Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 18 January, 2007

الحالة العـربية من المواجهة إلى الاستسلام(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

حال العرب اليوم يشبه حالهم قبل هبوط نبي الرسالة الخاتمة برسالته الروحية الكونية! كان العرب، قبل أن يصهرهم نبي الإسلام في مشروع حضاري إنساني كوني، مجرد قبائل متشرذمة، خارج التاريخ!

استخدمهم الفرس والروم أدوات لهم في صراعهما الإمبراطوري للسيطرة على مناطق النفوذ في الشرق العربي، وحمايتها. فكانا يستعملان، في مواجهة بعضهما البعض، عملاءهم من قبائل وممالك العرب. كانت مملكة المناذرة العربية القحطانية، في جنوب العراق، أداة بيد الفرس، بينما كانت مملكة الغساسنة العربية القحطانية، في بلاد الشام، أداة بيد الروم. وقد قام الفرس والروم، في سياق صراعهما التاريخي، بمنح رؤوس القبائل العربية الكبرى التابعة لهم صفة الملوك، في تفخيم وتزويق أدوارهم، تغطية لعمالتهم.

مما قاد أبناء العمومة وإخوة الدم، من مناذرة وغساسنة، إلى تاريخ من سفك دماء بعضهم البعض، لصالح أجندة أسيادهم، من روم وفرس، امتد لحقب طويلة! ثم ظهرت دلالات القدر التاريخي، عندما توحدت القبائل العربية في وجه الفرس. وهزمت جيوشهم في معركة ذي قار، حيث توافق نصرهم التاريخي مع جهر النبي العربي بدعوته المحمدية. وقد رُوي عن النبي «ص» أنه قال، حين نبا إليه انتصار العرب على الفرس: «اليوم أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبيَ نُصروا».

وبالمنظور التاريخي الرؤيوي فإن فتح مكة كان فتحا روحيا ـ حضاريا لنظام عالمي جديد. وإعلانا تاريخيا عن نهاية التاريخ نهاية تاريخ الإيدولوجية الرومانية ـ المسيحية، والفارسية ـ المجوسية. وقيام تاريخ الأيديولوجية الإسلامية!

ومن هذا المنظور الكوسموحضاري، أرسل الرسول رسله، إلى هرقل وكسرى، بمكتوب التاريخ الجديد، مختزلا في عبارة: «أسلم تسْـلم».
وإذ كان الجواب بالرفض، انطلقت جيوش الفتح الإسلامي برسالة التاريخ الجديد، اندحر الروم عن الشرق العربي. وقال امبراطورهم هرقل، عندها، مودعاً سوريا: «السلام عليك يا سوريا، سلاما لا لقاء بعده. ونعم البلد أنت للعدو وليس للصديق، ولا يدخلك رومي بعد الآن إلاّ خائفاً»!

كان المغزى النبوى، من معادلة: «أسلم تسلم»، ربط الإسلام بالسلام. تسليما بحقيقة نهاية التاريخ القديم واعتناقا للتاريخ الجديد، المحمول على قيم الإسلام الكونية باعتبارها، دينا واجتماعا وأخلاقا، مملكة الإنسان الجديد.

فبقوة الرؤية الروحية الخارقة للتاريخ، كان ذاك النبي البدوي، في غاره الصخري، المشرف على صحراء لا تُحد، يرى ، برؤية الاستبصار النبوي، مستقبل الإسلام مهيمنا، فكرة روحية ونظاما للحياة، على العالم. ومن هنا كان ربطه للإسلام بالسلامة، كدعوة إنقاذ استباقي للعالمين، قياصرة وأكاسرة وملوك، وعبيد، على السواء.

وبالمعني السياسي الواضح كانت دعوة النبي «ص» إلى ما يحيط بالعرب، من امبراطوريات وممالك، طلباً للسلام بالتسليم للقوة القادمة، كونها رسالة روحية كونية محمولة على قيم حضارية مخترقة لعصرها، دون أن تبني وجودها على تدمير غيرها. بحيث يحق للنصراني ـ المسيحي، واليهودي، والصابئ وحتى الوثني أن يكون على دينه، شرط أن يدفع ضريبة إعفائه من أعباء المشاركة في «الحرب»، وهي ضريبة بخسة بالقياس إلى قيمة الضريبة التي يدفعها المرء في عصرنا لإعفائه من التجنيد الإجباري، ما لا أو سجنا!

إنه الإسلام الدين الوحيد الذي احترم الأقليات الدينية وحفظ لها عباداتها ولم يمس كنائسها ومعابدها. ورغم معاداة الإسلام للأصنام، لم يمس المسلمون أصنام الحضارات التي فتحوها، في مصر والعراق وبلاد فارس، بل حرصوا على الحفاظ عليها!

وفي عصور حضارة الإسلام الذهبية في دمشق وبغداد والأندلس تواصل مفهوم الرسالة الحضارية: «أسلم تسلم»، بمعنى التسليم بالعقل الإسلامي العقلاني ـ العلمي ـ. وهو ما سلم به العالم. فكانت اللغة العربية هي لغة العلم العالمية. والدينار العربي ـ الإسلامي دولار العالم. والصك الإسلامي أول أبجدية العولمة التجارية. وعلوم الطب والكيمياء والهندسة والميكانيكا.. هي علوم العالم. وموسيقى العرب هي موسيقى العالم. فالجيتار تولّد عن العود. والبيانو عن القانون. والكمان عن الربابة. وما كان كولمبوس ليكتشف العالم الجديد، لولا اسطرلاب العرب وخرائطهم وبحارتهم ـ أدلاء النجاة في بحور الظلمات ومحيطاتها.

لكن أصحاب الرسالة ـ المعادلة: «أسلم تسلْم»، تحولوا، بسبب استسلامهم للكسل التاريخي، إلى متلقي رسالة الآمر الفرنجي: «سلم تسلّم». وليس أبلغ دلالة على الاستسلام العربي الإسلامي «التاريخي ـ الحضاري» للغربي المسيحي، مثل استسلام عبد الله الصغير، وتسليمه مملكة غرناطة، مقابل الحفاظ على سلامته الشخصية، وسلامة عائلته وذريته، لينتهي به المقام منفيا، ذليلا، في بلاد المغرب!.

ولأن العرب والمسلمين دخلوا في ظلمات الخرافة، في الوقت الذي دخل الغرب، فيه، عصر الأنوار، فكراً وعلماً، وجدوا(العرب والمسلمون)أنفسهم، في نهاية القرن الثامن عشر، ينكشفون تحت ضوء العصر الحديث الباهر، خارجين للتو من كهف الجهالة!

ومذّاك، إلى يومنا هذا، وهم، العرب، ومعظم المسلمين، مستسلمين لما يطرحه الغيرـ الحضاري عليهم، من معطيات وقيم وآليات لحل مشاكلهم البنيوية :
اقتصاديا واجتماعياً وثقافياً. وبتفاعلهم، الانفعالي، مع العصر، اختلطت عليهم المسائل، ما بين الأخذ بمعروضات العصر بقضها وقضيضها، والأخذ ببعضها وترك بعضها، وإليهم من يريد رفضها بكاملها ومحاربتها. لكن، في كل الأحوال، لم تكن المعضلة في بنية الإسلام. فهو، في جوهره الحضاري الأكثر قدرة ومرونة وأريحية على استيعاب المعطيات الحضارية وتمثلها، والتطلع إلى تجاوز مقدراتها. وأشير، هنا، إلى ماليزيا وتركيا وإندونيسا، بما هي دول لمجتمعات إسلامية تؤصِّل وجودها في معطيات العصر ومقتضياته، في اتجاه إبداع أبدع مما هو كائن. وحتى إيران القائم نظام حكمها على ولاية الفقيه الأصولوية، نجدها تكابش قوى الغرب، بإرادة أمة ناهضة، في سبيل إعداد ما تستطيع من قوة، ناعمة وصلبة

فماذا «عنا»؟! هل انقرض العرب، بحيث لم يتبق إلا أعراب لا محل لهم من «الإعراب» في «غرامتيك» العصر العلمي العقلاني؟! فرغم كل الانتفاضات وحركات المقاومة المذهلة، من الأمير عبدالقادر الجزائري وعبد الكبير الخطابي وعمر المختار وسلطان الأطرش، وصولا لثورة التحرير الجزائري الأسطورية، إلى حماس وحزب الله، ورغم سلالة النهضويين والتنويريين، من الطهطاوي إلى أركون، فإن شعوب العرب لا تزال نزيلة أُنموذج دولة الاستبداد الشرقي، بطباعها وطبائعها الاجتماعية ـ الثقافية، المتصلة، عبر القرون، بمعادلة الراعي والرعية!

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 18 يناير 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home