Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 19 فبراير 2009

هل يوجد مثقف موضوعي؟!! *

فرج بوالعَـشّة

1
إن المثقف الحقيقي لا يختار القضايا التي يدافع عنها إنما الطبيعة العادلة للقضايا هي التي تفرض نفسها عليه.. وهو ما يسلط إدوارد سعيد الضوء عليه في تناوله لنموذج المثقف الأمريكي الذي يمثله "بتر نوفيك"،في كتابه الضخم الذي نشره عام 1988 باسم: "ذاك الحلم النبيل"، مع عنوان فرعي باسم: "الموضوعية ومهنة الدراسة الأمريكية للتاريخ". هدف منه تبيان أن "موضوعية" التاريخ الأمريكي ليست، في الجوهر،سوى:"مستنقع من الإدعاءات والإدعاءات المضادة المتنافسة،التي تؤدي كلها إلى تفتيت أي شكل من أشكال الاتفاق بين المؤرخين على ما هي الموضوعية،بحيث تغدو مجرد ورقة لستر العورات،وغالبا حتى اقل من ذلك."..!

2
إن سلطة المثقف الحقيقي تمتحن بقدرته على استجواب مسلمات أشكال السلطة، فكريا وسياسيا واجتماعيا. استجواب نقدي تشكيكي صارم يبتدئ بنقد الموضوعية والسلطة لأنهما وجهان لعملة واحدة.فلا موضوعية دون تسلط ولا سلطة دون إدعاء للموضوعية.وبالتالي فإن نقد الموضوعية هو في جوهره نقد للسلطة وبالعكس.أي لموضوعية السلطة وسلطة الموضوعية.فنقد الموضوعية يقود إلى نقد سلطة الموضوعية التي استخدمها الرجل الأبيض في جعل تفوقه العرقي البايلوجي "حقيقة علمية" لحتمية طبيعية. بينما "موضوعية" تفوق الرجل الأبيض ليست، في حقيقة الأمر، سوى وضيعة تفوق تاريخي مكنته، بواسطة تطور أسلحته الفتاكة،وعلومه وأدواتها،وسائل اقتصاده المتقدم، أن يفرض هيمنته وسيطرته كـ"حقيقة موضوعية" مُسلم بها، رافضا،في استهجان "موضوعي" ثورة الشعوب المستعمرة "بفتح العين" عليه من موقع دفاعها عن حقيقتها "الموضوعية" الخاصة!!!

3
إن "الموضوعية"،بعد تعريتها من موضوعيتها،تظهر فذلكات فلسفية وفرضيات عقلانية زائفة.إذ لا وجود موضوعي للموضوعية التامة أو قل المطلقة في تفكير البشر. توجد معطيات فكرية ثقافية دينية يؤمن بها فرد أو أفراد أو جماعة أو جماعات أو شعب أو شعوب أو أمة أو أمم.... وكل يعتبر ما يؤمن به معيار الموضوعية ليس كما يفهمها فقط وإنما كما يهواها ويبتغيها. فـ"الموضوعية" لا يمكن لها أن تلم بحقيقة الموضوع الواقعي، في الواقع البشري،بتشطي آرائه وعواطفه وأمزجته وانفعالاته ووعيه ومعتقداته.... وكما يقول إدوارد سعيد فإن من أكثر المناورات كلهّا خسة، التحدث بعجرفة عن انتهاكات في مجتمع الغير (كما يفعل المثقفون البوشيون) وتبرير الممارسات ذاتها في مجتمع المرء نفسه،باعتبارها "موضوعية". ويستشهد إدوارد سعيد هنا بأحد أبرز مثقفي عصر الأنوار،الفرنسي أليكسيس دو توكفيل،الذي بعدما زار أمريكا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر،وكتب: "تقييمه للديمقراطية في أمريكا وانتقد المعاملة الأميريكية السيئة للهنود والعبيد السود، كان عليه أن يتعاطى لاحقا مع السياسات الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، في أواخر الثلاثينيات وفي الأربعينيات من القرن الماضي، حيث شنّ جيش الاحتلال الفرنسي بقيادة الماريشال بيجو حربا وحشية للقضاء على مقاومة الجزائريين المسلمين. وفجأة، كما يقرأ المرء في كتابات توكفيل عن الجزائر، نجد أن القواعد ذاتها التي اعتمدها في احتجاجه إنسانيا على ارتكاب الأمريكيين أعمالا محظورة قد تم تجاهلها مؤقّتا لمصلحة الاستعمار الفرنسي...".. أو جون ستيورات ملْ، أحد أهم فلاسفة الحداثة،الذي أعتبر آراءه في الحرية والديمقراطية الخاصة ببريطانيا وأوروبا لا تنطبق على الهند، منطلقا، في تحليله هذا، من "الحقيقة الموضوعية" التي يعتنقها. لكننا، على وجه ثان، نجد، وفي القرن العشرين تحديدا، مثقفين أنسيين حقيقيين استخفوا بـ"موضوعية" الوجه الواحد، وانحازوا إلى معيار العدالة الإنسانية.. بمعنى: "إذا رغبت في دعم العدالة الإنسانية الأساسية فعليك أن تدعمها للجميع، وليس فقط انتقائيا لمن تصنِّفهم جماعتك،أو حضارتك،أ, أمتك،أهلاً لها..." كما كتب إدوارد سعيد،الذي قاده هذا التحليل إلى التوقف عند موقف المثقف من واقعة اجتياح العراق للكويت. حيث رأى أنه من غير المقبول للمثقف الحقيقي، كما عبر عن ذلك مثقفون أمريكيون وغربيون وعرب ومن بقية أنحاء العالم،تبرير هذا الاجتياح غير الشرعي،بأي مبرر كان.. ولكن في، الوقت نفسه، من غير المقبول للمثقف الحقيقي، تبرير الحرب الهمجية لأمريكا، وحلفائها من فرنجة وعرب، على العراق وشعبه، باسم "موضوعية" تحرير الكويت.... يتبع....!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الجمعة 13 فبراير 2009م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home