Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 17 May, 2007

ماذا لو لم توجد إسرائيل؟!!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

تخيل أن إسرائيل لم توجد بالمرة. هل كان سيختفي الإعياء الاقتصادي والقهر السياسي اللذان يدفعان شبابا غاضبين لأن يصبحوا مفجرين انتحاريين؟!

هل كان بالإمكان أن تكون للفلسطينيين دولة مستقلة؟! هل لو كانت الولايات المتحدة متحررة من حليفها المرهق ستجد نفسها فجأة محبوبة في العالم الإسلامي؟! تفكير بالمنى. إن إسرائيل أبعد ما تكون عن خلق التوترات بل إنها تحتوي من العداوات أكثر مما تتسبب فيه!

هكذا تساءل جوزيف جوف، في مقالة له بعنوان "عالم بدون إسرائيل" نشرتها مجلة فورين بوليسي الأمريكية. والكاتب هو ناشر ورئيس تحرير صحيفة "دي تزايت" الألمانية. وقد أوقف مقالته على تبرئة إسرائيل مما يعاني منه العالم العربي من مشاكل واشكالات بنيوية عويصة (سياسيا/ اقتصاديا/ ثقافيا/ اجتماعيا)! وسأتغاضى عن المعطيات التي ساقها في إجابته عن سؤاله المطروح، لأتساءل:

ما حال العرب لو لم تكن إسرائيل موجودة؟!

ماذا لو لم يتم تخليقها (إسرائيل) بالمرة في مضارب العرب، واختار يهودها وطنهم البديل في الأرجنتين أو أوغندا، حسبما خططوا لذلك قبل وعد بلفور، أو اندمجوا في المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها؟!

هل كانت لتقوم مملكة "هاشمية"في شرق الأردن؟!

لا شك أن لورانس العرب كان سيظهر في صحراء العرب، حتى لو لم يكن وعد بلفور قائما، وكان سيستأجر، بالذهب، مرتزقة من اعراب الصحراء، مكونا منهم جيشا لمحاربة الأتراك نيابة عن الإنجليز. ومعروف أن معظم جيش الجنرال اللنبي الذي غزا به فلسطين، وطرد منها الأتراك، كان يضم نحو ثمانين ألف مقاتل من أعراب صحراء نجد والحجاز وبادية الشام، الذين كانوا يقاتلون مقابل أجر بخيس، ولم يكونوا معنيين بأية قضية. كانوا يتبعون أوامر شيوخهم، التابعين للشريف حسين وأبنائه، بحسبانهم سادة الهاشميين، الذين كانوا بدورهم تابعين للإنجليز، طمعا في مملكة عربية هاشمية على أراضي الهلال الخصيب (العراق وبلاد الشام: سوريا/ لبنان/ فلسطين)، يتقاسمون ملكها بعدما طردهم آل سعود من الحجاز!

ولو لم يكن وعد بلفور مطروحا، ومخطط تدفق اليهود على فلسطين قائما، لركّب الإنجليز من فلسطين وشرق الأردن مملكة هاشمية واحدة، ووضعوا عبد الله بن الحسين ملكا عليها، وفيصل ملكا على سوريا، وغازي ملكا على العراق. وربما وحدوا الممالك الثلاث في مملكة هاشمية كبرى، يحكمونها اسميا، من باب وجاهة "النسب النبوي"، بينما السلطة الفعلية بيد المندوبين "الساميين" لبني الأنجلو ساكسون!

وطبعا لو لم يمنح من لا يملك (الإنجليز) فلسطين لمن لا يستحق (اليهود) لما كانت حرب 48 ولما أرسل ملك مصر، فاروق الألباني، جيشه المغشوش بأسلحة فاسدة. ولبقي العقيد جمال عبد الناصر يدرّس الاستراتيجيات في الأكاديمية العسكرية!!

ولكن، أكان ذلك يمنع عبد الناصر من تغيير نظام الحكم الملكي في مصر؟! لم يكن انوِجاد إسرائيل، ثم حرب 48، الدافع الجوهري لعبد الناصر ورفاقه للقيام بحركتهم الانقلابية، الثورية فيما بعد. ومن ثم المزايدة، كما في حالات اخرى، بأن قضية فلسطين هي الدافع لقيامهم بالثورة.

لقد كانت فكرة استخدام الجيش، لتصحيح أوضاع الحكم في مصر، تشغل ذهن عبد الناصر منذ تخرجه في الكلية العسكرية عام 1938ولأسباب وطنية داخلية، لها امتدادها التاريخي في الحركة العرابية، وثورة 19 تتمحور حول فساد الحكم الملكي، وخضوع مصر للسيطرة الإنجليزية!

إن نهاية النظام الملكي الخديوي في مصر كانت مسألة محتومة بمنطق التاريخ، بوجود إسرائيل أو بدونها. ولو لم يكن عبد الناصر، لكان أحد آخر، ربما بمشروع آخر، الأرجح الاخوان المسلمون، أو الشيوعيون!!

كما أن سقوط مملكة الهاشميين في العراق كان أمرا محتوما، للأسباب نفسها تقريبا، علاوة على غرابة الأسرة المالكة عن الشعب العراقي (كما هو حال أسرة محمد على في مصر). بدليل أن الثورة بدأت مبكرا في العراق، مع محاولة رشيد الكيلاني 1941، التي كان لها تأثيرها في تشكيل حركة الضباط الأحرار في مصر. ثم جاء انقلاب عبد الكريم قاسم يوليو 1958، الذي قضي نهائيا، وبشكل دموي، على الحكم الملكي. ولم يتبق للهاشميين إلا مملكة شرق الأردن، التي لا تزال قائمة، بأعجوبة، كاستثناء تاريخي. (تعتبر إسرائيل الحفاظ على بقاء الحكم الهاشمي، في الأردن، جزءا من مهام أمنها القومي!!).

ولو لم تكن إسرائيل منوجدة، ترى كيف كانت وضعية النهضة العربية، التي انبثقت مع إصلاحات محمد على، والتحقت بالمشروع القومي التحرري مع عبد الناصر؟!ـ أظن أن النهضة العربية كانت لتكون أكثر فعالية وأعمق تنويرا، وأسرع تحولا.إذ إن مواجهة الوجود الصهيوني استنزفت طاقات الشعوب العربية ومقدراتها وإمكانياتها، وتحديداً، في الحواضر النهضوية: (مصر، سوريا، لبنان، فلسطين والعراق)!

ولو لم تكن إسرائيل قائمة لكان المشروع القومي متخففا، إلى حد كبير، من الإيديولوجيا الغليظة، والنزعة الشوفينية الفاشية، دون أن يفقد مشروعيته التاريخية، المستمدة من حقائق الجغرافيا والدين والثقافة، التي تشكّل الوجود المشترك لشعوب المنطقة، المستهدفة، دائما، من القوى الأجنبية، باعتبارها عالما واحدا.فحتى لو لم يتم توجيد إسرائيل، في قلب وجود العرب، ما كانت المنطقة العربية لتنجو من مواجهة السيطرة الأجنبية، من إنجليز وفرنسيس وطليان، وصولا إلى الأمريكان.لكن التحرر منها كان ليكون أسهل بكثير من مواجهة مشروع صهيوني استئصالي استحلالي، مدعوم من الغرب!!

وبافتراض تحرر الدول العربية من الاستعمار والهيمنة الأجنبية، ودون أن تكون إسرائيل مزروعة، هل كان ذلك سيعفي شعوب المنطقة من حروب الأنظمة ضد بعضها البعض، بسبب النزاعات الحدودية، أو رغبة الكبير في ضم الصغير، أو التنافس على الأرض والنفط و الماء، أوحتى لمجرد التزاعل بين الحكام!!!

بمعنى آخر هل لوجود إسرائيل فوائد للعرب؟!!

ربما منع وجود إسرائيل حروب العرب ضد العرب، بين الدول، وكذا حروب أهلية داخلية، وعلى نطاق واسع.صحيح حدثت (وقد تحدث) حروب خارجية عربية - عربية: مصر والسعودية على الأرض اليمنية 1963، مصر وليبيا 1977، غزو العراق للكويت 1989وحروب عربية أهلية:اليمن (مرتين)، لبنان، الأردن، العراق، الجزائر، السودان. لكنها تبقى، في ظني، أعراضا للصراع الوجودي الجوهري القائم بين العرب وإسرائيل، دون أن نغفل الأسباب الأخرى، بطبيعة الحال!

إن وجود إسرائيل وخز مستديم مؤلم في الوعي التاريخي للعرب.وكأنه كان ضروريا للوعي بالضرورات التاريخية (التي تبيح حتى المحظورات)، ما بالك بما ليس منه بد، من الضرورات النهضوية، وهي ضرورات تحكمها مسارات أو أنساق متعددة لكنها منتظمة في استحقاقات مشروع نهضوي شامل، أساسها: ضرورة التنوير العلمي - الفكري العقلاني.ضرورة الديمقراطية السياسية والاجتماعية والثقافية. ضرورة الاقتصاد الإنتاجي الاكتفائي، في الغذاء والكساء على أقل تقدير. وهي الضرورات النهضوية التي، وإن لم تنجز استحقاقاتها كما ينبغي، بسبب أنظمة الاستبداد والتبعية، لا تزال ضغوطاتها تواصل أسئلتها التنويرية، وحركيتها التغييرية، رغم محدودية قدرتها الحاسمة على إحداث التغيير الجوهري المنشود من الشعوب العربية!

كما يبقى الثابت في وجود إسرائيل وجودا سالبا!

فبسببها، أي بحجة مواجهتها، ترسخت أنظمة الاستبداد والعمالة.وتفرخت الانقلابات القومجية الفاشية، المتسلطة على شعوبها، في اليقظة وأحلام المنام، باسم الوحدة العربية وتحرير فلسطين، وقد اتخذ بعض الانقلابيين من اسم القدس كلمة السر لانقلاباتهم، التي انتهت إلى أنظمة عائلية تغلب عليها صفة المافيات، تطلب ود بني صهيون وبني اليانكي، كي تديم حكمها وتسلطها ونهبها لثروة الشعوب المغلوبة على امرها!

وبسبب وجود إسرائيل ربطت الهيمنة الأجنبية الغربية على العرب، من الإنجليز والفرنسيس، إلى الأمريكان، بين السيطرة على النفط وحماية إسرائيل، وما يستوجبه من رعاية وتوجيه لأنظمة الاستبداد والتبعية!

وبسبب وجود إسرائيل، وعجز النظام الرسمي عن مواجهتها، واستمرار وجود أنظمة الاستبداد والتبعية، وهزيمة المشروع الوطني والقومي النهضوي التحرري، نهضت حركة مقاومة شعبية مسلحة تمكنت من مقارعة القوة العسكرية الإسرائيلية والصمود في وجهها، بل هزيمتها وطردها من أراض عربية احتلتها، لأول مرة منذ تخليق وتوجيد المشروع الصهيوني، كما حدث في جنوب لبنان (مرتين) وقطاع غزة.وبالمقابل نهضت أصولوية عنفية، يحركها انتقام متعدد الأغراض: من أنظمة الفساد والاستبداد.. ومن مظاهر الحداثة وأفكارها.. ومن مجتمعاتها التي تعتبرها "مستغربة" و"كافرة"!

وبسبب وجود إسرائيل وهيمنة أمريكا وصل تصعيد الصراع إلى مستوى الصدام الحضاري بين الإسلام والغرب. والغرب هنا تختزله أمريكا.ولأن "جهاديي" القاعدة لا يستطيعون التحرك ضد إسرائيل من الأراضي العربية المحيطة بها، اختاروا الانتقام من حاميها وراعيها (أمريكا)، لسهولة اختراق أمنها الوطني وإرهابها في عقر دارها!

إن العامل الخارجي العدائي: (المشروع الصهيوني والهيمنة الأمريكية)، يقوم مقام الواخز للوعي العربي الجمعي، الذي يضغط، منذ عقود، على حاجة الشعوب العربية إلى (امتلاك) أسباب القوة (الصلبة والناعمة) في دول حديثة ديمقراطية متحررة من الاستبداد والتبعية، تحتكم إلى إرادة شعوبها، لكون الإرادة الجمعوية الحرة شرطا شارطا لهزيمة المشروع الصهيوني.

ورغم انتكاسة النهضة التنويرية وفُشوّ الأصولوية المتزمتة، نتيجة لهزيمة المشروع القومي النهضوي، يبقى لا مفر من الاستجابة للضرورة التاريخية، بالنهضة والديمقراطية، أو هو الخراب والفوضى المُدمِّرة!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 17 مايو 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home