Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 18 October, 2007

حسب نصيب مزالي من الحقيقة!!(*) ( 1 من 2 )

فرج بوالعَـشّة

(1)
بعد أكثر من ثلاثة عقود يقرر "سي" محمد مزالي، رئيس وزراء تونس الأسبق، في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، أن يتحدث عن نصيبه من الحقيقة، في كتابه الجديد: "نصيبي من الحقيقة".
يكشف السيد مزالي، في الفصل الثاني من كتابه، معلومات مثيرة، وحقائق سياسية مهمة، ظلت مكتومة لعقود، فيما يخص ما سماه: "مغامرات الوحدة القذافية في تونس والمغرب العربي"!
ورغم الأهمية التاريخية القصوى لشهادة مزالي بشأن: "مغامرات الوحدة القذافية في تونس والمغرب العربي" إلا أنها جاءت متأخرة من حيث تأثيرها في الوقائع السياسية الجارية. فالعقيد الليبي، المعنى بمغامرات "الوحدة العربية"، توقف، منذ نحو عقدين، عن توسل الزعامة القومية بشعار الوحدة العربية. إذ تحول 180 درجة على الضد من هوسه القديم بالعروبة والقومية العربية وتحرير فلسطين من البحر إلى البحر إلخ... إلى الكفر بالعروبة ووصف العرب بالعنصريين، ووصف القومية العربية بالحركة العنصرية. والمناداة بدولة إسراطين!
لقد استبدل هوسه القديم بهوس التغزل بالأفرقة والزنوجة، حتى انه قرض في هوسه الجديد قصائد مغناة بالعامية والفصحى، جُلب لها مطربون عرب مشهورون لغنائها، مثل محمد ثروت، وفاضل شاكر ووليد توفيق..!

ولأنه ليس سنجور ولا نكروما، نجده، كونه يتعاطي مع الزنوجة من موقع ثقافته البدوية، يخلط تغزله بـ"اللون الأسود" بنظرة البداوة العنصرية.ويدعو الليبيين في خطبه إلى الهجرة إلى أفريقيا، ممنيهم بكثرة الماء والاماء. أو نجده عندما ظهر في برنامج "دانات" في ضيافة "نجوم الغانم" بصفته شاعرا نبطيا «على طريقة الليبية» يستشهد، علاوة على أشعاره الشخصية، ببيت لأحد شعراء قبيلته الحاكمة، باعتباره مثالا جميلا لتحول ليبيا من العروبة إلى الأفرقة. والبيت يقول باللهجة الليبية:

ابنظّـبّطو مسعود بصناناته
بعد العروبة وطنها باعاته!!!!

وهو في تفسيره الصحيح يحمل معنى عنصريا مقيتا.فاسم "مسعود" هو كناية عن الشخص الأسود. و"صناناته" تعني رائحة أبطه النفاذة الكريهة.ومعنى البيت، بشكل عام، يقول: إننا(الليبيين، الأحرى القبيلة الحاكمة) نفضل أن نحضن السود في أفريقيا، رغم رائحة عرقهم الكريهة، على الانتماء للعرب الذين باعوا أوطانهم للاعداء!
والحال، كما أدت طريقة الكولونيل الليبي في طلب الوحدة العربية، بطريقة شعاراتية انفعالية، إلى كفر الليبيين بشعار "الوحدة"، بعدما كانوا مهووسين بها إلى حد الجنون في العهد الملكي. فهاهم، يتحولون إلى معاداة الأفارقة، بعدما فرض عليهم العقيد الأفرقة. وفتح منافذ البلاد أمام تدفق مئات ألوف الأفارقة البؤساء، دون أي التزام بأصول العبور والإقامة! والنتيجة أن الليبيين، بعد قرابة أربعة عقود من التقلبات الفوضوية، فقدوا ليبيتهم وعروبتهم معا!

(2)
ومن هنا أهمية كتاب مزالي الجديد، في ما يخص: "مغامرات الوحدة القذافية في تونس والمغرب العربي" لفهم طبيعة مغامرات "الوحدة القذافية"، اليوم، في أدغال افريقيا!
يلتقط مزالي بداية هوس"جاري يا حمودة" بالوحدة، عندما أعلن العقيد الليبي، من الجزائر، عام 1970، أن: لا وجود لمغرب ولا لمشرق بل هناك أمة عربية تسعى لوحدتها من المحيط إلى الخليج. متقويا، على ما يعتقد، بالجملة التي قالها ناصر في سياق خطاب جماهيري حماسي ألقاه في مدينة بنغازي، قبل بضعة أشهر من وفاته، معتبرا فيه القذافي هو الأمين على القومية العربية من بعده!

وكان الكولونيل الليبي قد عرض على عبد الناصر، بعد أشهر معدودة من نجاح انقلابه، وحدة اندماجية كاملة بين مصر وليبيا. لكن عبد الناصر طالبه بتأجيل مناقشة العرض إلى ما بعد المعركة مع إسرائيل. ثم ما لبث، بعد وفاة عبد الناصر، أن اصطدم بالسادات، الذي استعمل الفهلوة المصرية في استغلال حماس الجار "الوحدوي جدا" لابتزاز ما يمكن ابتزازه من أموال النفط الليبي. وعلى نحو ما، كما يقول محمد حسنين هيكل: "فإن الكيمياء بين الرجلين (القذافي والسادات) تعطل تفاعلها، وتنافرت عناصرها بدل أن تمتزج.. وبعد أسابيع من رئاسة «أنور السادات» كان رأيه أن «معمر القذافي» شاب بلا تجربة، وأن استعداده للمغامرة أكبر من قدرته على حساباتها. وفي نفس الوقت فإن «أنور السادات» في رأي «معمر القذافي» كان - هو الآخر - بلا تجربة لأن عدد سنين التواجد في دائرة السلطة دون مسؤولية لا يؤهل لشيء - ثم إن «أنور السادات» ليس صاحب فكر ثورى يناضل لتحقيقه".

وإذ أدرك الكولونيل الليبي أن مصر، وكذا سوريا، لا يمكن أن تقبلا بوحدة اندماجية فورية على طريقته العشوائية، وهما يعدان لحرب قادمة ضد إسرائيل، قام بطرد عشرات ألوف المصريين العاملين في ليبيا، دون أن يدفع لهم مرتباتهم أو تعويضات إنهاء خدماتهم. وذلك بهدف ضرب الاقتصاد المصري، كما صرح عبد السلام جلود، الرجل الثاني وقتها!

وعندما انتهت حرب أكتوبر 73، التي اعتبرها المصريون نصرا عظيما، اغتاظ القذافي لأن السادات لم يُعلمه بالساعة الصفر. فاعتبرها حرب تحريك. ومع ذلك طار إلى مصر، بدون دعوة رسمية، بعد توقف اطلاق النار بأيام معدودة، بغرض الاطلاع: "بنفسه على خطوط القتال التى توقف عندها إطلاق النار يوم 22 أكتوبر 1973" حسب محمد حسنين هيكل، الذي سلط الضوء على بعض الحقائق التي تكشف مدى تهافت تداول الأنظمة العربية الاستبدادية لمفهوم "العمل القومي الوحدوي". يقول هيكل: "يومها جاء (القذافي) إلى مكتبي فى الأهرام مُستَفَزا وثائرا، وكان قادما إلى عندي من مكتب القائد العام المشير "أحمد إسماعيل علي" (وزير الحربية والقائد العام للقوات). كان "القذافى" قد ركب الطائرة إلى القاهرة يريد أن يعرف أوضاع الجبهة العسكرية فى سيناء، ويطلع بنفسه على خطوط القتال التى توقف عندها إطلاق النار يوم 22 أكتوبر 1973 واتصل "القذافى" بالرئيس "السادات" يقول إنه وصل إلى القاهرة ويريد أن يذهب إلى غرفة العمليات ويرى الموقف العسكرى على الخريطة. ورحب به الرئيس "السادات" - لكنه اتصل على الفور بالقائد العام يلقى إليه أوامره فيما يخص طلب "القذافى". وكانت الأوامر إلى "أحمد إسماعيل" أن يعطى "القذافى" فكرة عن المواقع دون أن يسمح له بدخول غرفة العمليات "لأنه لا شىء فيها الآن يراه"! وتوجه "القذافى" إلى مقر القائد العام، وبعد نقاش قصير أحس بما وصفه - بـ"الإهانة"، وفى نفس الوقت أحس لدى القائد العام بما كان بالفعل شعورا بــ"الحرج"!

وباختصار فقد أحس "القذافي" بأنه كان مسموحا له أن يسمع بعض "الكلام" - ولكنه كان ممنوعا من أن يرى خرائط غرفة العمليات!
وخرج من القيادة العامة إلى مكتبي - مستفزا وثائرا كما أسلفت، وسمعته حتى اكتفى وكان هدفى تهدئة خواطره وانتهاز فرصة - دون علمه - أتصل فيها بالرئيس "السادات" عله يتدارك المشكلة. وتعللت فى لحظة من اللحظات بعمل يستدعي وجودي فى صالة تحرير الأهرام، وذهبت إلى غرفة مجاورة أتصل بالرئيس "السادات" أحدثه برأيى "وأسأله عن السبب الذى يمنع معمر القذافى إذا شاء من دخول غرفة العمليات حتى ولو لم يكن فيها شىء"؟!

كان رأيى أن "معمر" له الحق كصديق موثوق به.. وله الحق كرفيق مهتم.. وله لحق كجار مباشر استخدمت أرضه بغير عوائق عمقا استراتيجيا للجهد العسكرى المصري. وأكثر من ذلك فقد ذكرت الرئيس "السادات" بأن "معمر" شريك فى المعركة، ففى عام 1973 وحده دفعت ليبيا تكاليف أسلحة لمصر وصلت قيمتها إلى ألف مليون دولار (كان ضمنها القوارب المطاطية التى استخدمتها قوات الموجة الأولى فى عبور قناة السويس، وكان شراؤها من إيطاليا). ولكن الرئيس "السادات" بدا لى مصرا على موقفه "لأن معمر سوف يحكى لطوب الأرض عما يرى فى غرفة العمليات، ثم لأ نه" (أوصاف أخرى لا داعى لها الآن)!

والنتيجة تحول الخلاف بين الرجلين إلى عداء مستحكم بين البلدين الجارين. حتى تطور الأمر إلى حرب عسكرية بينهما في عام 1977 وبهذا انتهى أحد فصول "مغامرات القذافي الوحدوية" ليبتدئ فصل جديد، عندما اعتقد القذافي أنه سيضرب السادات بالتوجه بمغامراته الوحدوية إلى تونس. وهنا يقول مزالي، في شهادة نصيبه من الحقيقة: "وكان القذافي زار تونس قبل ذلك عن طريق البر واستقبله بورقيبة بحرارة في (حمام الأنف) وبهذه المناسبة ألقى العقيد خطابا في قاعة البالماريوم تحدث فيه طويلا عن الوحدة العربية وكان بورقيبة ينصت إلى الخطاب في غرفة نومه بواسطة الراديو، فامتطى أول سيارة وجدها في قصر قرطاج ودخل البالماريوم فجأة وافتك الميكروفون من يد الزعيم الليبي قائلا: إنه اكتسب شرعيته لا بالمدرعات والانقلابات بل استمدها من الشعب، وهو إن تكلم فباسم وطنه تونس لا باسم الأمة العربية ولاحظ قائلا: قبل كل شيء.. العرب لم يكونوا موحدين أبدا إذ الوحدة تحتاج إلى قرون لتتحقق إذا سلكنا الطريق الصحيح، ونصح القذافي بالبدء أولا بتوحيد مختلف مقاطعات بلاده كطرابلس وسرت وفزان"..!

وفجأة فوجئ الشعبان، الليبي والتونسي، والتونسي تحديدا، باعتبار الليبيين أصبحوا متعودين على مغامرات عقيدهم، بإعلان قيام وحدة عربية على الهواء الإذاعي. فبعد: "محادثة على حدة بين الرئيسين دامت أقل من ساعة، أعلن عن قيام وحدة اندماجية بين البلدين وتكوين حكومة موحدة فأصبح بورقيبة بذلك رئيس دولة جديدة اسمها (الجمهورية العربية الإسلامية) والقذافي نائب الرئيس ووزير الدفاع، وفيما يخصني (مزالي) فقد بقيت في منصبي في التنظيم الحكومي الجديد كوزير للصحة"..!

وهكذا بطريقة مزاجية لا مثيل لها إلا في بلاطات السياسة العربية، خرج ما عُرف بإعلان جربة، الذي تم بموجبه الإعلان عن ولادة: دولة جديدة بدستور واحد وعلم ورئيس واحد وجيش واحد ومجلس شعب واحد يجمع ممثلين عن ولايات البلدين ومؤسسات موحدة تشريعية وتنفيذية وقضائية.. وثلاث عواصم، طرابلس في الشتاء وقرطاج في الصيف والقيروان عاصمة شرفية.. وللمقالة صلة!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 18 اكتوبر 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home