Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Wednesday, 19 July, 2006

قراءة في "الميثاق العـربي لحقوق الإنسان"

فرج أبوالعـشة

هل سمعت آخر نكتة؟!! ـ يقال إن جامعة الدول العربية، التي هي جامعة لدول معظمها علامة "فاخرة" على انتهاك حقوق الإنسان واحتقارها، أصدرت ما اسمته: "الميثاق العربي لحقوق الإنسان"، بعد ستين سنة على تأسيسها، وكذا ستين سنة على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان!!
ومع ذلك لم تُصدِّق على هذا "الميثاق"، سوى ثلاث دول، حتى الآن. و"الميثاق" يحتاج إلى تصديق سبع دول، على الأقل، حتى يدخل حيز التنفيذ. وهذا لا يعني أن الدول الثلاث التي صدقت عليه قامت بذلك من منطلق احترامها لحقوق الإنسان فحتى لو صدّقت عليه كل الدول العربية، فإنه لن يكتسب مصداقيته إلا من مصداقه للواقع. فلا يعني الإقرار، نظريا، بدخول "الميثاق" حيز التنفيذ الفعلي، ان الأنظمة العربية قد نزلت بها الرأفة على شعوبها بغتة!!

والدليل على أن "الميثاق العربي لحقوق الإنسان" ليس سوى نفاق عربي لحقوق الإنسان، هو أن الدول العربية، التي وقّعت، على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومواثيقه الملحقة، لم تلتزم أبدا بتطبيقه. فهي كانت، ولا تزال، مستمرة في قمع شعوبها، وانتهاك أبسط حقوقها الإنسانية.

الطريف في الأمر أن وكيل عزبة الحكام العرب، يتحدث عن وجود "آلية تنفيذية" متمثلة في "لجنة حقوق الإنسان العربية" لغرض التأكد من التزام الدول العربية ببنود الميثاق الخاص باحترام حقوق الإنسان والحريات العامة. وإن أعضاءها سينتخبون بطريقة الاقتراع السري، من طرف الدول الأعضاء السبع الأُول المصدقين علي الميثاق، وبحصانة خاصة تحميهم من أي مشاكل.. وأن اللجنة ستتمتع، كذلك، بجهاز إداري خاص وموازنة مستقلة. وهو كلام جميل إذا أخذناه على علته. أو كان متلقيه ليس مخلوقا عربيا يعرف البئر وغطاءه. أي يرتشف القهر مع قهوة الصباح. ويعيشه اكراهاته في تفاصيل يومه. وفي كوابيس منامه. إن حمولة النفاق فائضة عن الحاجة في ديباجة "الميثاق"، التي تُعلي ـ تصوروا ـ من كرامة الإنسان العربي. ونجد في المادة الأولى تأكيداً صارماً على حق كافة الشعوب في تقرير المصير والسيطرة على ثرواتها ومواردها الطبيعية. ولها، استنادا على هذا الحق، أن تقرر بحرية نمط كيانها السياسي وان تواصل بحرية تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. . وإن العنصرية والصهيونية والاحتلال والسيطرة الأجنبية هي تحد للكرامة الإنسانية، وعائق أساسي يحول دون الحقوق الأساسية للشعوب. ومن الواجب إدانة جميع ممارساتها والعمل على إزالتها.. لكن ما يدخل من حقوق في حيز التنفيذ فعليا، في مفهوم الحكومات، هو حقها في:" الحق أن تقرر بحرية نمط كيانها السياسي. . " أما وجوب إدانة الممارسات العنصرية والصهيونية والاحتلال والسيطرة الأجنبية، والعمل على إزالتها، فلا تخرج عن كونها رطانة إنشائية لدواعي النفاق العربي الدارج، بدليل صمت الدول العربية إزاء تذبيح الفلسطينيين واللبنانيين على أجناد الصهيونية العنصرية الاحتلالية بحماية قوى السيطرة الأجنبية. إن مفردة النفاق، في لسان العرب، تولّدت من سلوك اليربوع في صنع نفق يدخل منه من فتحة ويخرج عنه من فتحة ثانية. ومن هنا اكتسبت المفردة مفهومها الأخلاقي لتحديد سلوك المنافق الذي يُبطن ما لا يُظهر. وهو ما ينطبق على سلوك معظم الأنظمة العربية، الاستبدادية بامتياز، والخاضعة للهيمنة الأجنبية. ومع ذلك تتحدث عن فضائل حقوق الإنسان، وتنادي بحق الشعوب في تقرير مصيرها . فتصور أيها المواطن، بين ظفرين، المسمى عربيا، أن مستبديك قرروا أن:"تتعهد كل دولة طرف في هذا الميثاق بأن تكفل لكل إنسان موجود على أراضيها وخاضع لسلطتها حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة فيه دون أي تمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر دون أي تفرقة بين الرجال والنساء. "

وانه لا يجوز ـ تصور ـ تقييد أي حق من حقوقك الإنسانية الأساسية . ولكن أيها المواطن، بين ظفرين، يجوز لمستبديك "اللطفاء"، حسب ميثاق جامعتهم الموقرة، أن يتخذوا، في أوقات الطوارئ العامة التي تهدد حياة الأمة، من الإجراءات ما يحلها من التزامها، طبقا لهذا الميثاق، إلى المدى الضروري الذي تقتضيه بدقة متطلبات الوضع. ولكن لا تجزع، فهم يعودون إلى التأكيد بعدم جواز مس إجراءات الطوارئ بالضمانات الخاصة بحظر التعذيب والإهانة والعودة إلى الوطن واللجوء السياسي وعدم جواز تكرار المحاكمة عن ذات الفعل وشرعية الجرائم والعقوبات. وبعد ذلك تمضي مواد الميثاق "العظيم" في كولجة(من كولاج) المواد الأكثر بلاغة إنسانوية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. مثل:لكل فرد الحق في الحياة وفى الحرية وفى سلامة شخصه ويحمى القانون هذه الحقوق. وإن: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني ولا عقوبة على الأفعال السابقة لصدور ذلك النص، وينتفع المتهم بالقانون اللاحق إذا كان في صالحه. والمتهم برئ إلى أن تثبت إدانته بمحاكمة قانونية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه. . إلى آخر ما تفتق عنه العقل الإنساني من حقوق واجبة. حتى إنهم ـ تصور ـ يقرون بأن حرية العقيدة والفكر والرأي مكفولة لكل فرد ـ في ما يسمى بالعالم العربي ـ!!

ولم يترك "الميثاق العربي لحقوق الإنسان" مادة "إنسانية" إلا وأقحمها في ميثاقه، لكنه، بحسبانه ميثاق مستبدين، حرفاء في التحايل على الشعوب، فإن ما يعنيهم، عمليا، هو تعبير "إلا"، أو تعبير"في الحدود". بمعنى منح حرية الاجتماع وحرية التجمع بصورة سلمية "إلا" ما تستوجبه دواعي الأمن القومي أو السلامة العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم. أي أن موجبات "إلا" تلغي، عمليا، أي معنى لحرية الاجتماع والتجمع.

وإمعانا في إصباغ الجدية على الالتزام بتطبيق الميثاق، تتحدث المادة 40 عن انتخاب لجنة حقوق الإنسان بالاقتراع السري. وتوضح طبيعة عملها بكونها تتلقى التقارير المقدمة إليها من طرف الدول الأعضاء. على أن تدرس لجنة الخبراء التقارير التي تقدمها الدول الأعضاء الأطراف في الميثاق وفقا لنص الفقرة الأولى من هذه المادة. ثم ترفع لجنة الخبراء تقريرها مشفوعا بآراء الدول وملاحظاتها إلى اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان في الجامعة العربية.

والسؤال: متى كانت الأنظمة العربية تعني ما تقول؟!!

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية، الأربعاء 19 يوليو 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home