Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الإربعاء 17 فبراير 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السادبعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19

"سي" عمر المختار شيخ المقاومة الجهادية (16)

فرج بوالعَـشّة

يذكر الجنرال غراتسياني في مذكراته أن سِيدي عمر، أجاب على أسئلة كبار المسؤولين الطليان، الذين أشرفوا على نقله مكبلاً، من سوسة إلى بنغازي، على ظهر الطراد الحربي (أورسيني). أجاب سِيدي عمر سائليه بأن وقوعه في الأسر لا يعني توقف حركة الجهاد. فهناك أربعة من القادة كبار سوف يحلون محله. وذكر منهم : الشيخ حمد بو موسى ، عثمان الشامي (فلسطيني من بيسان، الشيخ عبد الحميد العبار ، ويوسف بورحيل المسماري، وهو القائد الأكثر قربا منه. وقال إن قوة المجاهدين المتبقية تتكون من 500 مقاتل عادي و400 فارس، بينما تقدر الاستخبارات الإيطالية أن أعداد من تبقى من المجاهدين لم يكن يتجاوز مئة وخمسين مقاتلا. وقد اعتبر غراتسياني، ما ذكره سِيدي عمر، أعدادا مبالغا فيها. وقد يكون سِيدي عمر بالغ فعلا في تعداد المجاهدين، لا سيما من المقاتلين العاديين من غير الفرسان. إذ أنه بعد اعتقال الأهالي في المعتقلات الجماعية، وإحكام السيطرة الإيطالية على الحدود مع مصر وانقطاع التموين والذخيرة، تكبد المجاهدون خسائر هائلة في الأرواح. حتى أضطر بعضهم إلى الاستسلام وهجر العديد منهم إلى مصر. وعلى كل حال من الطبيعي أن يبالغ في تقدير قوة المقاومة أمام العدو وقد غدا في قبضتهم.

وعندما سئل عن الهدف من انتقال المقاتلين إلى وادي ( بوطاقة ) ـ حيث وقع في الأسر ـ أجاب :" الهدف هو الاستيلاء على قوافلكم التموينية العسكرية لنحصل على المؤن والسلاح. واستطرد قائلاً وشارحاً أن وقوعه في الأسر لا يؤثر ولا يغير سير القتال أو وضع الدور بل سيزداد قساوة. ثم أضاف إني أحارب الإيطاليين الفاشستيين لا لأني أكره الشعب الإيطالي ولكن ديني أمرني بالجهاد فيكم لأنكم أعداء الوطن. وأثبت أيضاً أنه هو الذي أصدر الأمر لجنوده بالهجوم على ( قصر بن قدين ) والاشتباك مع وحدة الضبطية المتعاونة معنا في شهر نوفمبر 1929م وقال إنه كتب رسالة إلى المرشال بادليو ولم يتلق الرد عنها فصمم على الهجوم وأعطى أوامره بخوض المعركة من أجل الحركة التي قامت بها الحكومة وهي تغيير بنود الاتفاقية وتقريب الحسن الرضا وتحريضه ضد الثوار حيث أسست له دوراً مضاداً لعمر المختار وجنوده بينما الحكومة الإيطالية تعرف مسبقاً أنه لوحيد الذي تفاوضت معه ، ونظراً لأن القوات المحاربة أي الثوار تحت قيادته وأنه الوحيد المسؤول عنها وأضاف قائلاً: إن الخلاف بينه وبين الحكومة الإيطالية ابتدأ من محادثة سيدي رافع ".

وفي نهاية حديثه قال، ما أعتبره غراتسياني كلمات تاريخية:" إن وقوعي في الأسر بكل تأكيد بأمر الله وسابق في علمه سبحانه وتعالى والآن أنا بين يدي الحكومة الإيطالية الفاشستية وأصبحت أسيرا عندها والله يفعل بي ما يشاء . أخذتموني أسيراً ولكم القدرة أن تفعلوا بي ما تشاءون والذي أريد أن أقوله بكل تأكيد ، لم أفكر يوماً من الأيام أن أسلم نفسي لكم مهما كان الضغط شديداً ولكن مشيئة الله أرادت هذا فلا راد لقضاء الله. والذي أريد أن أقوله بكل تأكيد ، لم أفكر يوماً من الأيام أن أسلم نفسي لكم مهما كان الضغط شديداً ولكن مشيئة الله أرادت هذا فلا راد لقضاء الله." ـ 2 ـ

وعند الساعة الخامسة مساء من يوم 12 سبتمبر العام 1931 وصل الطراد ( أورسيني ) إلى ميناء بنغازي. كان في انتظاره مئات الفضوليين من الإيطاليين، الذين انتظروا ساعات طويلة لمشاهدة "أسطورة الزمان" وقد بات أسيراً مكبلاً. لم يمسح لأحد بالاقتراب منه، أو لمراسلي الصحف بمقابلته. نُقل في سيارة محاطة بقوة مسلحة بالرشاشات إلى السجن. وهناك، حسب رواية إبراهيم سالم بن عامر، وهو مترجم كتاب "مذكرات غراتسياني"، وكان سجيناً سياسيا في السجن نفسه، أودع سِيدي عمر زنزانة بها سرير خشبي مغطى بقطعة قماش، وعلى الأرض قطعة سجاد بالية، ففضل أن يجلس على الأرض فوق الحصيرة البالية، مستندا بظهره على الحائط ومادا رجليه. وقد كان بن عامر ممَن أسعدهم الحظ، على حد تعبيره، إذ رأى سِيدي عمر وسمع صوته. وذلك:" عندما كان مدير السجن يتجول على زنزانات السجناء، رأى الشهيد جالسا على الأرض ولم يستطيع أن يسأله لماذا هو جالس على الأرض. ولأن المدير لا يعرف العربية فناداني من بين السجناء السياسيين وطلب مني أن أترجم سؤاله، فسألت الشهيد، فأجاب بصوت هادر كالأسد الهصور:" قل له أنا أعرف أين أجلس. لا يحمل هما فهذا ليس من شأنه." فترجمت الكلام فانصعق المدير واصفّر وجهه، وقال هيا أرجع إلى مكانك، بلهجة الآمر. غير أن قلبي كاد يطير من جسدي فرحاً عندما سمعت هذه الإجابة القاطعة < يقصد من سِيدي عمر . رحم الله عمر المختار كم كان عظيماً وهو قائد وأعظم وهو أسير". ـ 3 ـ

ثم أتت سلطة الاحتلال بعميلها الشيخ الشارف الغرياني لمقابلة سِيدي عمر في زنزانته، بحجة تزويده بملابس جديدة بديلا عن ملابسه الممزقة والملطخة بالدماء، لكن الغرض الحقيقي لزيارة الشارف كان محاولة إقناع سِيدي عمر بعدم جدوى مواصلة المجاهدين للقتال بعد القبض عليه، وبالتالي ضرورة أن يصدر أوامره الموقَّعة إلى رجاله كي يلقوا أسلحتهم ويسلموا أنفسهم.

لقد كان الشارف الغرياني بمثابة أخ لسِيدي عمر. فمن المعروف أن الشيخ الغرياني، والد الشارف، كان صديقاً وثيقاً للشيخ المختار، والد سيدي عمر، الذي أوصى صديقه الوفي، أثناء احتضاره في طريقهما إلى الحج، برعاية أبنيه عمر ومحمد. فكان الشيخ الغرياني وفيا لوصية صديقه. وهكذا تربى عمر والشارف وعاشا كشقيقين، إلى أن فرّق بينهما الموقف من الغزاة المحتلين. ففي حين جاهدهم سِيدي عمر دفاعا عن الوطن والدين، هادنهم الشارف وتعاون معهم وتقاضى رواتب منهم. وبينما رحل سِيدي عمر شهيداً وبقي رمزاً وطنيا حياً لا يموت، عاش الشارف الغرياني بعد اندحار إيطاليا عن ليبيا حتى مات موتا طبيعيا العام 1945، ليبقى أسمه، في ذاكرة الليبيين، قرين العمالة. وقد روى قبل وفاته لمحمد الطيب الأشهب، مؤلف كتاب " عمر المختار"، روايته الخاصة بشأن مقابلته لسِيدي عمر، قائلاً إن السكرتير العام لحكومة برقة الاستعمارية، أبلغه أن عمر المختار يريد مقابلته، وأن الحكومة الإيطالية لا ترى مانعا في تحقيق رغبته. يقول الشارف:" فكرت طويلا في الأمر. لكن لم يسعفني التفكير لمعرفة السبب. وهل صحيح أن السيد عمر المختار هو الذي طلب المقابلة؟! لماذا؟! إنه جبار كما أعرفه. ولن يحاول أن يطلب أية مساعدة من أي نوع. ولا من أية شخصية مهما تكن الظروف المحيطة به. هل ترغب الحكومة في أن أقابله وأرادت أن تخفي رغبتها هذه؟! ثم إن السيد عمر المختار يعرف ما بيني وبينه من اختلاف في وجهات النظر السياسية ولذا فهو أبعد من أن يطلبني الآن؟! إنه يعرف مقدما المصير الذي ينتظره. منذ أن وقع في أيدي أعدائه. ويعرف أيضا بأن ليس لكائن من كان في استطاعته التدخل في هذا الأمر. وفوق كل هذا فإنه لا يضعف إنه أقوى من كل قوة يتصورها الإنسان .. كل هذه الاحتمالات مـرت بخاطري. ثم إن مقابلتـه في مثـل هـذه الظروف ، تؤثر في نفسي. ولذلك رأيت أن أعتـذر. ولكن الكمندتور رينسي. أصر على أن أذهب لمقابلته".

جلس الشارف في مكتب مدير السجن ينتظر قدوم سِيدي عمر. بعد دقائق رآه يقبل مستنداً:"على اثنين من الجنود ووراءه جندي مسلح. ولم يكن بمكتب مدير السجن مقعد غير المقاعد التي جلسنا عليها. فدخل السيد عمر ووقف ومددت له يدي لأصافحه. فقال مدير السجن إن التحية بالأيدي ممنوعة، حسب نظام السجن. ولكن ما دمتما داخل مكتبي، أعتبر أنها لم تكـن. وطلبت مـن المترجم " فرناري" أن يجلسه في مكانه ففعل. وجلس السيد عمر وخيم علينا سكون رهيب. وكنت انتظر أن يقول لي شيئا. ولكنه لم يفه بكلمة واحدة. وأردت أن أبتدئ الكلام فقلت هذا المثل الشعبي مخاطبا به السيد عمر: الحاصلة سقيمة والصقر ما يتخبل. ومـا إن سمع هذه العبارة حتى رفع رأســه ونظـر إلي شزرا، حتى كاد الشرر يتطاير من عينيــه. وقـال:

ـ "الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه. وسكت قليلا، ثم أردف قائلا : ربنا هب لنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا. إنني لم أكن في حاجة إلى الوعظ أو التلقين. إنني أؤمن بالقضاء والقدر، وأعرف فضائل الصبر والتسليم لإرادة الله. إنني متعب من الجلوس هنا فقل لي ماذا تريد ".

قال الشارف:

ـ " ما وددت أن أراك هكذا. ولقد أرغمت نفسي على الحضور بناء على طلبك. وحاولت مرارا كي أتجنب هذا الموقف، وهذا اللقاء الأسود. أكرر أنني ما وددت رؤيتك هكذا".

فرد عليه سِيدي عمر:

ـ " أنا لم أطلبك. ولن أطلب أحدا. ولا حاجة لي عند أحد ".

وانتهى اللقاء عند هذا الحد، على ما يذكر الشارف الغرياني، الذي يختم شهادته قائلاً:" وعـدت إلى منزلي وأنا أشعر بالحزن والضيــق. وشعرت بشيء فـي نفسي ما شعرت بمثله طيلـة حياتـي " .ولا يسمى هذا الشيء الذي شعر به في نفسه. فهل نقول إنه شعوره بالذنب نتيجة تورطه في العمالة لعدو وطنه ودينه، وها قد وجد نفسه مهاناً ذليلاً أمام شيخ المجاهدين الشامخ كرمز منزهٍ رغم أسره.

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 4 مارس 2010م .


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السادبعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home