Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 17 سبتمبر 2009

كبلنغ وهنده المُتخيلة..!!*

فرج بوالعَـشّة

مأثورة هي على نطاق واسع مقولة:"الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا". لكن قائلها ليس مشهورا عندنا بمثل مقولته الشهيرة.وأعني الشاعر والروائي البريطاني رديارد كبلنغ،المولد العام 1865 في مدينة بومباي الهندية.أبوه مدرّس للفنون الجميلة وأمه ابنة قسيس.أول إنكليزي يحوز على جائزة نوبل للآداب العام 1907.

تعكس مقولة كبلنغ المذكورة منطقا عنصريا إمبرياليا كلاسيكيا،لا يزال ساري المفعول في الخطاب النيوإمبريالي،الذي يُنظِّر له المحافظون الجدد والإنجليون المتصهينون،الذين تبنوا أطروحة"صدام الحضارات"،وكانوا وراء مخطط الغزوالأمريكي للعراق.كما يعتنق منطق "الشرق شرق والغرب غرب" ما يُسمى بالليبراليين العرب الجدد،الذين قدموا أنفسهم مبشرين بالمشروع البوشي،وحملة لواء الديموقراطية والإصلاح.وعلى وجه آخر هم منافحون عن أنظمة الاعتلال العربي الاستبدادية،ومعادون للمقاومة،أكانت في فلسطين أولبنان أوالعراق.وعندما انهزم المشروع البوشي الإمبريالي في المنطقة بفعل المقاومة العراقية،حمّلوا المسؤولية للثقافة العربية والإسلامية.فنجد أحدهم مثل خالد القشطيني،وهومعروف بتأييده الصريح للاستعمار الأمريكي للعالم العربي والإسلامي،ومغرم بإسرائيل،يؤكد منطقية مقولة كبلنغ،ويعتبرها حقيقة من حقائق التاريخ الثابتة.إذ في رأيه:"يميل الغرب للحكم الديمقراطي ويميل الشرق للحكم الأتوقراطي. فهذا الاختلاف ليس جديدا، بل يعود إلى أقصى أعماق التاريخ.." وبالتالي هما لا يلتقيان.فالغرب حضاري متقدم والشرق همجي متخلف.وهكذا على منوال الفصل العنصري التنميطي بين طرفي نقيض يُعظِّّم الغرب:حضارة متفوقة،فلسفيا وعقلانيا وعلميا،ويُسفِّل الشرق:ثقافة منحطة غير عقلانية،خرافية،انفعالية،عنفية.والنتيجة.والشرق والغرب طرفا نقيض لا يلتقيان إلا صداما بالقوة والحرب.

ونعود إلى كبلنغ،الذي خصص له إدوارد سعيد بابا،بعنوان:"ملذات الإمبريالية"،في كتابه "الثقافة والإمبريالية".يظهر من سيرته وأدبه إمبرياليا قحاً.فهومولود في الهند وعاش سنوات طويلة فيها وتحدث لغتها الهندستانية.في السادسة من عمره أرسله أهله إلى مدرسة داخلية في إنكلترا.وعاد من جديد إلى الهند شابا في السابعة عشرة.زاول الصحافة لمدة سبع سنوات في البنجاب.وكان في الوقت نفسه يكتب الشعر والقصة.ثم غادر الهند كمقر إقامة العام 1889.لكنه كان يعود إليها لفترات قصيرة.وفي كل الأحوال لم تغادره الهند أبدا،فعمله الأدبي:"ظل يستقي من ذكريات سنواته المبكرة في الهند".لكنها هنده هو،كما يريد أن يراها،والتي ينبغي حسب سعيد:"أن تُؤوَّل بوصفها إقليما سيطرت عليه بريطانيا لمدة ثلاثمئة سنة." كما ينبغي أن تؤول هند كبلنغ في سياق تجربته الشخصية والأدبية،على خلفية القلاقل التي تأججت بفكفكة الاستعمار وبالاستقلال.ومن بين أعماله القصصية والروائية تبرز روايته "كيم" التي تتفرد:"في حياة رديارد كبلنغ وعمله المهنيّ بقدر تفرّدها في الأدب الإنكليزي."

وعند قراءتها قراءة تأويلية ينبغي الأخذ في الاعتبار عاملين مركزيين.وهما،أولا،أن المؤلف "رديارد كبلنغ" يعيش بقناعة الرجل الأبيض المسيطر في مستعمرة "الهند" المملوكة للتاج البريطاني.وإنه يؤلف من منظور كون الهيمنة الإمبريالية حقيقة من الحقائق الطبيعية.وحيث السكان الأصلانيون يظهرون،في منظور ثقافة الهيمنة،دونيين تابعين خاضعين.والعامل الثاني هوأن كبلنغ:"كائنا تاريخيا، إلى درجة لا تقل عن الهند نفسها، كما كان فناناً كبيراً.وقد كتب "كيم" في لحظة محددة من حياته المهنية، في وقت كانت العلاقة فيه بين شعبي الهند وبريطانيا تتعرض للتغير."..

اسم الرواية "كيم" جاء من اسم بطلها الصبي كيم أوهارا الملتبس الهوية،وقد أُقحم في لعبة الاستخبارات الإمبريالية دفاعا عن الإمبراطورية البريطانية ضد أعدائها الروس والفرنسيين.وذلك:"بفهم كبلنغ الخارق شبه السحري لآليات عمل وإدارة السيطرة على المجتمعات "المستعمَرة".وسوف يدرك كيم بتحليل الناقد إدموند ولسن:"أنه يُسلِم إلى عبودية الغزاة البريطانيين أولئك البشر الذين أعتبرهم دائما أهله وأن صراعا بين الولاءات سينشب في نفسه.لقد أسس كبلنغ للقارئ وفعل ذلك بتأثير احتدامي كبير التقابل بين الشرق،بصوفيته وشهوانيته وبالأطراف المتناقضة فيه تناقض القدسية والإجرام،وبين الإنكليز،بتنظيمهم المتفوق،وثقتهم بالنهج الحديث،وميلهم الغريزي إلى أن يزيحوا جانبا الأساطير والمعتقدات الأصلانية كما يزيح نسيج عنكبوتي.لقد أرانا كبلنغ عالمين مختلفين تماما ماثلين جنبا إلى جنب،دون أن يفهم أحدهما الآخر فهما حقيقياً،ولقد راقبنا تناوس كيم وهويتأرجح جيئة وذهابا بينهما.لكن الخطين المتوازيين لا يلتقيان أبداً".أما بتحليل إداورد سعيد الأكثر دقة فإن:"التنازع بين خدمة كيم الاستعمارية وولائه لأصحابه الهنود لا يجد حلا،لا لأن كبلنغ لم يكن قادراً على مواجهة هذا التنازع، بل لأنه لم يكن ثمة من تنازع من وجهة نظره......ليس ثمة من شك في أن التنازع كان يمكن أن يوجد لوأن كبلنغ اعتبر الهند مستعبَدة من قِبَل الإمبريالية استعباداً مسيئاً،غير أنه لم يفعل ذلك:فالبنسبة إليه كان أفضل قدر للهند هوأن تحكمها إنكلترا."...

إن إداورد سعيد في قراءتها التحليلية العميقة للروايات الأوروبية الرئيسة،التي أُنتجت في بيئة الهيمنة الإمبريالية،لا يقصد التوصل إلى نتائج قد تكون مُسبَقة أومُسقَطة،تنتقص من الجمالية الإبداعية لهذه الروايات العظيمة،وتظهرها في صيغة إعلام دعائي لخدمة الخطاب الإمبريالي.فهويقرأ رواية "كيم" من حيث إنها:"ليس رسالة سياسية وإن ما ينبغي أن نحتفظ به بعزم بوصفه المعنى المركزي للكتاب هواختيار كبلنغ للشكل الروائي ولشخصية كيم أوهارا ليتعانق بعمق مع هند أحبها لكنه لم يستطع أن ينالها بشكل سليم.."..

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 17 سبتمبر 2009م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home