Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


Faraj Abul-Asha


Thursday, 15 December, 2005

فوز الإخوان

فرج أبوالعـشة

لماذا دهشة المندهشين، وخوف الخائفين من فوز «الإخوان المسلمين» في الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة؟! دخل «الإخوان» الانتخابات، رافعين سقف تطلعاتهم إلى مائة مقعد. لكنهم، عمليا، لم يكونوا ليتصورن الوصول إلى السقف المرغوب فيه، وربما حتى مقاربة نصفه. ليس لضعف في قاعدتهم الانتخابية، إنما بسبب تجاربهم الطويلة مع أساليب النظام القمعية، في ملاحقة واعتقال قياداتهم وكوادرهم، والتضييق على حركتهم الجماهيرية، وتزوير النتائج الانتخابية، بحيث لم يكن يصل، من مرشحيهم إلى البرلمان. إلا قلة محددة، لا وزن لها، وسط أغلبية كاسحة للحزب الوطني الحاكم.

فما الذي حدث هذه المرة، حتى كاد «الإخوان» أن يخترقوا سقف المائة مقعد، لو لم يتدخل النظام لعرقلة صعودهم المباغت، سيما في المرحلتين الثانية والثالثة؟!

من المؤكد أن روح الديمقراطية «القدس» لم تهبط فجأة على النظام الشمولي المتكلس منذ عقود؟! فما حصل عليه «الإخوان»، من مقاعد، كان، كما يقول أحد قادة الإخوان، عبد المنعم أبو الفتوح «نتيجة طبيعية للحراك السياسي الذي حدث في مصر والضغوط الخارجية. «وذلك صحيح تماما. فمن جهة الخارج، كان النظام مكرها أخاك لا بطل. فقد التقط الرئيس مبارك رسالة بوش، وفهم المطلوب. أي ضرورة إجراء عملية تجميل ديمقراطي مصطنع لشكل النظام الهرم المترهل. تزيل تجاعيد الوجه، وتعدل شكل الأنف والوجنتين، وتشفط الدهون، وترتب الأسنان، وتصفف الشعر، وتصحح صورة الفم والأذنين، حتى يستحق النظام الترشح لمسابقة «سوان» لأجمل نظام مُعدّل ديمقراطيا في «الشرق الأوسط الجديد»!!!

وبعيدا عن التهكم، فإن أمريكا تعتبر النظام المصري النموذج المستهدف الرئيس في عملياتها لـ «صناعة الشكل» الديمقراطي. فعندما طلب الرئيس بوش، من مصر، أن تكون قائدة للديمقراطية في المنطقة كما كانت قائدة للسلام، إنما كان يحدد للنظام المصري، وإن بطريقة دبلوماسية، طبيعة الدور المطلوب منه أدائه في نطاق الترويج للمشروع الأمريكي في نشر الديمقراطية. وقد رأينا، بعدها، الرئيس مبارك يوجه البرلمان إلى إجراء تعديل دستوري طفيف، يسمح، من حيث الشكل، بتعدد المرشحين في الانتخابات الرئاسية، وكذلك إجراء تغييرات في قوانين الانتخابات البرلمانية، تُقلل من التزوير، وتوسع، قليلا، من حضور المعارضة، وذلك بغية أن ينال النظام شهادة حسن سلوك ديمقراطي، من البيت الأبيض. وإذا كانت الضغوط الأمريكية قد ساهمت في ظهور «الإخوان»، كأكبر قوة برلمانية معارضة، لأول مرة، منذ أكثر من نصف قرن، فإن الولايات المتحدة هي، أيضا، كانت مضطرة أخاك لا بطل. إذ إنها، من جهة، لا تمانع في وجود تمثيل ظاهر للإسلام السياسي «المعتدل» في اللعبة الديمقراطية، لكنها، من جهة أخرى، تخشى أن يتحول هذا التمثيل، من تمثيل برلماني معارض إلى تمثيل شعبي حاكم!!

ومن هنا كان الصمت الأمريكي واضحا إزاء اعتقال النظام المصري للمئات في صفوف «الإخوان»، وممارسته التزوير، وإباحته البلطجة ضد ناخبي مرشحي المعارضة. وكان أقسى نقد وجهته الولايات المتحدة، بعدما أصبح الأمر مفضوحا، تعبير وزارة الخارجية الأمريكية عن «القلق العميق» من التقارير التي تتحدث عن:«منع قوات الامن للناخبين من الاقتراع ومضايقة المراقبين..»، في الوقت الذي أبدت، فيه، تأييدها الحظر السياسي المفروض على ممارسة «الإخوان المسلمين» للعمل السياسي الشرعي.!!

وعلاوة على ضغوط الخارج كان النظام، أيضاً، مضطرا أخاك لا بطل، لتحسين صورته «الديمقراطية» في الداخل. فهو يخشى من تحول الاحتقان والغضب، في الشارع المصري، إلى انتفاضة شعبية، علاماتها ظاهرة في تصاعد فعاليات حركة «كفاية» التي جعلت من الشارع مقرها الرئيس، ورفعت لأول مرة شعار «كفاية مبارك» في تعبير واضح عن كسر حاجز الخوف من الحاكم ـ الفرعون، الذي نصفه إله ونصفه إنسان، وإنزاله منزلة الشخص المسؤول أمام الشعب، وجعله قابلاً للنقد والرفض والعزل. وإذا كانت حركة «كفاية» ليست، بعد، بالقوة الشعبية الكافية، لتحدث ما حدث في جورجيا وأوكرانيا، على سبيل المثال. إلا أنها كافية، إلى حد أدرك، فيه، النظام، أنها حركة انطلقت لتتسع، وأنها أخطر عليه، في مضمون التغيير الديمقراطي، من «الإخوان» المنغلقين، تنظيميا، على جماعتهم. فحركة «كفاية» حركة شارع عام، عماده طبقة وسطى هي قلب المجتمع المصري. تضم المسلم والقبطي، الليبرالي الوطني واليساري. القومي والإسلامي. وأجمل ما في حركة «كفاية» أن قائدها الوطني جورج إسحاق القبطي. ولأن الشارع المصري العام، بمستوياته الطبقية الوسطى والدنيا، لم يعد يحتمل المزيد من قمعه وتفقيره، لصالح ثراء وفساد طبقة الذوات الجدد، وجد النظام، نفسه، مضطرا للجوء إلى التنفيس الوقائي عن الغضب الداخلي، من جهة، وامتصاص الاحتجاج الخارجي، من جهة أخرى، من خلال السماح للمعارضة بالحصول على نسبة أكبر من مقاعد البرلمان، شرط عدم وصولها إلى نسبة الثلث، حفاظا على تحكم الحزب الوطني في تمرير المشاريع الدستورية، التي تخدم مصالحه؟!

والسؤال:هل كان في حسبان النظام حصول «الإخوان» على 88 مقعدا، رغم محاولات التضييق والعرقلة والتزوير؟!

والشاهد، بغض النظر عن تقديرات غرفة عمليات النظام المشرفة على العملية الانتخابية، أن ردة فعل النظام، كانت، من الواضح، مرتبكة، إلى حد التشوّش. وقد انسحب هذا الارتباك، في صورة ارتياب مضخم، على مواقف مثقفي السلطة وكتابها، وكذلك بعض كتاب المعارضة. وإذا كان من الطبيعي أن يشن إعلام الحزب الحاكم، حملة تشهير إعلامي منظمة لإثارة الخوف العام من فوز الإخوان. فإنه ليس من المنطقي أن يصطف كتاب ومثقفون، يُفترض أنهم مستقلون، ومعارضون، إلى جانب السلطة، في حملتها ضد «الإخوان المسلمين». إن المثقفين الحقيقيين، المستقلين عن السلطة، المعارضين للاستبداد، المناضلين من أجل الديمقراطية، أكانوا علمانيين، ليبراليين، يساريين، قوميين... ينبغي ألا ينجروا إلى لعبة النظام في ضرب «الإسلام السياسي» بهم. عليهم أن يحافظوا على استقلاليتهم الموضوعية وتحليلهم العقلاني الموضوعي الملموس للواقع الملموس. بمعني أن «الإسلام السياسي» حقيقة سياسية مهيمنة على التفكير العربي العام. هذا لا يمنع من نقد «الإسلام السياسي»، والكشف عن أساليبه في استخدام الدين لأغراض سياسية ضيقة. لكن ليس من روح الفكر الديمقراطي، إظهار فوز «الإخوان» المحدود، في مصر، على أنه كارثة سياسية، وخطرا على الوحدة الوطنية، ومشروعا لفتنة طائفية بين الأقباط والمسلمين.

وإذا كنتُ اعتبر نفسي ناقدا لأيديولوجية «الإسلام السياسي»، إلا أنني أدرك أن الواقع، وحده، هو الذي يُكذب النظريات. ولذلك لا أجد غضاضة، بل أطالب، أن يُترك للحركات والتنظيمات الإسلامية فرصة الوصول إلى السلطة وممارستها، إذا كان ذلك هو اختيار الناخبين. لقد كتبتُ منذ سنوات أفترض أن السماح لجبهة الإنقاذ الجزائرية بالوصول إلى السلطة ربما كان سيكون كارثة دموية أكبر مما حدث بسبب منعها. وأجد نفسي اليوم أتراجع عن هذا الافتراض الاستباقي، حتى لو كان صحيحا نظريا. لأنني أدركت أن لا حل لاختبار شعار «الإسلام هو الحل» إلا عن طريق الممارسة السياسية، أما بوصول الأحزاب أو الجماعات الإسلامية إلى سدة السلطة التنفيذية، أو حتى بوجودها على نحو مؤثر في صفوف المعارضة البرلمانية، كما هو الحال في مشهد البرلمان المصري الجديد، بعد فوز «الإخوان» المدوي، الذي أحدث انقلابا في مشهد الحياة السياسية المصرية، جدير بالمراقبة والمتابعة والتحليل.

لينطرح السؤال: الى أي مدى سيتفهم النظام أو يحتمل وجود كتلة نيابية معارضة ذات وزن برلماني بارز، لأول مرة في تاريخ جمهورية ثورة يوليو؟! وكيف ستتعامل القوى السياسية الأخرى:قوميون، ناصرون، ويساريون، وعلمانيون، وأقباط، وحركات تحرر نسوي، مع هذا الحضور السياسي المباغت للإخوان المسلمين؟!ثم كيف سيستثمر الإخوان حضورهم الظاهر في البرلمان المصري الجديد؟!وكيف سيترجمون شعار «الإسلام هو الحل» رافعتهم إلى الحياة البرلمانية، إلى خطاب سياسي «أرضي» معارض، وفقا لبرنامج عملي واقعي برسم حلول عملية وعلمية لمشاكل المجتمع المصري الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟!

إن «الإخوان المسلمين»، وحركات الإسلام السياسي العربي، بشكل عام، التي تعلن قبولها اللعبة الديمقراطية، هي، في رأي النقدي، حسب خطاباتها الإيديولوجية العتيقة، غير قادرة، عمليا، في حالة وصولها إلى السلطة، على حكم دولة، في وزن مصر، أو سوريا أو المغرب أو الجزائر، بمقتضيات العصر، وأساليب العصر في حل المشاكل والإشكاليات البنيوية العويصة، سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا. ودون أن نذهب إلى طرح أسئلة افتراضية على «الإخوان» المصريين، في حالة وصولهم إلى السلطة. نتساءل الآن، وقد أصبح وجودهم في البرلمان مؤثراً:.. هل سيعلن «الإخوان»، في البرلمان المصري الجديد، عن رفضهم للمعونة الأمريكية التي تكبل إرادة مصر السياسية؟!هل سيطالبون بإلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل؟!هل سيطالبون الأزهر بتبني فتوى الجهاد ضد الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، والاحتلال الانجلو أمريكي في العراق؟! هل سيطالبون بإغلاق المنتجعات السياحية الكبرى في شرم الشيخ والغردقة، حيث تتمخطر نسوان الفرنجة في البكيني؟!هل سيطالبون بإقفال محلات بيع الخمور؟ هل سيطرحون، على البرلمان، مشروع حسبة «مكارثي»، لمحاسبة المفكرين والمبدعين والكتاب والفنانين، الذين «يفرطون» في حرية التفكير والتعبير. وهل وهل؟!!أم سيدخلون في صفقات مصلحية مع النظام، ترتب عليهم الانفصال عن حركة المعارضة في الشارع، وتجعل منهم معارضة برلمانية مستأنسة؟!

... ويبقى القول إن مصر لا يمكن أن يحكمها إسلاميون متزمتون. مصر عصية جدا على التعصب والتطرف. وأظن أن الإخوان المسلمين، يدركون ذلك جيدا. فلا يمكن لدولة راسخة منذ آلاف السنين، وعرفت حركة النهضة التنويرية، وعاشتها، منذ قرنين ونيف، تنتهي إلى ما انتهت إليه إيران، في قبضة حكم ولاية الفقيه، أو مشروع الترابي ـ البشير في السودان. في ظني أن لا مستقبل للإخوان المسلمين في حكم مصر ما لم ينقلبوا على إيديولوجيتهم الشمولية في تفسير الإسلام. أي أن يتحولوا إلى ما تحول إليه:«الإخوان الأتراك»، من تنظيم حزبي إسلامي، إلى حزب ديمقراطي على خلفية إسلامية. وهو أمر يحتاج إلى ظهور اردوغان مصري، ينقلب على مفهوم المرشد، وأساليب المحفل السري. وحتى ذلك الحين يبقى الرهان الديمقراطي، بالنسبة لي، قائما على حركة :«كفاية»، بحسبانها صرخة أصيلة بليغة.

faragasha@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home