Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 19 July, 2007

شغـّـل عـقـلـك أيّها العـربي!(*)

فرج بوالعَـشّة

يُنسب إلى سقراط مقولة: "اعرف نفسك"، التي يتداولها العرب، نخبة وعامة، بإفراط.. المقولة السقراطية هذه تمثل مبدأ فلسفياً تأسيسياً، مبنياً على تشريط معرفة العالم بمعرفة الذات - النفس، أولا. لكن معادلتها المنطقية ظلت ناقصة، حتى ظهر الفيلسوف الألماني "كانت"، الذي بنى فلسفته العقلانية على مبدأ: "تجرأ على تشغيل عقلك"!

فأصبح كي تعرف نفسك عليك أن تشغّل عقلك أولا. عقلك النظري، وسؤاله المركزي: "ما الذي أستطيع معرفته؟!"، الذي، حسب تفسير "كانت"، يتضمن أسئلة ميتافيزيقية ليس بوسع العقل النظري الإجابة عليها مطلقا!
أما العقل العملي النقدي فبوسعه أن يحاكم (منطقياً) مزاعم اللاعقلانية، بأن يطرح عليها سؤالا مباشرا، قد يبدو شديد البساطة: "ما الذي يتوجب عليّ القيام به؟!" وهو سؤال معرفي، يتوسل بالمناهج العلمية الاستدلالية تحليل إشكاليات الواقع الإنساني، الكامنة في الظواهر الموضوعية (اجتماعية - ثقافية - سياسية - نفسية). وبالتالي استنباط النتائج الكلية من المقدمات الجزئية. ومن ثم تبيان العلل، واجتراح الحلول الناجعة لها!

إذن، شغل عقلك، أيها العربي - المسلم، لتدرك حقيقة الأشياء (مظاهر الطبيعة، وقائع الحياة، أحداث التاريخ) وتفهم أنها (الأشياء) تدور حول فكرك، وليس فكرك (المحشو بالإجابات المُجهَّزة) هو الذي يدور حولها!
ولكي تشغل عقلك، في بداية الألفية الثالثة، لست مضطرا أن تكون "كانت" أو "هيغل" أو حتى "ماركس". يكفي أن تنظر حولك بوعي عقلاني طازج، حتى تعي ألا معنى لوجودك الفاعل في عصرك ما لم تدرك ماهية حقوقك ككائن تاريخي ناجز وفق آخر طبعات الحضارة الإنسانية!

وإذا كان لا يعجبك تفسير "كانت"، بحسبانه، عندك، فيلسوفا فرنجيا، دونك فلاسفة العقل الإسلامي، من مسكويه والتوحيدي، إلى ابن رشد، وصولا إلى مفكري وفلاسفة العقلانية العربية - الإسلامية الحديثة، من رفاعة الطهطاوي إلى محمد أركون.!

... إذن شغل عقلك العقلاني أيها العربي - المسلم، بالأسئلة العويصة التي تطرح نفسها أو تطرحها على نفسك، في عصرك، إلى درجة قد تبلبلك، مما قد يجعلك، نتيجة الخوف من خطورتها على تفكيرك الكسول "المريح"، تنكص عن مواجهتها، وتهرب إلى إجابات معلبة!

شغل عقلك الدماغي، أيها العربي - المسلم، وليس عقلك البطني (حيث كشف العلم، حديثا، أن للمعدة عقلها الخاص، الذي يملي عليها غريزة العيش لتأكل!).

تجرأ، أيها العقل العربي المُعقَّل، على تشغيل عقلك التحليلي النقدي التركيبي، واقتحم عوالم الأسئلة الخلاقة. وإياك التملص منها، أو التسلح ضدها بالإجابات المحنطة. فلن تكسب معرفة ذاتك، وذات الآخر، وفهم الواقع - العالم، إلا إذا تلظى عقلك بالأسئلة الملتهبة، التي تطهر الذهن والذاكرة والمخيلة من أدران العكوف على الجهالة!

شغل عقلك أيها العربي - المسلم متى وكيف ولماذا كف العقل الإسلامي، بسبب تعطل عقول المسلمين، عن أن يكون عقلا عقلانيا - علميا. يقتحم العوالم الغامضة، في عقل الإنسان وعقل الطبيعة وعقل التاريخ!

والحال أن نهوض كل أمة مشروط بالضرورة بحراك فكري وفلسفي، ينظر في الواقع التاريخي (الحاضر) بأفضل ما توصل إليه العقل الإنساني، في عصره، من مناهج بحث علمية، يستقري بها الماضي، بالتزامن مع شروط لحظته التاريخية، من جهة. ويستشرف بها المستقبل من منظور رؤية عقلانية - علمية تجاوزية، من جهة أخرى!

والمعنى: في الوقت الذي ربط فيه الغربي معرفة النفس بتشغيل العقل، مضى العربي - المسلم، أبعد فأبعد، في اكتشاف العلوم وفض مغاليق الأسئلة المجهولة!
غاب العرب عن الوعي التاريخي، ونهض الغرب حضاريا، بعدما التقط مفاتيح العقلانية الرشدية، ليطورها إلى أبعاد عقلانية فلسفية أوسع..!

لقد أمسك العقل العربي ـ الإسلامي، لقرون طويلة، عن أداء وظائفه المعرفية في الاستقراء والاستنباط، والتجريب والابتكار؟! وأسباب ذلك كثيرة، متعددة، متشابكة، معقدة. ليس هنا مقالها!
لكني أتوقف عند النظر إلى معنى العقل ومحددات عمله، في انطولوجيا لسان العرب، من حيث استناده إلى تصور لغوي، مستنبط معناه ووظائفه من علاقة الأعرابي بالجمل. بمعنى: عَقَلْتُ البَعيرَ إِذا جَمَعْتَ قوائمه. أي حبسته عن الحركة - الحرية

وبالطبع لا يفي التفسير اللغوي - الألسني وحده، رغم أهميته، بغرض الكشف عن أسباب جمود العقل العربي (المعرفي - الحضاري). إذ أن الدلالات السلبية لمعاني العقل، في اللغة العربية، لم تمنع العرب من فك عقال العقل المعتقل في الجهالة والخرافات، وإطلاق سراح تفكيره العقلاني الاجتهادي لإبداع وجود حضاري (عربي - إسلامي) متفوق، أهّلهم، بامتياز، لقيادة التاريخ الإنساني لقرون، بينما كان عقل الغرب مكبلا بقرون مظلمة.. لكن ذلك لا يلغي أهمية تحليل سطوة سلطة اللغة اللسانية (السوسيو-ثقافية) على المعرفة العقلية؟! إن التاريخ، كونه مختبر تجارب التحولات الاجتماعية البشرية، يثبت لنا، على الدوام، أن قيم الدين الروحية يُحط أو يرتقى، بها، حضاريا، استعمالا وتوسلا، حسب الطبيعة الفكرية (المكوِّنة - المكوَّنة) للعقل التاريخي الذي يتعامل مع تلك القيم.. إن الإسلام الحق يُعلي سلطان العقل العقلاني - العلمي سواء في مجال المعرفة الدينية أو المعرفة الدنيوية. ويشرط تغيير أحوال الناس، إلى الأفضل والأسمى، بتغيير أنفسهم!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 19 يوليو 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home