Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 16 يوليو 2009

مستقبل ولاية الفقيه!!

فرج بوالعَـشّة

تحدثتُ في المقال السابق عن حركة الاحتجاج الطلابي التي تواترت خلال السنوات:1997 ـ 1999 ـ 2003. وكيف تراءت تلك الحركة الاحتجاجية كبداية لنهاية الأصولية البطريركية المتزمتة. أي نهاية الدولة الدينية ونشوء الدولة المدنية التي تردد مطلبها في شعارات الطلبة ضمن حركة رفض تتعمق في بنى مجتمع مدني يتخلق بصعوبة في بيئة تغلب ديني استبدادي. وقد تصورتُ، وقتها، إن نهاية نظام ولاية الفقيه مؤجل فقط بحكم واقع قوة التغلب الديني المهيمن على مؤسسات الدولة والحياة السياسية. أما حركة خاتمي الإصلاحية فقدت بدت لي مجرد محاولة لترقيع ثقوب عباءة حاكمية ولاية الفقيه، لأنها أيديولوجية شمولية عفى عليها الزمن. فهي تبقى منقرضة في واقع العصر الحديث. فلا مستقبل (موضوعي) لها مهما طال حكمها بحكم واقع القوة الاستبدادية. ألم تنازع الأيديولوجية الشيوعية السوفييتية انقراضها المحتوم طوال سبعة عقود، ثم اندثرت كأنها ما كانت.؟!

بالنسبة لإيران ما زلت عند تصوري بأن نظام ولاية الفقيه يُعد نظاما سياسيا لا مستقبل له بلغة العصر وإن طال حكمه أكثر مما ينبغي بحكم القوة الاستبدادية. دون أن يعني ذلك أن نظام الثورة الإسلامية سيندثر بقضه وقضيضه كما حدث لنظام لاتحاد السوفييتي التوتاليتاري وكتلته الشيوعية التابعة في أوروبا الشرقية. إذ كشفت لي عملية الانتخابات الرئاسية، وما صاحبها من احتجاجات وكيفية معالجة النظام لها، أن وصف نظام الثورة الإسلامية الإيرانية بالتوتاليتاري غير مطابق لحقيقة النظام السياسي القائم اليوم في إيران. فلا ينطبق على إيران تعريف النظام التوتاليتاري الذي ابتكره موسوليني وفسّره بأنه يعني أن تكون سياسة كل شيء في البلاد التي تحكمها التوتاليتارية في خدمة الدولة، على نحو: احتكار الحزب الأوحد لقيادة الدولة والمجتمع، واحتكار الرأي الأيديولوجي الأوحد للرأي العام، وبالتالي انعدام الحريات العامة السياسية والثقافية. واحتكار وسائل الإعلام، والسيطرة التامة على النقابات والاتحادات المهنية والجمعيات والروابط الاجتماعية، وهو ما لا نجده في النظام الإيراني القائم. والسؤال: إذا كان نظام الثورة الإسلامية لا يُعد نظاما توتاليتاريا أو حتى شبه توتاليتاري، فهل يعني ذلك أنه ليس نظاما ثيوقراطيا استبداديا؟! صحيح أنه نظام ثيوقراطي ذو طبيعة استبدادية، لكن استبداده يبدو لطيفا جدا بالمقارنة مع أنظمة الاستبداد والتبعية الشرق أوسطية المحايثة له. فالنظام الإيراني يقوم على واقع حراك سياسي تعددي نشط، وهامش كبير للتعبير عن الرأي والانتقاد ونشاط اقتصادي حر، وحراك اجتماعي سياسي على أرضية صراع طبقي متفاعل في تصادم المصالح الجاري بين القوى المتصارعة على السلطة. وقد شاهدنا كيف عكست الانتخابات الرئاسة الأخيرة حالة ديمقراطية حيوية تتفاعل داخل المجتمع الإيراني، كما عكست أيضا أصداء التحديات التاريخية المصيرية التي تواجه النظام السياسي في المستقبل المنظور.

وفي رأيي أن فوز نجاد على موسوي تم في جو ديمقراطي واضح، تجلى في حيوية الحملة الانتخابية الدعائية للمتنافسين، حيث دار تنافس قوي بين المرشحين الأربعة وأنصارهم، وتصاعد خلال المناظرات التلفزيونية إلى درجة تبادل الاتهامات والتهجمات الشخصية. وتجلى أيضا في سير العملية الانتخابية والإقبال الهائل من الناخبين. وقد كان فوز أحمدي نجاد مُستحقا رغم ما شاب العملية من أخطاء. لكن تلك الأخطاء لا تعني، كما يُشير تقرير موضوعي صادر عن خدمة أبحاث الكونجرس، أن فوز نجاد جاء نتيجة تزوير ملايين الأصوات: "فالفارق بين نجاد وأقرب منافسيه واسع للغاية بشكل يصعب تزويره أو على الأقل إخفاؤه، وهذا يعني أن شكوى معارضي الانتخابات الرئيسية نابعة من شعورهم بميل النظام السياسي الرسمي وعلى رأسه خامنئي والحرس الثوري ومؤسسات الدولة لصالح أحمدي نجاد مما يعمق الفجوة بينهم وبين الفئات المعارضة بالأساس.."..!ـ1ـ

لقد فاز أحمدي نجاد لأن الغالبية الشعبية أرادته رئيسا لولاية ثانية. فهو رجل منها، قروي الأصول، من الطبقة الوسطى البسيطة، متواضع طيب، غير فاسد، بينما مير موسوي واحد من كبار أثرياء إيران. وهو قدم نفسه ممثلا للطبقة الوسطى المدنية والطبقة البرجوازية الثرية، والمثقفين الليبراليين، والشباب والشابات المطالبين بالتحرر الاجتماعي. أي أن الاضطرابات التي أعقبت الإعلان عن النتائج كانت تعبيرا عن صراع اجتماعي طبقي، ظهر سياسيا في صراع الكبار المتنفذين داخل بنية النظام نفسه. وقد تمظهر وكأنه صراع شخصي بين الرأسين الكبيرين: خامنئي ورافسنجاني، بسبب تفضيل خامنئي لأحمدي نجاد على رفسنجاني في الانتخابات الرئاسية عام 2005. وهو تفضيل سياسي وليس شخصيا، بحسب أن نجاد ممثل للقوى الشعبية، والطبقة الوسطى البسيطة والعمال والفلاحين والفقراء، في المدن والأرياف، علاوة على دعم الحرس الثوري والباسيج، في مواجهة رفسنجاني الذي تحول إلى ممثل للطبقة البرجوازية، وطبقة البازار، وقد مال إلى محالفة الإصلاحيين في معارضتهم للرئيس نجاد في الكثير من سياساته الداخلية والخارجية. وأهمها الملف الاقتصادي في الداخل والملف النووي في الخارج..!

بالنسبة للرئيس نجاد فإنه، رغم الضغوطات الغربية والتلويح بعقوبات اقتصادية جديدة قاسية، ظل ثابتا على الموقف الرافض لتعليق برنامج التخصيب، ومهاجما خصومه في الداخل، قائلا "إذا لم تكف العناصر الداخلية عن ضغطها في الملف النووي فستفضح أمام الشعب الإيراني.." ومن بينهم من يسميهم بـ"قدامى الثوريين الذين ملأوا جيوبهم"، غامزا بذلك من قناة رافسنجاني، الذي ظهر تحالفه السياسي واضحا مع خاتمي ومير موسوي، حيث تناغموا في انتقادهم لنهج أحمدي نجاد في الحكم، وتخويف الشعب الإيراني من فوزه بولاية جديدة. فمن جهة اتهم الرئيس السابق خاتمي أحمدي نجاد بالجهل وانعدام الخبرة في إدارة الدولة. واشتغل رفسنجاني على تخويف الناخبين من الوضع الدولي بقوله: "خلاصة الوضع الدولي أن الولايات المتحدة تكاد تنشر قواتها في كل مكان. ولا نملك معلومات محددة عن نياتها ونجهل ماذا سيحدث لكن الخطر موجود وهو جدي جدا". وأشاع مثقفو الإصلاح صورة لنجاد بصفته "جنرال حرب" لا يعرف من الحرب شيئا. وأنه لا يملك رؤية فعلية للواقع وليس لديه إحساس بالخوف. وأنه يعتقد أن خصومه سيتراجعون في حال اتخذ مواقف متشددة". فرد الرئيس نجاد متهما معارضيه بأنهم "أقل ذكاء من معزاه"، وهاجم من سماهم الخونة الذين في رأيه مدّوا "الأعداء" بمعلومات سرية، وحثوهم على اتخاذ قرارات أكثر تشددا ضد إيران لإجبارها على التخلي عن حقها في تخصيب اليورانيوم..!

والحال أن النظام أثبت قوته واستتبابه في التعاطي مع الاحتجاجات التي كانت كفيلة بإسقاط أنظمة كثيرة استبدادية في الشرق الأوسط. وأثبت أنه ليس مختبرا مناسبا لتطبيق خطط الـ سي آي إيه لتخليق ثورات مخملية على الطريقة الجورجية والأوكرانية. ولكن إذا كانت الاحتجاجات الصاخبة وأساليب تدخل القوة الغربية الذكية بوسائلها الإعلامية غير المسبوقة أعجز من أن تُسقط النظام أو حتى تجعله يعود إلى طاولة المفاوضات بتنازلات مطلوبة في الملف النووي، إلا أنه لا بد من الإقرار الموضوعي بأن ما جرى كان حدثا سياسيا اجتماعيا شديد الخطورة على النظام الإيراني، وتحديدا على مستقبل الهيمنة السلطوية للولي الفقيه. حيث إن النظام الإيراني محمول على تناقض سياسي بارز بين نظريته الثيوقراطية الشمولية التي يحكم باسمها الولي الفقيه وبين الممارسة السياسية ذات الأبعاد الديمقراطية الدستورية في مؤسسات الجمهورية: الرئاسية والحكومة والبرلمان ومجلس صيانة الدستور. وقد أدت الأحداث الأخيرة إلى الانتقاص من هيبة الولي الفقيه الميتافيزيقية. فأصبح من الضرورات التي تبيح المحظورات أنسنة شخصه وتسييس منصبه، والأحرى إلغاؤه لكي يتم التخلي عن نظرية الحكم الثيوقراطي الشمولي إذا أُريد لنظام الثورة الإسلامية التلاؤم مع معطيات العصر وروح المستقبل. وذلك لا يتأتى إلا بمداخلة الحداثة في جوهرها الحضاري ومعاييرها الإنسانية المشترك. أي مداخلة عقلها السياسي العقلاني، وحقوقها الإنسانية، ونظامها الدنيوي الديمقراطي، المتعارف عليها كونيا. ومداخلة حضارية كهذه مشروطة بالطلاق من نظام "الحاكمية الإمامية"، بعقلها الخرافي، وأصوليتها الوثوقية، وأيديولوجيتها الأحادية..!

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 16 يوليو 2009م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home