Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الأثنين 16 مارس 2009

ثقافة الإمبريالية/إمبريالية الثقافة *

فرج بوالعَـشّة

1
إن العولمة هي الإسم المهذب للإمبريالية الإقتصادية،في طورها الرأسمالي الوحشي.إن الإمبريالية الاقتصادية لا تقل خطورة عن الإمبريالية السياسية.فهي تقوم على غزو أسواق الدول أو المجتمعات الضعيفة،القابلة للهيمنة،والسيطرة عليها،والحصول على امتيازات احتكار المواد الأولية والتحكم في حركة التدفقات المالية الدولية.واستخدام الإستثمارات والمساعدات الاقتصادية والمالية والعسكرية في التدخل السياسي في شؤون حكم البلد أو البلدان ذات الاقتصاد التابع..بلغة الأرقام فإن الإسم العاري للعولمة هي أنها عولمة العشرين في المئة.أي عشرين في المئة من أغنياء العالم مقابل ثمانين في المئة من فقرائه...!

2
إن نحو عشرة في المئة من أغنياء الولايات المتحدة يمتلكون نحو خمسة وثمانين في المئة من الأصول والاعتمادات المالية. و84% من الضمانات النقدية، و91% من الودائع البنكية، و92% من الأسهم في القطاع الخاص. إن الإمبريالية الأمريكية بالأرقام تشير إلى أن الدخل القومي الأمريكي يبلغ 27.5% من إجمالي الدخل العالمي،البالغ 48.2 تريليون دولار.وتسيطر على حوالي 14 في المائة من الحركة التجارية العالمية.ويبلغ انتاجها من القمح : 11,86 من الإنتاج العالمي.وإنتاج الذرة 46,1 في المائة من الإنتاج العالمي،فيما بلغ انفاقها العسكري،في العام 2006،نسبة 45.7% من أجمالي الإنفاق العالمي البالغ 1.2 تريليون دولار. هذا في الوقت الذي نجد فيه أكثر من 33 مليون أمريكي يعيشون في وضع غير آمن غذائياً،بينما تخطت التكاليف الفعلية للحرب الأميركية في العراق وأفغانستان تريليوني دولار،التي هى كفيلة بخفض عدد الجائعين في العالم بنحو النصف.أو تمويل كافة مشروعات المياه والصرف الصحي بالدول النامية،حسب تقديرات بيانات البنك الدولي.وعلى الصعيد العالمي فإن نحو خمسمائة فرد فقط يملكون ما يفوق دخل نصف سكان الأرض.وحسب منظمة الزراعة والأغذية <الفاو> التابعة للأمم المتحدة فإن واحد من كل ثمانية أفراد حول العالم،أي حوالي 840 مليون شخص،لا يجدون ما يسد رمق يومهم.ويعاني ملياران من سكان الأرض الأنيميا نتيجة سوء التغذية،بينما ينتج العالم ما يكفي من الغذاء لكل سكان الأرض،وبسعرات حرارية تفوق بنسبة 20% الحد الأدنى القياسي الذي وضعته منظمة الفاو...! والحال أن فجر الرأسمالية بزغ،كما يقول كارل ماركس،مع بزوغ:"فجرها الدموي باكتشاف الذهب والفضة في أميركا، واقتلاع واستعباد ثم قبر السكان المحليين، ونهب الهند الشرقية واخضاعها، وتحويل افريقيا إلى مطردة لصيد ذوي البشرة السوداء تجارياً (..) إن النفاق الفج والبربرية الكامنة في الحضارة البرجوازية قد انكشفت أمام أعيننا، في الديار تأخذ اشكالاً أكثر تهذيباً، لكنها تبدي سوءتها عارية في المستعمرات"...!

3
من منظور تحليل إدوارد سعيد فإن الإمبريالية:"هي اليوم كلمة وفكرة خلافية،ومحفوفة بشتى أنواع الأسئلة والريب والمماحكات،والمقدمِّات المنطقية العقائدية ـ الإيديولوجية ـ إلى درجة أنها تكاد تكون غير قابلة للاستعمال بأي شكل...".. وتمايز "إدوارد سعيد" في تناول موضوعة الإمبريالية يتأتي من تفرده بمقاربة مسألة الإمبريالية من حيث اقترانها بالثقافة،مقاربة إبستمولوجية،يكشف فيها عما يسميه كورنل وِست:"التواطؤ الكلي والتشابك الحميمي بين الإمبريالية والثقافة التي أنتجتها مجتمعاتها.لكنه يتجاوز هذا ليكشف أبعادا مقموعة للثورة ضد السيطرة الإمبريالية في جميع بقاع العالم غير الأوروبي،ويوجّه نقده أيضا إلى الاستعلائية المضادة الممثلة في القومية الشوفينية والأصولية ونظريات الصفاء العرقي أو الثقافي..."..!

إنها قراءة نقدية تفكيكية لبنية الخطاب الثقافي المتعالق مع الإمبريالية في صورها المتعددة:في شكل استعمار مباشرة،عسكريا وسياسيا.أو في شكل هيمنة اقتصادية،أو ثقافية،أو الإثنان معا..وفي كل الحالات فإن الثقافة والإمبريالية يتعالقان في سياق معادلة علائقية على نحو:ثقافة الإمبريالية/إمبريالية الثقافة،التي انبرى إدوارد سعيد لتحليل مكوَّناتهما ومكوِّناتها،لتبيان منطق سردياتها وتمظهر مسروداتها.وكشف الطبيعة السياسوية والأخلاقوية والأسطوروية (المؤسِسة) للمخيال الأدبي لثقافة الإمبريالية وإمبريالية الثقافة،بغية تعرية نظام الخطاب الإمبريالي،ثقافة وممارسة،بما هو منتج أوروبي تأسس وتشكّل وهيمن،متمددا،خارج حدود القارة إلى ما وراء البحار والمحيطات،وأقاصي القارات،مع تمدد الاستعمار الأوروبي التوسعي في القرن الثامن عشر،وتصاعده الكاسح في القرن العشرين،الذي توقف بنهاية الحرب العالمية الثانية،وانبثاق حركات التحرر الوطني في حقبة تصفية الاستعمار،المحمولة على مبدأ الأمم المتحدة بشأن حق الشعوب في تقرير مصيرها،الذي،وإن،ناضلت شعوب كثيرة باسمه،في أصقاع العالم،واستقلت من الاحتلال العسكري المباشر،إلا أن معظمها لم يتحرر تماما من السيطرة الإمبريالية غير المباشرة،في صور هيمنتها الاقتصادية والثقافية على مستعمراتها السابقة،والتحكم في استقلالية قرارها الوطني،ومصادرة إرادتها الحرة في اختيار أنظمتها السياسية التي تعبر عن أمانيها وتطلعاتها المشروعة،إذ تم،بدلا عن ذلك،تنصيب أنظمة،ملكية كانت أوجمهورية أو سلطانية أو شيء من هذا القبيل،حافظت على تبعيتها وخنوعها لمن نصّبها.. كما لم تتحرر ذاكرة الشعوب المستعمرة ـ بفتح الميم ـ من ثقافة الاستعمار الإمبريالي،رغم نيلها الاستقلال السياسي؛بحيث لا يكاد يوجد إنسان،كما يقول إدوارد سعيد:"حيّ،اليوم{حتى لحظة صدور الكتاب العام 1993}،من أميركا الشمالية،أو أفريقيا،أو أوروبا،أو أميركا اللاتينية،أو الهند،أو الكاريبي،أو أوستراليا ـ والقائمة طويلة جداَ ـ لم تمسسه امبراطوريات الماضي...".......

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الجمعة 13 مارس 2009م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home