Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الجمعة 16 يوليو 2010

الاستشراق كقوة ناعمة

فرج بوالعَـشّة

إن القوة الناعمة <الثقافية> هي أداة القوة الامبريالية الصلبة <العسكرية ـ الاقتصادية> لتعزيز هيمنة مشروعها الكولونيالي وإدامته لأطول مدة زمنية ممكنة. وهنا تبرز وظيفة الاستشراق بما "هو معرفة بالشرق تضع الشرقيّ في قاعة التدريس، في محكمة، في سجن، أو في دليل لأغراض التحليل المدقق، والدراسة والمحاكمة، والتأديب، أو الحكم."

وإذا كان خطاب الاستشراق سابق التشكل قبل إنطلاقة حقبة الاستعمار الغربي في القرن التاسع عشر، فإنه استفاد إيما استفادة من السيطرة الأوروبية الاستعمارية على جل الشرق تقريبا، في توسيع مصادر معارفه وتطوير مؤسساته و تأمين الأمكانات الوفيرة للبحوث والدراسات الميدانية وسط المجتمعات المستعمَرة: من طنجة إلى شنغهاي. فصار الاستشراق الحديث، وتحديدا الاستشراق الامبريالي، "قوة فكرية"، له مكتبته الخاصة الضخمة من دراسات وبحوث ووثائق وأضبارات وسجلات ورسومات وصور... وقد شكّلت، تلك القوة الفكرية، المعرفة الغربية العامة للشرقيين كما درسهم الاستشراق وصنفهم وأطرهم وقيّمهم، بحسبانهم ظاهرة معقدة غامضة الفهم. وقد أنخرط في "مغامرة الاستشراق" نخب غربية متنوعة الاختصاصات العلمية والميول الآيديولوجية والأهواء الشخصية: مؤرحون ومفكرون وفلاسفة وعلماء إجتماع ولغويون وآركيولوجيون وأدباء وشعراء ورسامون ومصورون وفنانون وسياسيون... أنخرطوا في إعادة إنتاج مُتطوِرة ومُعمَقة للمغامرة الأولى، التي قادها نابليون في حملته "الاستشراقية" على مصر العام 1798، جامعا بين بين القوة العسكرية والقوة الفكرية. فكانت تلك المغامرة:" على أكثر من وجه، النموذج الأكمل للمصادرة العلمية التي تمارسها ضد ثقافة ما ثقافة أقوى منها. ذلك أن احتلال نابليون لمصر أدى إلى تحريك عمليات بين الشرق والغرب ما تزال تسيطر على منظوراتنا الثقافية والسياسية المعاصرة. وقد قدمت الحملة النابليونية بماثرتها البلاغية الجماعية العظيمة، وصف مصر، منظراً، أو وضعية للاستشراق، لأن مصر، أولاً، ثم البلدان الإسلامية الأخرى، اعُتبِرت المجال الحيّ، والمختبر، والمسرح للمعرفة الغربية الفعّالة بالشرق..".. ومذاك " أُخضِع الاستشراق للأمبريالية، والوضعية المنطقية، والطوباوية، والتاريخانية، والداروينية، والعرقية، والفرويدية، والماركسية، والأشبنغلريّة.".. مع مراعاة وجود تراث استشراقي هائل، أنتجه مستشرقون أكاديميون بارزون، ألتزموا المناهج العلمية في تحقيق كتب التراث الإسلامي، والبحث فيه، وتحليله، بمنأي عن التوظيف الأيديولوجي، الذي مارسه الاستشراق الامبريالي، الذي كانت له مؤسساته وجمعياته وعلماؤه وبحاثه، الذين متحوا من نظريات العلوم الطبيعية والاجتماعية <الإنسانية>، مثل الدارونية والعرقية والفرويدية والوضعية المنطقية والتاريخانية، ووظفوا مناهجها في أسر الشرق في مفاهيم محددة من منظور روئ سياسية ـ آيديولوجية لمنفعة معرفة القوة والسيطرة. المعرفة التي انتفع به، على سبيل المثال، اللورد كرومر، الذي يسميه سعيد "التقني المتمكِّن للأمبراطورية". أي الامبريالي التقني، والكاتب والباحث في أحوال الشعوب التي تستعمرها أمبرطوريته وخصائصها السوسيوثقافية، من منطلق " حكم العروق الخاضعة" وهو عنوان مقالة له، ناقش، فيها، كيف تتمكن "بريطانيا العظمى" من السيطرة على الشعوب الخاضعة وإدارة شؤونها باتساع أطراف أمبراطوريتها المترامية في جهات الأرض، بحيث لا تغرب الشمس عنها. ولهذا أبتكر اللورد كرومر (الامبريالي التقني) مبادئ مركزية لإدارة شؤون الأمبراطورية، استخلصها من الدراسات الاستشراقية، بغرض وضع تقسيمات ومحددات (عرقية وثقافية) بين "نحن" الغربيين و"هم" الشرقيين. ولأن "نحن ـ الغربيين" يملكون القوة والمعرفة يصبح "هم ـ الشرقيين" موضوعا للسيطرة العسكرية والاقتصسياسية، وللمعرفة الاستشراقية المُلبَسة بـ"الحقيقة العلمية" في الحكم القيمي على سلوك الشرقيين. فتُظهرهم في توصيفات قطعية الثبوت كأنها حقائق طبيعية: يعيشون في ثقافة العار... الانتقام لديهم فضيلة مُطهِّرة... الموضوعية ليست قيمة في نظام القيم عندهم. والخبث والتحايل طبيعة ثابتة في حياتهم وثقافتهم... وهم عداونيون بالسليقة... وتقابل قائمة التوصيفات والتصنيفات السلوكية السلبية تجاه الشرقيين (العرب هنا) توصيفات إيجابية فاخرة لسلوك الغربيين. فهم : " عقلانيون، محبون للسلام، متحررون، منطقيون، قادرون على التمسك بقيم حقيقية، براء من الريبة الطبيعية."

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 8 يوليو 2009م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home