قراءته قراءة عصرية وفق المناهج العلمية الحديثة..!!

......وهكذا بينما تتسارع معظم شعوب العالم وأممه متنافسة من أجل أن تكون في طليعة مضمار السباق الحضاري الكوني "المعولم" في سبيل استحقاق الوجود في التاريخ والحضور في المستقبل،نجد العرب لاهثين في آخر المؤخرة،يكثر بينهم المنسحبون من المضمار،مسلمين بعجزهم الحضاري،راضين بكسلهم الخمولي في ركن التاريخ..وكأن تخلفهم أصبح مركَّبا جينيا..!!!

إن واقع العرب المزري يُقرأ في حقائق مستقبلهم كما ترسمه إحصائيات تقارير التنمية،وتقديرات علم المستقبل الذي لا يرحم..!!

إن المستقبل العربي متوقع له أن يكون واقعا مزريا إذا لم تتحرر الشعوب العربية من أنظمتها الاستبدادية وثقافتها التقليدية الجمودية..مستقبل برسم اكراهات وعطالات خصبة للتطرف والعنف،نجد مؤشراتها في تصاعد احصاءات البؤس والتخلف:تصاعد معدل الانفجار السكاني في العالم العربي من 290 مليون نسمة،عند العام 2000،إلى أكثر من 350 مليون نسمة في نهاية العقد الثاني من هذا القرن؛وحيث يقدر معدل النمو الطبيعي للسكان بـ 2,3%،مقابل 1,7% في الدول النامية،و0,53% في دولة متقدمة مثل الولايات المتحدة...!!

وستكون نسبة الشباب العربي،حينها،فوق 60% من إجمالي السكان،ومن المرجح أن تكون نسبة البطالة بينهم 30%،ضمن حوالي مائة مليون عاطل عن العمل بحلول عام 2020؛وحيث يملك 5% من السكان حوالي 40% من إجمالي الدخل القومي العربي..!!

وسيكون هناك عجز متضاعف في الاكتفاء الغذائي،وبالتالي ارتفاع متضاعف في فاتورة الغذاء المستورد إلى ما يفوق الستين مليار دولار،بينما تقارب ديون العالم العربي حوالي 560 مليار دولار ما بين خارجية وداخلية؛مقابل استثمارات عربية في الخارج تقدر بين ألف مليار دولار و ألفين مليار دولار..!!

...وسيرتفع عدد الأميين العرب إلى حوالي 120 مليون أمي وأمية،في وجود 23 مليون طفل لن تستوعبهم فصول التعليم الابتدائي...!!

نوعيا،لا تتجاوز نسبة ذوي المؤهلات العليا 6%،بينما هي في الدول الصناعية،تتجاوزنسبة 30% ..وهذا يبين ضحالة التطوّر النوعي في واقع العرب المتوقع في القرن المقبل.إنه مستقبل الشبيبة العربية نفسها التي ستصبح في هذا القرن ثالث أكبر قوة شابة في العالم،وتكون اللغة العربية هي الأخرى ثالث لغة يتحدث بها شباب العالم،تأتي بعدها الإنكليزية والأسبانية..وهذا يعني أن المجتمعات العربية مقبلة على حراك اجتماعي جذري،بين خيارين ثالثهما توفيقي ملفّق:فأما أن تجد هذه الطاقة الشابة قنوات إنتاج خلاّقة(نظراً وعملاً) لتصريف طاقاتها وإبداع مستقبلها على نحو يفي بحاجاتها الأساسية ويليق بضرورات الكرامة الإنسانية..أو فإنها ستغرق نفسها وتغرق مجتمعاتها في ظلامية اليأس والعنف..!!

...ويبقى، في ختام هذا المقال،القول مع عالم المستقبليات الأمريكي بيترشفارتز في تعليقه على خيارات المستقبل و تحديات التغيرات القادمة،انه: " بالنسبة لأولئك الذين لا يحبون التغيير كان أفضل وقت ليولدوا قبل العام 1800 أو كان عليهم التريث حتى حلول العام 2050،أما بالنسبة لأولئك الذين يحبون التغيير فإن أفضل وقت للحياة هي الفترة ما بين1995 و 2010".. وإلى ذلك،مع هيراقليطس" إذ لم نكن نتوقع اللا متوقع فلن نجده"..!!

...هي ،إذاً،دعوة للإقامة في المستقبل بشروط تحديات المستقبل الحاسمة....انتهى..!!!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 18 سبتمبر 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home