Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 17 August, 2006

نصرالله بحسبانه قائد الأمة!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

من أين يأتي القائد التاريخي؟!.. الأحرى، من أين ينبثق؟! - القائد الحقيقي لا يصنع نفسه. ولا تختلقه الدعاية الإعلامية. مهما تفوقت في حرفيتها وأساليب خبثها. هتلر لم يكن قائدا. كان صورة مزيفة عن فكرة القائد التاريخي. أي قائد بحكم القوة، والبروباقندا. مثله مثل موسوليني وستالين.. على سبيل المثال. القائد التاريخي ليس مجرد خلطة من كاريزما شخصية ولحظة تاريخية مواتية، وشعارات رائجة، وقدرة ذكاء استثنائي على استثمار الفرصة المناسبة، وتثمير أرباحها، وتحقيق أعمال واستحقاقات عظيمة.

هناك سر شديد التعقيد على التدقيق في كشف مركب القائد التاريخي. النبي محمد «صلى الله عليه وسلم» يمثل نموذج القائد التاريخي العظيم، وإن كان خارج التصنيف لصلته القدسية بالنبوة. لكنه مثال تاريخي يُقاس عليه ويهتدى به، كتصور مخيالي لفكرة "القائد الأمثل" في الثقافة العربية ـ الإسلامية. وهو ما جعل خلفاءه يتبنون تسمية "خليفة رسول الله". وقد اصبغ على أوائلهم، وهم الخلفاء الراشدون، مسحة قدسية مستمدة من صحبتهم للرسول. ثم جاء طور ثان من القادة التاريخيين، الذين اكتسبوا صيتهم الواسع بين الناس، حتى اليوم، بسبب أعمالهم وإنجازاتهم التاريخية المائزة. من خالد بن وليد القريشي، قاهر الروم، إلى الأمير طارق بن زياد الأمازيغي، فاتح الأندلس، وصولا إلى السلطان صلاح الدين، الكردي، داحر الصليبيين، والسلطان بيبرس هازم المغول.
لكن كل أولئك، وإليهم قادة التحرر الوطني، في العصر الحديث، من الأمير عبد القادر الجزائري، مرورا بشيخ المجاهدين عمر المختار، إلى الشيخ ياسين، ليسوا ممن نعني بمقامهم التاريخي العظيم في هذا المقال.

إذ أن المقصود هنا مقاربة فكرة ابتعاث القائد القومي، في تاريخ العرب الحديث، بما هو تجلي موضوعي لانبثاق اللحظة التاريخية التي تتوحد فيها الإرادة الجماهيرية مع رؤية الفرد - القائد، في التحرر والتقدم.
ومن المعروف أن الفكرة العروبية أخذت في البروز، في أواخر القرن التاسع عشر تحديدا، عندما بدأت بعض النخب العربية تتطلع إلى ضرورة استقلال العرب عن السيطرة التركية، التي تصادر حقهم في تقرير مصيرهم القومي، باسم "الخلافة الإسلامية". والمفارقة أن نابليون بونابرت، قائد الفكرة الأوروبية الواحدة، كان أول من تحدث عن حاجة العرب إلى دولة قومية جامعة، عندما كتب في عام 1821، قبل وفاته بقليل، في منفاه:"ما فتئت الدولة العثمانية، منذ اضمحلت أحوالها، توجه التجريدات العسكرية ضد المماليك، من غير أن تحرز عليهم فوزا. إذ كانت تنتهي كل تجريدة بالفشل والانكسار. وقد أفضت هذه الحروب إلى تسوية، تخوّل المماليك حق الاستمرار على مباشرة السلطة والحكم، مع إدخال تعديلات طفيفة وقتية عليه. والذي يقرأ بالتفات تام تاريخ الحوادث التي توالت على مصر، في المائتي السنة الأخيرتين (يقصد منذ عام 1600)، يوقن أنه لو عهدت إلى والٍ من أهل البلاد، بدلا من أن تُعهد إلى اثني عشر ألفا من المماليك، لاستقلت المملكة العربية، التي تتألف من أمة تخالف غيرها من الأمم مخالفة كلية بعقليتها وأوهامها ولغتها، وتاريخها، وشملت مصر وبلاد العرب، وشطرا من بلاد أفريقيا".

وبعد ثورة "تركيا الفتاة"، عام 1908، نما الوعي العربي القومي بقوة، على مبدأ:"أنا عربي أولا ومسلم ثانياً"، وتعززت المطالبة بالاستقلال التام عن تركيا. لكن معظم النخب العروبية راهنت، بمطالب الاستقلال القومي، على قيادات عربية، هي صنيعة السيطرة الأجنبية، البريطانية تحديداً، التي استخدمتهم في حربها ضد تركيا من أجل الهيمنة على تركتها!

وعلى ذلك كان وضع الأنظمة العربية، عشية حرب 48، أنظمة عميلة خانعة، معادية بالتمام لمصالح الشعوب العربية. والحال يشبه، تقريبا، وضع الأنظمة العربية، اليوم، بإضافة ما يزيد الطين بلة، في وجود أنظمة انقلابية قومجية، استولت على السلطة باسم الشرعية الثورية وتحرير فلسطين، وانتهت إلى أنظمة حكم عائلية مافيوزية. وهي الآن تتساوى مع غيرها من أنظمة العرب في الخنوع للسيد الفرنجي المهيمن، وطلب رضاه.

في حرب 48 بينما كان عبد الناصر محاصرا من قبل القوة الصهيونية في الفالوجا الفلسطينية، ولدت فكرة القائد القومي، عندما استنتج ناصر أن الحرب ليست هنا، في الفالوجا الفلسطينية، إنما في القاهرة. وبغض النظر عن الحسابات السياسية، شديدة المحلية المصاحبة لسنوات ثورة يوليو الأولى، فإن سؤال حصار الفالوجا لم يفارق فكر ناصر القومي حتى في تصوراته الأولى. فعندما قرر تأميم قناة السويس كان يدرك، ضمنيا، أنه، يُقدم على تحرير الإرادة العربية في صورة الإرادة الوطنية المصرية. لم يخطط عبد الناصر، كغيره من الانقلابيين، التوسل بشعارات قومية كبرى. إنما وجد نفسه، بفعل مواقفه وانجازاته الوطنية، بأبعادها القومية، متورطا في مهمة القائد التاريخي، الذي انبثقت صورته القومية، في حرب 56، وهي التي، وإن حُسمت دوليا، فإن النصر كان لبيان الإرادة:" باسم الأمة قرار من رئيس الجمهورية تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية .. ". كانت قوة المقاومة كامنة في "باسم الأمة". ربما لم يكن الفرق حاسما بين "باسم الأمة" و"باسم مصر" في تلك اللحظة، بالمعنى الايديولوجي البحت. لكن، لا شك، أن صاحب الرؤية التي ربطت حصار الفالوجا الفلسطينية من طرف اليهود الأعداء، بحصار مصر من طرف الحكام العملاء، كان يدرك ما كان يدركه صلاح الدين الأيوبي عندما وحّد ما بين مصر وسوريا الكبرى قبل التخطيط لتحرير فلسطين من الغزاة الصليبيين. والحال طُعن عبد الناصر من الخلف والأجناب. فمات بذبحة أيلول الأسود 1970، بموت عبد الناصر. فرط السادات في النصر الجزئي لحرب أكتوبر 73، التي هي تتويج لرفض ناصر للهزيمة. إذ تخلى السادات عن 99 و9 من العشرة في المائة من أوراق الشقيقة الكبرى لأمريكا، وفضل الطيران فوق الواقع هبوطا على اليهود في كِنيستهم. لينتهي إلى ما انتهى إليه غير مؤسف عليه إلا من مراكز السلام الصهيو أمريكي.

والنتيجة غياب تام لوجود زعيم عربي، على رأس دولة قيادية مؤثرة، وفي وجود وفرة لزجة من الطغاة المؤبدين، المنسحقين في طلب رضا سيد البيت الأبيض. لذلك نجد بؤساء الشارع العربي، ينغمسون في ايديولوجية الخلاص موتا، أو يتعلقون حتى بأقوال عمرو موسى، عندما كان وزيرا لخارجية مصر، إلى درجة أن شخصيته طغت على شخصية رئيسه، الذي قرر ركنه في وظيفة أمين جامعة الظاهرة الصوتية العربية، لاسيما بعدما شاعت أغنية شعبولة:"بحب عمر موسى وأكره إسرائيل"!

وحتى أنه (الشارع العربي البائس)تعلق بجورج غالاوي البريطاني الجنسية، الإنساني الأصل، إلى درجة تمنى انتدابه لحكم أية"مزرعة" عربية. ولم يكن من غير دلالة على بؤس من يحكمنا أن يذهب وفد مصري وطني ـ قومي إلى السفارة الفنزويلية، لتوجيه ''التحية والشكر'' للرئيس هوغو شافيز على قراره الشجاع بسحب سفير بلاده من إسرائيل احتجاجاً على عدوانها على لبنان.

وكنت قد كتبت منذ أشهر مضت مقالا تحت عنوان "واشافيزاه!" يتحدث عن يأس الشعوب العربية من إمكانية أن تصلح أنظمتها، نفسها، بيدها، لا بيد بوش. ويأسها من أن يجرؤ حاكم عربي على تحدي الغطرسة الأمريكية، لو بالكلام، فيقول شيئا خاطفا مما يقوله القائد الفنزويلي شافيز، في تحديه الشجاع لبوش قولا وفعلا. أو يتفوه بكلمة من الكلمات التي قالها رئيس بوليفيا، الهندي الأصل، موراليس، الذي صرح بشجاعة واثقة: «الإرهابي الوحيد الذي أعرفه هو بوش».

طبعا الأمة لم تعدم الأبطال لحظة حتى تذهب للبحث عنهم في السفارة الفنزويلية. يكفي طفل حجارة من أطفال فلسطين . وما بالك بالشيخ ياسين، الرنتيسي، عياش، إلى آخرهم.. لكن اللحظة، في هذه اللحظة، لحظة القائد القومي، في صورة السيد حسن نصر الله. لأنه قاد حرب الأمة، وليس مجرد مواجهة عسكرية محدودة. إنها بالفعل الحرب العربية ـ الإسرائيلية السادسة. وسر نصره المبين لا يكمن، فقط، في صموده وحزبه وشعبه، وتكبيده العدو خسائر فادحة. إنما يكمن، أيضا، والأهم، في هزيمته للوعي الصهيوني، وهزيمة الشرق الأوسط البوشي، علاوة على هزيمة ثقافة الهزيمة العربية الرسمية!

فمنذ انطفاء روح ناصر لم تتوهج الروح القومية كما هي اليوم، بطول الشارع العربي وعرضه. وإذا كان راديو "صوت العرب" لسان حال العرب، في الخمسينيات والستينيات، فإن الفضائيات العربية، الملتزمة، وفي مقدمتها الجزيرة، تمثل وحدة الوعي العربي، ورأيه العام، وحراكه الرفضي للاستبداد والتبعية. وإذا كان العدوان الثلاثي ( الإسرائيلي ـ البريطاني ـ الفرنسي ) عام 1956 قد شكل لحظة ميلاد ناصر القائد العروبي القومي. فإن العدوان الثنائي (الإسرائيلي ـ الأمريكي) هو لحظة ميلاد نصر الله القائد الإسلامي العروبي.

إن نصر نصر الله نصر على حكام بني يعرب المتخاذلين، قبل أن يكون نصرا على بني صهيون المتغطرسين. إنه نصر، بالدرجة الأولى، على الأنظمة العربية، سواء التي صمتت على العدوان، أو التي صدحت بإدانة"حزب الله"والتشهير به، واتهامه بجر المنطقة إلى مغامرات غير محسوبة، وتحميله مسؤولية التسبب في "الأزمة"، وبالتالي مطالبته إنهاءها بنفسه. وهي الأنظمة، الصامتة والبائحة، التي شاهدناها، بعدما تأكد لها صمود المقاومة الأسطوري، تلحس مواقفها وبياناتها الإنهزامية السابقة، وتتظاهر بالنخوة والشهامة، إلى درجة المزايدة على حب لبنان، وتتصدق عليه بالمساعدات العاجلة من شامبو وصابون.. وحتى كريم نيفا. بل وجمعوا وزراء خارجيتهم في بيروت، بعد طلب الاذن من إسرائيل طبعا!

وطبعاً، لم يكن ذلك من باب الحرص على لبنان، أو نتيجة لصحوة ضمير، لكنه الخوف على عروشهم، بعدما رأوا غليان شعوبهم، وسمعوا ما حوى لسان العرب من تعبيرات احتقار في حقهم. فخافوا أن يواجهوا مستنسخات "حزب الله" في عواصمهم. لاسيما وقد تأكد لهم قول العلي الجبار:"فإن حزب الله هم الغالبون".. وللمقال صلة!

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 17 أغسطس 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home