Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 19 June, 2008

العـائلة الحضارية الممتـدة (*)

فرج بوالعَـشّة

مع تفوق الحداثة الغربية (معرفة وثروة وقوة) وتسيدها الاستعماري على معظم العالم، وفي القلب منه العالم العربي، تعمدت فلسفة التاريخ الغربي طمس التأثير العضوي لأصول الحضارات الإنسانية الكبرى، في مصر وبلاد ما بين النهرين، في تكوّن الحضارة اليونانية؛ إذ أصبح من غير المقبول، في التصور الغربي المتفوق، اعتبار العنصر الأوروبي"الأرقى" قد أخذ عن شعوب ليست بيضاء.أي أدنى منه عرقيا. وبالتالي حضاريا. وعليه رفض"النموذج الآري"حقيقة أن يكون الفراعنة والفينيقيون قد أقاموا مستوطنات في بلاد الإغريق انبثت منها مبادئ ومقومات انبثاق الحضارة الإغريقية.

وفي سبيل ذلك عُمد إلى التقليل من قيمة الحقائق التاريخية التي تؤكد وجود صلات وعلائق حضارية عضوية بين عدوتي المتوسط. والدلائل على ذلك كثيرة جدا، منها أن علماء وفلاسفة إغريقيين مؤسسين تعلموا في مصر الفرعونية، وأخذوا عنها مبادئ حضارية تأسيسية لازمة «مع ملاحظة أن جل فلاسفة الحضارة الإغريقية ليسوا يونانيين».

وفي ما يخص صلة القرابة اللغوية الوثيقة للعائلة اللغوية "الهندو ـ أوروبية" فضل "النموذج الآري" الغربي التحليل التعسفي القائل بأن العائلة اللغوية "الهندو ـ أوروبية" نشأت خلال فتوحات الشعوب الآرية لأنحاء من الهند حوالي الألف الثانية قبل الميلاد. وهو افتراض بدون سند تاريخي أو دليل أثري. وهذا التحليل التعسفي التحريفي أدى إلى طمس إسهام الفينيقيين الحضاري، واعتبارهم، في أفضل حالات الاعتراف بدورهم، تجارا أذكياء، وسعاة بريد لغوي، نقلوا إلى الإغريق حروفا لغوية صامتة، بلا أبجدية...!

هكذا بات "النموذج الآري" نظرية تاريخية علمية. وصار أي دارس ينكرها خارجا عن التفكير المنطقي السوي.. وقد ترسخ هذا النموذج العرقي وتعاظم مع ظهور الفاشية ـ النازية في صورة نموذج عرقي عنصري متطرف. ولم ينقرض (النموذج الآري المتطرف) مع انهيار الرايخ الهتلري، بل واصل حضوره العلموي وإن أخذ يتراجع في أواخر القرن المنقضي.

إن القراءة الاقصائية للشراكة الحضارية بين عدوتي المتوسط، وخصوصا نفي الأصول الشرقية العضوية لا تزال حاضرة وواسعة الانتشار في الرؤية الغربية للتاريخ القديم.لكن ذلك ينبغي ألا يقود إلى الانجرار، على الضد، في تضخيم تأثيرات الأصول الشرقية إلى حد مصادرة أصالة الحضارة الإغريقية، التي لا شك في عبقرية إبداعها الذاتي.

إن اللغة السامية الأم وبطونها التي تفرعت وانتشرت، كما هو معروف، في أراضي الأنهار الخصبة في الشام والعراق، تحدرت منها لهجات غدت لغات لثقافات متنوعة ومتعددة. ومن تشكيلة هذه الثقافات المتداخلة المتقاطعة في فضاء حضارة سامية أم كبرى، نمت أساطير الخصب ارتباطا بخصب الأرض والمرأة (على خلفية غموض فكرة الإنبات والإنجاب)، وتكوّن الخطاب الأسطوري الشعري ومخياله الاجتماعي مكوِّنا معرفة "مغامرة العقل الأولى"، زارعا بذور تفكير ما قبل الفلسفة، وبداءات العلوم، التي وصلت عبر التبادل التجاري والهجرات والمستوطنات إلى اليونان، وكذا، بواسطة فلاسفة إغريق عاشوا ودرسوا في مصر، منهم فيثاغورس الذي قيل عنه، على شيء من روح المبالغة الأسطورية، انه "أول من أحضر إلى الإغريق كل الفلسفة". ودرس افلاطون، أيضا، في مصر وقد لمّح في محاوراته الفلسفية إلى حضور المصادر المصرية في الحضارة الإغريقية في الحساب والأعداد الهندسية والفن... وحسب تطبيق علمي جرى حديثا في مصر تبيّن أن السلم الموسيقي الغربي، الذي قيل إن الإغريق هم من اكتشفه، هو في الأصل سلم موسيقي فرعوني... ووفق كارل ماركس فإن جمهورية إفلاطون الفاضلة، في ما يتعلق باتخاذ تقسيم العمل أساسا تكوينيا للدولة، هي مجرد معالجة مثالية لنظام التقسيم الطبقي في مصر.

لقد جرى تلاقح حضاري إبداعي، على مدى عصور متواصلة، في مناخ أسطوري شرقي خلل عملية تاريخية مركبة العلائق وعلى أرضية تناص حضاري يسعى أطرافه إلى إجلاء غوامض الوجود المشترك. فمن جلجامش الشرقي القديم عبر أبو الهول الفرعوني إلى فينيكس الإغريقي، هو نفسه سؤال سر الوجود..؟!.

لقد أُفسِدت تلقائية التلاقح الحضاري بظهور حضارات الإمبراطوريات الاستعمارية الإقصائية المتمركزة على ذاتها الحضارية مُعظِّمة ثقافتها وعرقها. فقامت حول سؤال الوجود الإنساني المشترك مزايدات ومناقصات تُصادر حقوق طرحه والإجابة عنه، على نحو إسقاطي تعسفي، يرى من خلاله، كل طرف، أنه، وحده، هو من يملك الإجابة الصائبة، كما هو الحال في تاريخ الصراع الوجودي الدموي بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، حيث تكوّن تاريخ من الالتباسات تجذرت في بنية قراءة كل طرف للآخر.

...وكان الشرق، غالبا، الطرف الآخر الغريب العجائبي... والساحر الذي سحر، عن بعد، الإسكندر الأكبر الذي غزا الشرق كيْ يبدأ منه، أنه أول وربما آخر غازٍ شاعر، هذا المقدوني البلقاني، سليل "أجلاف" أوروبا، الذي قرّب أرسطو إلى مجلسه وذهنه كي يستعين بمنطقه البارد في تعقّل سحر الشرق واتّقاء ندّاهاته السحرية. إنه الغازي الحاج إلى مسقط سحر الحضارات الأسطورية ما قبل أيديولوجية ـ ما قبل الامبريالية...!

لم يكن الإسكندر غازيا بالمعنى الإمبريالي الصرف، كان عاشقا للشرق مُعظّما لحضارته، رغم آراء معلمه أرسطو في تبخيس شعوب الشرق باعتبارها أدنى مستوى ً من الإغريق...وبمعنى آخر هو غاز لروح الشرق باحثا عن أصله وفصله الأسطوري، لذا رفض أن يُنسب وجوده إلى والده البيولوجي(فيليب)، وقام بالحج إلى معبد الإله الليبي آمون ذو القرنين (= رع عند المصريين وزيوس عند اليونان) المُقام في واحة "سيوة" الليبية، الواقعة اليوم ضمن السيادة المصرية. وهناك أعلن في محرابه بنوته لإلهه رع. وهو ما يفسّر تصوير الإسكندر على العملة على أنه آمون ذو القرنين..وقد دُفن، حسب روايات كثيرة غير مؤكدة في معبد آمون في واحة "سيوة".

كان الإسكندر ممسوسا بسحر الشرق ومعارفه التي تسرّبت إلى المخيال الإغريقي وتفكيره الفلسفي عبر الشعراء ـ الفلاسفة الأوائل: طاليس وانكماندرس وهيراقليطس وديموقراسطيس وبروناغوارس وغيرهم كثر. وهم الذين لم يبق من أعمالهم، اليوم، سوى شذرات فلسفة شعرية لكنها تشي بغنى معرفي تأسيسي مهد لانبثاق العصر الذهبي لأثينا الكبرى، التي غدت مع النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد "مقر القيادة العامة للحكمة اليونانية" على حد وصف أفلاطون الثاقب. لكن غالبية أعضاء "القيادة العامة" هذه كانوا فلاسفة غير أثينيين.

ثم بعد أرسطو، الذي يُعد آخر الفلاسفة الإغريق، انقرضت الفلسفة المنهجية في المركز الأثيني، فيما ازدهر حضورها الإبداعي في الأطراف الحضارية، في الإسكندرية، وقورينا في إقليم برقة الليبية والقسطنطينية على ساحل آسيا الصغرى...

وكان أفلوطين الأسيوطي (من صعيد مصر) أبرز الممثلين الشرقيين لـ"الأفلاطونية المحدثة" التي كما يقول مؤرخ الفلسفة إيميل برهيبة: "لفظت أنفاسها مع الفلسفة كلها ومع الثقافة الإغريقية كلها، وأرخى ليل الصمت الكبير سدوله على القرن السادس"...

كانت مصر قد تحولت بعد موت الإسكندر، إلى تركة إغريقية، آلت فيما بعد، إلى الامبراطورية الرومانية، وارثة الامبراطورية الإغريقية الممزقة، وفقدت الديانات الأسطورية الوثنية شروط تعويضها الروحي، وكذا، شروط إنتاجها الطبقي، إذ انحسرت نخبويا.فجاءت المسيحية "الهللينية" تجريدا روحيا ميتافيزيقيا محمولا على التفسير الافلاطوني المحدث، ومصادره الكامنة في النصوص الهرميسية، إذا أن التثليث المسيحي هو محاكاة للتثليث الهرميسي الموصوف بـ"الإله المعظم ثلاثا"كما هو نظيره الفرعوني"تحوت المعظم ثلاثا"....

إن تجريد الإله إلى كلمة هي البدء(في البدء كانت الكلمة) متأصل في عبادة تحوت، مخترع الكتابة والرياضيات وسيد التعاويذ السحرية، وهو في الأخير، رمز الكلمة المقدسة، كما تجلت حكمته في تحوله الأسطوري من إله مفارق إلى كائن مؤنْسن، في هيئة فيلسوف وحكيم.

كذا، تم أنسنة الرب في صورة المسيح ـ الابن حسب التفسير الهلليني.وبظهور المسيحية الكنَسية التي أصبحت رأس السلطة الرومانية الامبراطورية بعد أن اعتنقها الامبراطور أوغسطين، كان من الطبيعي، وقد غدت أيديولوجيا شمولية، أن تنحو نحو إقصاء وحذف كل ما سبقها من تراث على انه تاريخ وثني ما قبل ميلاد المسيح.فبميلاد المسيح، حسب التاريخ الروماني، يبدأ التاريخ من الصفر...

... وبظهور الإسلام، وبدءاً من عام الهجرة، بدأ التاريخ الإسلامي. وعُد ما قبله من عادات وتقاليد وأعراف وآداب وقيم، مجرد تاريخ جاهلي، بعدما أخرجت الرسالة المحمدية الناس من الظلمات إلى النور في نزعة أممية إنسانية شمّالة للأعراق والقوميات والثقافات.... يتبع....

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 19 يونيو 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home