Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الأحد 17 يناير 2010

البرادعي الخطر الماثل

فرج بوالعَـشّة

الشغل الشاغل للنظام المصري المباركي موضوعه مصير الحكم بعد انتهاء فترة مبارك الرئاسية السادسة، في نهاية العام 2011. حيث سيكون الرئيس البطريرك قد بلغ من العمر عتياً . ومع ذلك قد يُقدم على ترشيح نفسه لفترة رئاسية سابعة، يفوز فيها بسهولة بالطريقة الفهلوية المعتادة أو ربما سيدفع بابنه جمال كما تُشير التوقعات؟! وعلى كل حال لا أحد يستطيع أن يقطع بأي الاحتمالين، حتى مبارك نفسه. فللأمريكان، ومن ورائهم الإسرائيليون كتحصيل حاصل، دور حاسم في تحديد أيهما أنفع للمرحلة. الأب، إذا سمحت صحته، بخبرته المُجربة جيداً في أداء دوره المرسوم له في سيناريوات السياسية الأمريكية في المنطقة، وعلى الخصوص دوره المركزي في "محور المناعمة" ومحاصرة غزة واحتكار عملية المصالحة الفلسطينية لحساب الأجندة الصهيوأمريكية. أم أن متطلبات الإستراتيجية الأمريكية ستفرض ضرورة الدفع بالابن لإحداث نفضة إخراجية لشكل النظام السياسي المباركي الكائخ، في صورة الابن ـ الشاب، بدعوى أنه يمثل مصر ـ المستقبل ؟!

وحسب تحضيرات النظام الجارية فإن ابن أبيه هو الحاكم المُحضَّر لمصر. وكان من بين أبلغ تلك التحضيرات الدعائية الفاقعة ما قامت به مولتي ميديا النظام، الرسمية وشبه الرسمية، من هستريا ردح "فرعوني" شوفيني أثناء تغطية مباراة مصر والجزائر، لتلميع جمال مبارك شعبيا في سياق تطويبه وليا لعهد أبيه، وتصوير صعود المنتخب المصري إلى كأس العالم صعودا لجمال إلى سدة الرئاسة. وقد كان الحزب الوطني الحاكم وراء تنظيم تلك الحملة الكروية الشعبوية، التي استخدم لأجلها أجهزة الحكومة وإمكانات الدولة ومجاميع من الكتّاب والإعلاميين والفنانين... فاشتغل إعلام الردح، قبل المباراة في القاهرة بأسابيع، على تعبئة المصريين ضد الجزائر والجزائريين، كأنهم داخلون في حرب كبرى. وعندما انهزم "منتخب الفراعنة" في موقعة الخرطوم أطلق الإعلام المصري العنان لقاموس شتائمه المبتذلة المنحطة. ليس حقدا على الجزائر والجزائريين فقط، وإنما على العرب والعروبة والقومية العربية، في شحن مبرمج لعواطف العوام بالروح المصرية الشوفنية، من خلال تضخيم بعض الاعتداءات التي تعرض لها الجمهور المصري في السودان، وإظهارها على أنها اعتداء على مصر " العظمة والريادة والقيادة...".إلخ. والغاية أن يتمثل المصريون حب مصر "أم الدنيا" بالتماهي مع حبـهم للسيد الرئيس وعائلته الحاكمة ووريثه الجميل جمال.

وبعدما فرّغ إعلام الردح ما في جعبته من بذاءات سوقية ضد الجزائر والجزائريين، وإليهم العرب والعروبة والقومية العربية، تزكيةً لسياسات النظام المتنصلة من القضايا القومية، وتغطية على دوره كشريك لإسرائيل وأمريكا في حصار غزة وخنق حركة المقاومة، ظهرت قضية مزعجة ، فجّرهأ، ابتداءً، الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل، عندما دعا إلى استحداث "مجلس أمناء الدولة والدستور"، يتكون من عدة شخصيات وطنية بارزة، ترسم خطة طريق لانتقال مصر، في سياق دستوري جديد، نحو بناء نظام ديموقراطي حقيقي، بعيداً عن نهج التوريث المملوكي المتبع. فثارت ثائرة النظام عليه، خشية من تبني الرأي العام والقوى السياسية المعارضة للمقترح، وربما تزكيته من طرف المؤسسة العسكرية، مما قد يقطع الطريق على استمرار العائلة المباركية في حكم مصر بعد مبارك. وزاد في تفعيل مقترح هيكل إعلان عمرو موسى ومحمد البرادعي عن نيتهما في الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة. وبعد استبعاد عمرو موسى لارتباطه الوظيفي العضوي بنظام مبارك وتهافت شعبيته نتيجة لدوره التبعي للنظام المصري في الجامعة العربية، يبقى الخطر الحقيقي الذي يخشاه النظام المباركي ماثلا في شخصية الدكتور محمَّد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية. فكان بإعلانه كأنه فجر قنبلة محرمة سياسيا في عرف الأسرة المباركية الفرعونية وحزبها الحاكم، والتي تخطط، منذ عقد على الأقل، لتوريث الحكم العائلي إلى النجل البكر. ولم تكن لتخشى أي زعاج يذكر من جهة المعارضة المستأنسة كأنها بوبي العائلة المالكة.

في البدء أخذت الأسرة الحاكمة إعلان الدكتور البرادعي على أنه ترويج إعلامي مشبوه من طرف المعارضة الكسيحة. وعندما اتضح لها جدية رغبة الرجل وتوجهاته الوطنية الشعبية البعيدة عن الأحزاب الخشبية، ارتفعت حدّة ارتباكها، لاسيما في قيادات الحزب الوطني الحاكم. فالبرداعي ليس أيمن نور رئيس حزب الغد المعارض، الذي بمستطاعهم ترهيبه وتلفيق التهم له وحتى سجنه من جديد، رغم الرعاية الأمريكية الشكلية له. البرادعي له شعبيته الواسعة في أنحاء مصر. فهو شخصية دولية شهيرة وحامل جائزة نوبل للسلام. وله مكانته وعلاقاته الواسعة بدوائر المجتمع الدولي السياسية والمؤسساتية. وبالتالي من الصعوبة بمكان التعرض له بالقمع أو تلفيق التهم الجنائية ضده.

وقد فاجأ الرجل الجميع بذكائه السياسي في طرح مشروعه للترشح وأسلوبه العملي في ترسيم خطواته السياسية، انطلاقا من دعوته إلى تعديل المادة 76 وبعض المواد الدستورية الأخرى بما يكفل الموضوعية التنافسية لانتخابات الرئاسة والرقابة عليها في 2011، واعتبر هذه التعديلات شرطا لمشاركته كمرشح. علاوة على شروطه المتمثلة في ضرورة "إنشاء لجنة قومية مستقلة ومحايدة تتولى تنظيم الانتخابات، والإشراف القضائي الكامل على مراحل الانتخابات وعملية الاقتراع، ووجود مراقبين دوليين من الأمم المتحدة لرصد مراحل الانتخابات وضمان سيرها بصورة سليمة، وأن تكون عملية الترشح مكفولة لكل مواطن مصري، إضافة إلى مراجعة لوائح الناخبين". وبذلك جعل من عملية ترشيح نفسه قضية وطنية وشعبية في سبيل تغيير الدستور المصري لأجل إقامة نظام ديموقراطي حقيقي.

والحال أن افتراض فوز الدكتور البرادعي برئاسة مصر مقابل الفرعون مبارك أو ابنه المُبارك، وفي خدمتهما أجهزة الحكومة ومؤسسات الدولة ووسائل الإعلام ورجال المال والأعمال ونجوم الكرة والفن، فيما يتبعهم العوام أصحاب الوعي القطيعي، قد يُعد ضربا من العبث السياسي. لكن الرجل حتى كتابة هذا المقال، يقود معركة وطنية ذكية. وسيكون ذكاؤه مُحكما إذا كان مُدركا أن مطمحه الحقيقي في المعركة السياسية التي أعلنها في مواجهة الأسرة الفرعونية الحاكمة ليس أن يصبح رئيسا بالضرورة، وإنما أن يُعكّر، إيجابياً، صفو واقع الاستنقاع السياسي الراكد، بحركة شعبية ديموقراطية، هدفها، في الأساس، كسر حواجز الخوف قدام الشعب المصري، كي يمتلك وعيه الوطني الحر، بحيث يستطيع أن يختار، بإرادة حرة، الحاكم الذي يريده، دون أن ينتظر عبد الناصر آخر بلا طائل. فمصر اليوم بمنطق الرؤية السلطوية السياسية السائدة، كأن لا مستقبل يلوح لها إلا إعادة إنتاج الفرعون الأب في صورة الابن الممجد، ليعاد تكرار سياسات الاستبداد والفساد نفسها، والتبعية المخزية نفسها للسيد الأمريكي والتذلل نفسه للسيد الإسرائيلي. ولتصبح مصر الرسمية كما في عهد الأب، هي كذلك في عهد الابن، "البيه البواب" سجان غزة، ووكيل ترويج مشاريع الشالوم الصهيوأمريكي.

إن مصر تستحق على الأقل رئيسا لا علاقة له بالتركة الساداتية ـ المباركية. تستحق رئيسا وطنيا، دون أن يكون بالضرورة امتدادا لعبد الناصر القائد الجامع بين الوطنية والقومية. يكفي أن يكون رئيسا وطنيا يعكس إرادة الشعب المصري. فيرفض لعب دور "البيه البواب" حامي أمن إسرائيل من جهة غزة. ويعتبر حدود مصر مع غزة المحررة حدودا عربية. ولا يبيع سيادة مصر وكرامة شعبها مقابل المعونات الأمريكية ونيل رضى واشنطن عن نظامه من طريق إرضاء تل أبيب.

والحال إذا أُعيد انتخاب مبارك الأب أو نجح في تنصيب ابنه، الذي لن يكون سوى استنساخ سياسي لسياسة أبيه، فعلى المقاومة الفلسطينية، في غزة تحديداً، أن تتوقع الأسوأ من التحالف الصهيوفرعوني. ولسوف يستمر الأمريكيون والإسرائيليون في مصادرة إرادة مصر، وطنيا وقومياً، وتوظيف النظام المصري لأجل مزيد من تخنيع الإرادة العربية بالتوافق مع أنظمة هبل المنفوطة.

faragasha@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home