Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الخميس 17 يوليو 2008

تلاقح الحضارات.. صدمة الحداثة!! (*)

فرج بوالعَـشّة

صدمة الحداثة، هي صدمة حضارية. صدمة زمن بزمن.. اصطدام زمنين: اصطدام زمن حداثة أوروبا (القرن الثامن عشر) الذي هو قرن الثورة البرجوازية العلمية - العقلانية - الصناعية، بزمن ثقافة عربية إسلامية تقليدية ونمط إنتاج رعوي - زراعي إقطاعي (خراجي).

بدأت صدمة الحداثة مدوية بمدفع ومطبعة حملة نابليون بونابرت (1798) على مصر.كانت حملة كولونيالية خاطفة، لكن تأثيرات صدمتها الحضارية ستعتمل عميقا (بنيويا) في الحياة العربية وستستمر أسئلتها الشائكة مثيرة للجدل، إلى يومنا هذا..!!

لقد تم التقاء الشرق بالغرب الحديث (مع أواخر القرن الثامن عشر) في سياق كولونيالي عدواني استيلائي استنهابي في طور جديد يعيد إنتاج حملات الحروب الصليبية.. كان نابليون ينوي بعد احتلال الشام الدخول إلى القدس (أورشليم) ودعوة يهود العالم للقدوم إلى القدس لإعادة بناء الهيكل.. وعندما دخل الجنرال غورو قائد الحملة الفرنسوية الاستعمارية دمشق عام 1920 توجه إلى قبر صلاح الدين حيث ركل ضريحه بحذائه العسكري قائلا:"ها قد عدنا يا صلاح.."..أما الجنرال البريطاني "اللنبي" فعندما دخل القدس غازيا «كان معظم جيشه من بدو الجزيرة العربية أتباع الشريف حسين!!» صاح منتصرا: "اليوم انتهت الحروب الصليبية"!

انتهت الحروب الصليبية القروسطية وبدأت حروب الكولونيالية الأوروبية "العلمانية" دون أن تقطع نهائيا مع استشراقها الصليبي القديم..بالنسبة للشرق «العالم العربي» كان المستجَد الغربي الاستعماري امتدادا مستنسخا عن قديمه..فهو نفسه العدو النصراني الفرنجي عدو الله والمسلمين.. وإذا كان في طور الحروب الصليبية القديمة قد غزا ديار الإسلام من موقع متخلف غارق في ظلامية قرونه الوسطى فإنه في عصر استعماره الأوروبي الحديث يأتي غازيا متفوقا بالمدفع والبنادق والمطبعة ومظاهر الحداثة "الشيطانية" المُبلبة علوما وثقافة وعلاقات اجتماعية ونظماً سياسية.. «دك نابليون بالمدفع حصون المقاومة في حرم الأزهر.. وبالمطبعة طبع بيانات حملته وأوامرها الإدارية باللغة العربية لأول مرة».

كانت صدمة الحداثة إيقاظا متسما بالعنف والاستيلاء على الشرق النائم نومة أهل الكهف..كانت فعلا عدوانيا انتهك زمن الإسلام المستتب وحرمة ثقافته المؤالِفة.. وكان «فعل الحداثة» بمثابة افتضاض شيطاني لعفة المحرم!!

وعليه، جرى، من منظور الذاكرة الإسلامية التقليدية الماضوية، ربط حضور الحداثة وشروط استحقاقها، بالجرح النرجسي الجمعي الذي أحدثته صدمة الحداثة العدوانية المحمولة على غزو استعماري احتلالي..فعُدت مظاهر تلك الحداثة ومفاهيمها وأفكارها ومنتجاتها العصرية رجسا من عمل الشيطان (الغرب)!!

ويمكن القول أن مجاهدة (مقاومة) المستعمر"النصراني" ارتبطت في الذاكرة الإسلامية، إلى حد كبير، برفض أسس ثقافة حداثته (السياسية - الاجتماعية) التي تمس بنية الثقافة الإسلامية البطرياركية (الإقطاعية).

والحال أن صدمة الحداثة أنتجت التباسات عميقة في تلقي واستيعاب الحداثة في تجلياتها الأخرى وربطها، جملة وتفصيلا، بواقعة الغزو.وهذا ما أدى إلى التشوش والجمود على عكس اليابان «بدأت نهضتها الحديثة بعد تجربة محمد علي بستين سنة».. ربما لأن تركيبة الشخصية اليابانية في بنيتها الثقافية، والعقلية، وطرائق تفكيرها وعملها مبنية على استنتاج الأفكار من الوقائع الملموسة المتغيرة كل يوم، وتضيف إليها حقائق جديدة من إبداعها وكون معتقداتها الدينية أخلاقية طقوسية غير مُحكمة التشريع دينا ودنيا كما هو الدين الإسلامي..!

وكما قال ماركس مرة، فإن للاستعمار «ويقصد الاستعمار الحديث» عملاً ذا حدّين مدمّر و معمّر، إذ يقتضي وجوده الاستيطاني تأسيس بنى حديثة من إدارة وطرق وسكك ومدارس ومستشفيات وغيرها، وذلك، بالطبع، لخدمة مصالحه في السيطرة والتحكم في إدارة اقتصاده السياسي الكولونيالي وحاجته إلى نشوء طبقة برجوازية طرَفيّة محلية (مستعمَرة) تعمل على خدمته في تسيير أحوال مستعمرته!!

لقد طرحت الحداثة الكولونيالية تحديات حضارية عويصة على العقل الإسلامي التقليدي وقتها، الذي انقفلت دائرة الاجتهاد عليه منه فيه..وكان قد توقف منذ قرون عن الاتصال بالتيار الإسلامي العقلاني الإنسي لصالح إعادة إنتاج معرفة السلطة الاستبدادية الذكورية!

وقد فطن الإصلاحي الاسلامي الكبير عبد الرحمن الكواكبي مبكرا إلى أن المشروع النهضوي الإسلامي مشروط بالثورة على " طبائع الاستبداد في مصارعة الاستعباد". ويعتبرها"المسألة الكبرى"تعبيرا عن"المسألة الاجتماعية في الشرق عموما، وعند المسلمين خصوصا". داعيا إلى البحث في "سبب الانحطاط وفي ما هو الدواء. وقد تمحص، لديه، أن اصل هذا الداء هو الاستبداد السياسي ودواؤه دفعه بالشورى الدستورية.وأخذه بحثه في " طبائع الاستبداد"، طوال ثلاثين عاما، إلى تمحيص أسئلة جذرية عبر مقالات سياسية نشرها في جرائد مصرية تحت عنوان:ما هو الاستبداد؟ ما تأثيره على الدين؟على العلم؟ على التربية؟ على الأخلاق؟ على المجد؟ على المال؟..إلى غير ذلك.

تلك كانت أسئلة تحفّز، وإن من موقع إصلاح ديني تحديثي. في بنية "المسألة الكبرى"مسألة سيطرة وتحكم الزمن الماضوي في الحاضر، ومصادرته للمستقبل، إذ السلف خير من الخلف، كما تقول القاعدة السلفية، فجاءت صدمة الحداثة لتفجّر التناقض المُزاح والمجمّد، ولينطرح السؤال الإسلامي الإصلاحي: لماذا تأخر المسلمون وتقدّم الغرب؟!

وهو السؤال الجاري طرحه منذ تحديث محمد علي، المحدود، وحتى اليوم. وهو السؤال عينه الذي يُنظر فيه تمحيصا وتحليلا وعنفا، يتنازع إجابته أو إجاباته زمنان هما، بشكل عام،: زمن الأصالة الآخذة بالمعاصرة، بالعودة على بدء الصورة الطوباوية الزاهية للإسلام، التي ترى أن أصل الداء كامن في التهاون، في الدين، والتخلي عن الهوية الإسلامية.ومن جهة أخرى موقف المعاصرة القائل باستيعاب الأصالة ضمنا على قاعدة فصل الدين عن الدولة وفقا لمبادئ فصل المقال الرشدي... يتبع.

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 17 يوليو 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home