Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الخميس 16 اكتوبر 2008

جدلية اختفاء المثقف(*)

فرج بوالعَـشّة

جوليان بندا{1867 – 1956}،الذي يعلي أدوارد سعيد من شأنه،هو مثقف فرنسي..روائي وفيلسوف..زعيم حركة "نقض الرومانتيكية anti-Romantic" المعروفة في النقد الفرنسي.. مدافع مثابر عن المنطق والفكر ضد الحَدْسية البرغسونية الداعية إلى تلقي القيم والواجبات الأخلاقية بالبداهة الحدسية..!

قدم جوليان بندا رؤية فلسفية أخلاقية عميقة لدور المثقف،بتأثير من "قضية درايفوس"{ضابط فرنسي يهودي اتهم بالتجسس لصالح ألمانيا،العدوة التاريخية اللدود لفرنسا،حوكم عليه،العام 1899،بالسجن المؤبد،والنفي إلى جزيرة الشياطين في غوييانا الفرنسية العام 1899،بعد محاكمة غير نزيهة.. وبضغط من الرأي العام،اعيدت محاكمته فتمت تبرئته ورد الاعتبار له.. ويُذكر للضابط درايفوس رفضه الانصياع لرغبة الحركة الصهيونية،بزعامة هرتزل،في استخدام قضيته للدعاية للمشروع الصهيوني..معتبرا قضيته قضية فرنسية خالصة لا علاقه لها بانتمائه الديني..}

يذهب جوليان بندا بدور المثقفين إلى مقام المثالية. حيث ولاؤهم للحقيقة والعدالة. ويذم ولاء المثقف لأمة بعينها أو طبقة بعينها أو إيديولوجية بعينها أو عرق بعينه. لأن الولاء الشعوبي أو الإيديولوجي الدوغمائي أو العرقي العنصري ليس سوى وصفة هسترية للذبح المنظم للأمم أو الطبقات أو الأعراق{الأثنيات}..بينما المثقف الحقيقي في نظره هو"مخلوق نادر لأنه يساند معايير الحقيقة والعدالة الأبدية، ويقول الحق في أصعب الظروف"..كما جاء في كتابه:"خيانة المثقفين"، الصادر عام 1927..!

يتضمن تعريف جوليان بندا للمثقفين الحقيقيين الاستثنائين سلالة عابرة للتاريخ من سقراط إلى يسوع، وصولا إلى سينوزا وفولتير وأرنست رينان.. وغيرهم ممن يشكِّلون ضمير البشرية الأخلاقي. حتى أنه أنزلهم منزلة الإكليريكيين{الكهنة}:"تمييزا في المنزلة والأداء" عن العوام: "أولئك الناس العاديون المهتمون بالفائدة المادية والتقدم الشخصي.." دون أن يكونوا{المثقفون الحقيقيون} منفصلين عن الواقع. أي أنهم بالضرورة مثقفون عضويون لجهة انحيازهم البطولي للحقيقة والعدالة والدفاع المستميت ضد الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي والتعصب الديني أو العرقي واعتداء الأقوياء على الضعفاء؛ أكانوا أفرادا على أفراد،أو أمة على أمة..!

إنهم مثقفو "السلطة الأخلاقية" على الضد من المثقفين المُوظَّفين،الذين:"تنازلوا عن سلطتهم الأخلاقية لمصلحة ما يسميّه بندا في تعبير تنبّؤيّ {تنظيم العواطف الجماعية} مثل الروح الطائفية،والمشاعر الجماهيرية،والعدوان القومي، والمصالح الطبقية..."

إن مثقفي "السلطة الأخلاقية" لا مكاسب مادية خاصة لهم. إنهم مشاريع استشهاد ضميري بالصلب أو بالحرق أو بالنبذ،حسب وسائل العقاب في العصور القديمة أو بوسائله اليوم: السجن والاختفاء القسري والاغتيال.. كان جوليان بندا صارما في إدانة "خيانة المثقفين" لـ"السلطة الأخلاقية" كما في هجومه الشرس على المثقفين الوطنيين الشوفنيين والفاشيين الذين أيدوا الحكم الظالم على الضابط درايفوس بحسبانه "يهوديا خائنا" لفرنسا،وهيجوا عواطف العوام العدائية ضد السامية. كما هاجم بالشراسة نفسها،في طبعة جديدة منقحة لكتابه "خيانة المثقفين" بعد الحرب العالمية الثانية،المثقفين:"الذين تعاونوا مع النازيين،وكذلك {المثقفين}الذين تحمّسوا للشيوعيِّين بدون أن يروا فيهم ما يستوجب الانتقاد.."

مقابل رؤية جوليان بندا المتعالية في اخلاقيتها المتشددة. تحدد رؤية غرامشي الفكرية المُمنهَّجة سوسيولوجيا.من منظور خطاب الاقتصاد السياسي الماركسي. مفهوم المثقفين العضويين. وطبيعة وظيفتهم الاجتماعية.من حيث كونهم لا يشكلون طبقة اجتماعية مستقلة بذاتها. إنما هم مرتبطون "بدرجات مختلفة بإحدى الطبقات الأساسية".

إن التعريف الغرامشي للمثقف، حسب إدوارد سعيد يضعنا:"أقرب بكثير إلى الواقع من أيِّ صفات يعطينا إياها بندا، وبخاصة في أواخر القرن العشرين،عندما ثَبتت رؤية غرامشي ببروز مثل هذا العدد الكبير من المهن الجديدةـ المذيعين،ومحترفي العمل الأكاديمي،والمحلّلين في مجال الكومبيوتر، والمحامين المختصّين بشؤون الرياضة ووسائل الإعلام، والمستشارين الإداريين، وخبراء السياسية، ومستشاري الحكومة، ومؤلِّفي التقارير التجارية المتخصصة، والعاملين في مجال الصحافة الجماهيرية العصرية بكامله"..أي أن المثقف هو منتج معرفة: أدبية،فنية،فكرية،إعلامية،سياسية، اقتصادية،إجتماعية،قانونية،إدارية، عسكرية،صناعية،تكنولوجية..ألخ. بمعنى أن كل: "من يعمل اليوم في أي حقل مرتبط بإنتاج المعرفة أو بنشرها هو مثقف،حسب غرامشي."..!

وفي خضم هذه الصور المتعددة والمتولدة للمثقف. يرى إدوارد سعيد أن: "ثمةخطرا ناجما عن احتمال اختفاء وجه المثقّف أو صورته في خضم بحر من التفاصيل، واحتمال تحول المثقّف إلى مجرد مهني آخر أو أحد الوجوه في تيار اجتماعي ما.."! وهو ما يجعل إدوارد سعيد ينظر في المسألة من منظور تجربته الشخصية الخاصة. على خلفية منهجه الفلسفي. المؤسَّس على والمؤسِّس لـ فكر ما بعد الحداثة-ما بعد الكولونيالية..فمع إقراره بمنطقية التعريف الغرامشي وموضوعيته لتعددية صور المثقف،فكريا ومهنيا. ألا أن المثقف حسبه: "هو فرد له في المجتمع دور علني محدد لا يمكن تصغيره إلى مجرد مهني لا وجه له،أو عضو كفؤ في طبقة ما لا يهتم إلا بأداء عمله. فالحقيقة المركزية بالنسبة إليّ،كما أعتقد،هي أن المثقف وُهب مَلكة عقليّة لتوضيح رسالة، أو وجهة نظر، أو موقف، أو فلسفة، أو رأي، أو تجسيد أي من هذه، أو تبيانها بألفاظ واضحةلجمهور ما، وأيضا نيابة عنه"!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 16 اكتوبر 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home