Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الإربعاء 19 مايو 2010

"حزب" عزرائيل لخلاص ليبيا

فرج بوالعَـشّة

ـ كيف استطاع القذافي أن يحكمكم كل هذا الوقت؟!

سؤال لطالما واجهني، وواجه غيري بالتأكيد، من طرف عرب وعجم. وكنتُ أرد بما توفر لدي من معطيات وقدرة على التحليل. لكني كنت أشعر دائماً أن محاولتي للاجابة على السؤال غير مقنعة تماما للسائل. فمقاربة هكذا سؤال بأجوبة دقيقة وافية تحتاج إلى بحث تحليلي يذهب عميقاً في قراءة استقرائية نقدية منهجية لبنية المجتمع الليبي على مستوى اقتصاده السياسي والثقافي، تفضي إلى الكشف عن المناطق الرخوة في تركيبة الشخصية الليبية، بوعيها وتفكيرها العاميين، مما سهّل على القذافي تمرير انقلابه وإدامة حكمه الاستبدادي الفوضوي كل هذه العقود.

يمكن الإشارة في هذا المقال إلى عناوين عريضة لمقاربة السؤال المطروح بعرض حزمة من الأسباب المختلفة. منها:
1 ـ تخلف الليبيين تاريخيا عن التشكل الاجتماعي في مفهوم المواطنة في دولة حديثة حتى العام 1951 عام قيام دولة الاستقلال.
2 ـ العمر القاصر لدولة الاستقلال التي لم تصل حتى إلى سن الرشد، عندما زعق ذاك الملازم أول ببيانه المحشو بالشعارات الفضفاضة.
3 ـ تجاوب غالبية الليبيين، وبشكل عاطفي شبه هستيري، مع الانقلاب منذ الساعات الأولى ودون حتى أن يعرفوا من هم هؤلاء الذين قاموا به.
4 ـ ضعف المؤسسة العسكرية (نحو عشرة آلاف فرد) وهشاشة بنيتها الأمنية والانضباطية، وقصور الوعي السياسي الوطني لدى معظم أفرادها بإلتزام الولاء المهني للدولة ودستورها ومؤسساتها الديموقراطية.
5 ـ تهاون النظام الملكي في إتخاذ إجراءات أمنية وعدلية حاسمة ضد الضباط الانقلابيين الذين كانت اسماء معظمهم تحركاتهم معلومة لدي الاستخبارات العسكرية والمخابرات المدنية.
6 ـ ضرب النظام الملكي للحياة السياسية الحزبية واعتماده على التسييس القبلي للحياة البرلمانية.
7 ـ عجز النظام الملكي عن ترسيخ هوية وطنية جامعة وتعددية في الوقت نفسه.
8 ـ عدم تجاوب النظام الملكي مع المشاعر الوطنية العارمة في التخلص من القواعد الأجنبية، مما أعطى زخما قويا للشعارات القومية الناصرية في نفوس غالبية الليبيين.
لكن العلة الجوهرية وراء استمرار حكم القذافي، رغم ما ارتكبه من مظالم وفظائع واسداره في نهب ثرواتهم وتفقيرهم وتخريب مقدرات وجودهم ومصادرة احلامهم وتسفيه معتقداتهم وتحقير كينونتهم والسخرية منهم، كامن في رأي في تركيبة الشخصية الليبية، عقلياً ووجدانياً وربما "جينتكياً!!" على المستوى الجمعي، بحيث يظهر الليبيون شعباً من الجبناء وهم ليسوا كذلك!!

فما الذي يجعلهم يبدون كذلك؟!

الأسباب الموضوعية آنفاً مفهومة وقد تكون مقنعة في تفسير الأسباب الموضوعية وراء نجاح الانقلاب وترسيخ أساساته السلطوية خلال السنوات الأولى. ولكن ماذا عن السنوات المتوالية مذاك حتى تجاوز حكم الطاغية اليوم عقده الاستبدادي الرابع.

صحيح أن الليبيين لم يتوقفوا منذ الأشهر الأولى على الانقلاب عن رفضه ومواجهته في محاولات متواترة لتخليص ليبيا من شروره من طرف عسكريين ومدنيين بالانقلاب عليه أو اغتياله. لكنه كان ينجح دائماً في النجاة، حتى بدا كأنه يملك قوة خفية لجهة الميتافزيقية الدينية وكذا الميتافزيقيا السياسية (القوى الأجنبية). بينما عمليا وواقعيا استطاع ذاك الملازم الأول السايكوباتي ترسيخ حكمه، تحت جنح لا مبالاة الليبيين وسلبيتهم، أوطيبتهم الزائدة لربما حتى العباطة (بمفهوم الوعي السياسي). بحيث تمكّن القذافي من اختزال القوة العسكرية في القوة الأمنية التي تحميه وتحمي نظامه تحت سيطرة ضباط قبيلته واختلق اللجان الثورية أداة سياسية قمعية وفكك بنية الدولة المؤسساتية، حيث صار هو الدولة والدولة هو. وصار يختفي غالب الوقت في صحراء سرت محمياً بمعسكرات الأمن المدججة بمختلف الأسلحة بحيث يصعب اغتياله إلا من طريق دوائر حراسته الأمنية التي في معظمها قذافية تمحضه الولاء المطلق. وليس بمقدور المؤسسة العسكرية (الجيش) المجردة من الذخيرة والواقعة تحت سيطرة مئات الضباط القذاذفة، مجرد التفكير في محاولة انقلابية. فيتبقى فقط إمكانية خروج الليبيين في انتفاضة شعبية تغص بها المدن والقرى. لكن القذافي يبدو واثقا أن ذلك من سابع المستحيلات القديمة والحديثة، وأنه سوف يموت في فراشه عندما يحين أجله. وما عدا يشغله سوى كيفية توريث حكمه إلى خليفته من نسله وإن كان غير واثقا، على ما يبدو من قراراته المتضاربة، في قدرة خليفته، أكان سيف أو غيره من شلة أبنائه، على القبض على شؤون السلطة والاستمرار في حكم الليبيين كما استطاع هو يحكمهم كل هذه السنوات دون أن يتمكنوا من إزاحته بإرادتهم ومحاكمته وأركان نظامه وزبانيته على كل ما أرتكبه وأرتكبوه بحق الليبيين من جرائم من أصغر صغائرها إلى أكبر كبائرها.

والشاهد أنه، منذ إجهاض الحركة العظيمة لشرفاء القوات المسلحة المعروفة بانتفاضة اكتوبر 93، وفشل حركة المعارضة الإسلامية الجهادية المسلحة، تفشى يأس مكين في نفوس القوى الوطنية الحية في الداخل من إمكانية الخلاص من الطاغية في حياته ونال حتى من نفوس المعارضين في الخارج. وحدهم شرفاء ليبيا المعدودين في الداخل، وفي طليعتهم طليعة أهالي عائلات ضحايا مجزرة بوسليم، الذين جاء خروجهم الاحتجاجي إلى الشارع العام، رغم امتناع الليبيين عن مؤزارتهم ، ورغم التهديدات والهجوم بالسواطير،تعبيراً بطوليا إلى حد الأسطورة عن روح (لا) بمعناها الوطني الصميم. لا لحكم القتلة الدموي والمجد للحقيقة المكشوفة على حقيقتها في ضوء مجرى العدالة النزيهة ككلمة الحق التي لا تخشى أحداً عدا ضميرها.

والحال إذا لم يبن الليبيين في الداخل على مثل هذه الحركة الرفضية البطولية فعل شعبي متصاعد (وبسرعة) في رفض حالة استمرارهم الخنوعي المجاني لأهواء العقيد القحصي المخبولة يؤدي إلى إسقاطه ونظامه مما يحفظ شرفهم كشعب أنجب عمر المختار، فإنهم سوف ينتهون إلى مجرد كونهم قطيعا بشريا يأكل ويشرب وينجب منقوعاً في المذلة، لا يملك من قدرة على التغيير سوى التعويل على الخلاص الرباني عله وعسى يلتفت إلى حالهم الإرجائي المزري.

في الخارج، من الخارج، أراقب ما يجري في الداخل. والسؤال الدائم: هل من أخبار جديدة؟! ولا جديد غالبا. بطولات فردية هناك وهناك. ومنذ أشهر تطرى أخبار وصور أمهاتنا الطيبات الشريفات وهن يخرجن إلى الشارع الليبي الميت حاملات صور ضناهن ضحايا مجزرة بوسليم، بينما غالبية الليبيين مستمرين في بؤسهم، يشحذون رواتبهم حتى التسول في الوقت الذي يستمري فيه الطاغية وأبناؤه الفسدة في نهب المليارات وهدرها في غطرسة وسفاهة.

فعلى من التعويل بالخلاص إذن؟!

على عزرائيل!!

فالجميع، الشعب الليبي في الداخل بصبره الذي أين منه صبر أيوب، والمعارضة في الخارج، التي تكاثرت أخبار التعزية بغياب روادها الأوائل الذين تمسكوا بموقفهم الرفضي الجذري حتى الحشرجة الأخيرة، وحتى خدم الطاغية القحصي من تكنوقراط وممن تبقى من فضلات " القيادة التاريخية" ومخلفات "الضباط الأحرار"، بل حتى أولاده، يعولون على عزرائيل كي يأتي لياخذه إلى حيث لا عودة له أبداً. وحدهم دهاقنة اللجان الثورية يخشون غيابه من المشهد لأنهم سوف يتحولون في عهد خليفتهم (احد أبنائه) حسب المتوقع إلى كبش فداء. وقد تتدلى روؤس بعضهم من المشانق. شخصيا لا أخفى أن تعويلي على عزرائيل أكثر بكثير جداً من تعويلي على فعل بشري ليبي في الخلاص من الطاغية البغيض. وقد تحول الأمر عندي إلى ضربا من التفريغ التهكمي عن الشعور بالعجز عن فعل شيء من الخارج اللهم الكتابة التي لا يقرأها أحد تقريبا في ليبيا في ظل الحصار الإعلامي المشين الذي تفرضه معظم المحطات الناطقة بالعربية على الرأي المعارض لنظام القذافي. لدي صديق من الشمال الاسكنتدفي لم يعد يسالني: هل من أخبار جديدة من الخربة العظمى، وإنما كيف أحوال عزرائيل هذه الأيام؟!

أصبحت أشك في مصدقية عزرائيل يا صديقي. فقد يكون طرفا في المؤامرة الخفية من نسيج أخوال القذافي وحلفائهم في واشنطن. وكأنه يتقصد تعميق مأساة الليبيين أكثر فأكثر. فكلما شاع أن جلطة نالته يظهر علينا بعد أيام معدودات بوجهه الكريه رغم ما يصبغه عليه من مواد تجميل أغلى من ثمن لبن العصافير. والمستفز إلى الحد المأسوي أنه يمرح ويحصد حيث يبدد الليبيين ارواحهم على الطرقات في حوداث سيارات غبية أو يفارقون حيواتهم، الشابة غالبا، على أسرة "المجتمع البديع" في غياب العلاج المطلوب اللازم والوسائل الضرورية لتشخيص المرض في وقته.

ـ كيف يمكن الحصول على رقم هاتفه حسب شبكة المدار أو ليبيانا باعتبار مجال عمله في ليبيا.
ضحك صاحبي صائحا من طرف الآخر على التل:
ـ كثرت على ما وصّواك..
ومع ذلك استمرينا في اللعبة التهكمية.
كأن أحصل أخيراً على رقم هاتفه فأهاتفه:
ـ آلو
ـ آلو من معي
ـ معك معارض ليبي
ـ اهلا وسهلا.. جذري أو إصلاحي..
ـ جذري والله غالب
ـ حسنا. وماذا تريد؟!
ـ أريد أن أتمنى عليك أن تأخذك الرأفه بالليبيين.
ـ تقصد الأخ العقيد القائد ملك الملوك ألخ
ـ نعم
ـ يبدو أنك غبيا. أولا لم تصدر إلى أوامر قاطعة بأخذه. ثانيا والأهم أين أجد مثله يقوم بكل هذا الخراب الناجز، بحيث الجلطات القلبية والسكتات الدماغية لا سيما بين الشباب فائضة عن حاجتي، دع عنك الموت في الطرقات وتحت التعذيب والحروب الغبية. فكيف افرط في مثل هكذا طاغية لطيف..
ـ حسنا حسنا، ولكن متى تعتقد أنك سوف تقبضه
ـ حسنا.. لقد حاولت مرة وفشلت. أصبته بجلطة مكينة حتى سقط على الأرض وكدت أنجز عملي لكن اللعنة على الأطباء. أحاطوا به من كل جانب بمجساتهم وادويتهم حتى تمكنوا من إعادة الأنفاس إلى صدره فنهض الملعون كجني. وعندما نظر في المرآة ولاحظ انشقام في فمه أطلق لحيته الأشبه بشعر العانة الحليقة.
ـ هل نأمل في عودتك إليه قريبا فنحن في الداخل والخارج لم نعد نراهن إلا عليك.
نظر نظرة شزرة:
ـ لو الأمر بيدي لن اقترب منه مطلقا. فمن الواضح أنكم في حاجة إلى طاغية لا يموت أبداً إلا إذا تخلصتم منه.. ولا تحاول أن تتصل بي مرة ثانية!!
... وأنقطع الخط....!!!!!

faragasha@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home