Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Wednesday, 15 August, 2007

المثقف والمنفي!(*)

فرج بوالعَـشّة

يظل المنفى للمثقف، كما هو لأي إنسان، أكان بسبب الاستبداد السياسي أو الاحتلال الأجنبي، عقابا قاسيا، يتخذ شكل النبذ والإقصاء. قد يُجبر المثقف على خيار المنفى بسبب موقفه السياسي أو الفكري. أو بسبب انتمائه إلى شعب مطرود أو جماعة اثنية منبوذة. وسواء كان المنفى، للمثقف، اختيارا طوعيا، أو إجباريا، فإن ثقله، في الحالتين، يبقي هو نفسه.

المثقف المنفيِّ، إدوارد سعيد، الذي يتوقف، في رؤيته للمثقف والمنفى، عند مصير الشعب الأرمني، الذين تحولوا إلى جماعات موزعة في لبنان وفلسطين ومصر، حيث: «لطالما جذبتني هذه الجماعات المغتربة أو المُبعَدة قسرا عن أوطانها، التي عَمَرت بها أرض شبابي في فلسطين ولبنان ومصر. كان هناك أرمن بالتأكيد، ولكن كان أيضا ثمة يهود، وإيطاليون، ويونانيون، غرسوا في المشرق، فور استقرارهم، جذورا مثمرة. وأنجبت هذه الجماعات، برغم كل شيء، كتّابا بارزين مثل أدموند جابيس، وجيوسيي أونغرتِّي، وقسطنطين كفافيس. إلا أن تلك الجذور اقتُلعت بوحشية بعد إقامة دولة إسرائيل عام 1948، وبعد حرب السويس 1956...».

إن عقاب المنفى ليس لأن المنفيّ منفصل عن وطنه، كما يرى إدوارد سعيد، إذ: «ألا ليت هذا الإنفصال الكامل القاطع ممكن، لأنك ستجد عندئذ العزاء في معرفة أن ما تركته وراءك هو، إلى حد ما، شأن لا مجال للتفكير فيه وغير قابل بتاتا للتغيير....»... إنما العقاب القاسي هو عدم القدرة على الانفصال عن الوطن الذي يحتل الذاكرة واللسان والروح أيضا: «وبالتالي، فإن المنفيَّ يعيش في حالة وسطية، لا ينسجم تماما مع المحيط الجديد، ولا يتخلص كلّيا من عبء البيئة الماضية، تضايقه أنصاف التداخلات وأنصاف الانفصالات، وهو نُوستَلجي وعاطفي من ناحية، ومقلد حاذق أو منبوذ لا يعلم به أحد، من ناحية أخرى....»!

وبالطبع قد يكون الإنسان، والمثقف على الخصوص، أكثر شعورا بالنفيّ في وطنه، من كونه منفيا خارجه..!

إدوارد سعيد يركِّز، في موضوعة المثقف والمنفي، على الواقع التاريخي، المتحرِك بالمستعمِرين والمستعمَرين، والاستغلاليين والجنود المأجورين و«تافهين آخرين من العالم الثالث»، حيث: «يصبح السكان الأصليون أيضا منفيِّين وهم في وطنهم، تتحكم بهم الأهواء الطارئة (للمستبد المحلي)، المفرطة في منافاتها للعقل وغرابة أطوارها..» كما صورها في. أس. نايبول في روايته: «منعطف في النهر». أنه الواقع التاريخي الذي خاض في أوحاله ضحايا رسم الحدود ما بعد الحرب العالمية الثانية، كما حدث في انتقال الملايين من الهند إلى باكستان المستحدثة، أو تشريد الفلسطينيين من أرضهم وبيوتهم لحساب استحداث دولة لليهود، بادعاء خرافي بأن فلسطين وطنهم التوراتي وقد عادوا إليه بعد ألفي عام من النفي في أصقاع الأرض!

إنه الواقع التاريخي الذي يثير اهتمام إدوارد سعيد في صورة ما يسميهم المنفيين: «اللاّمستوعبين في معظمهم، مثل الفلسطينيين أو المهاجرين الجدد في القارة الأوروبية، أو السود من جزر الهند الغربية وأفريقيا المقيمين في إنجلترا، الذين يُعقِّد وجودهم التجانس التكويني المفترض للمجتمعات الجديدة، حيث يعيشون. وبناءً على ذلك، فالمثقف الذي يعتبر نفسه جزءاً من وضع أكثر عمومية، مؤثر على الجماعة القومية المشرَّدة، سوف يكون على الأرجح مصدراَ لا للتثاقف والتوافق، بل للتقلب واللاستقرار...»!

وهذا لا يعني، في نظره، أن المنفى يباب روحي. ففي أحيان كثيرة يكون المنفى قوة دفع إبداعية خلاقة. من ناحية الإبداع الأدبي والفني والفكري، والمهني أيضاً. ولاشك أن أمريكا هي أقل مهاجر الأرض تخففا من ثقل المنفي. فهي، كما وصفها الرئيس جون كنيدي، قبل أن يصبح رئيسا، في عنوان أحد كتبه: «أمة من المهاجرين». ويمكن القول إنها أمة من أمم. وطن من صنع منفيين، سواء جاؤوها مجبرين أو كما جاءها أغلبهم، مختارين، متلهفين إلى بلاد فرص العيش الكريم والنجاح الباهر، والتفكير والتعبير بحرية فائضة. دون أن ننسى تاريخ المستعمرين والاستغلاليين البيض في إبادة السكان الأصليين واسترقاق الأفريقيين، وشن الحروب على شعوب العالم!

ورغم الحديث الدائر، في أمريكا، منذ أكثر من مائتي سنة، عن أمريكا ـ بوتقة الأعراق المنصهرة، فإن سؤال من هو الأمريكي لا زال متداولا! فنحو 40 مليون أمريكي من أصل إيرلندي لم ينسوا بعد أنهم إيرلنديون، حتى أن الرؤساء الأمريكيين ذوي الأصول الإيرلندية، كيندي وريغان وكلينتون، كانوا حريصين على زيارة مسقط رأس أجدادهم، وآل بوش، الأب والابن، يحتفظون بشجرة أصولهم الاسكتلندية.وذوو الأصول الإيطالية، موصولون بجذورهم، بلسانهم اللغوي، وطعم السباغتي، وحتى رجال المافيا موصولون بأصلها الصقلي وتعثر في أمريكا الواسعة علىLittle China (الصين الصغيرة) وLittle Italy (وإيطاليا الصغيرة) و Little Mexico وهكذا... كما نعثر على عاصمة العرب الموحدة في ديترويت بمشيغان.والحال أن هذه «الأوطان الصغيرة» في «أمة الأمم» ليست غيتوات عزلة، بل فضاءات متداخلة ومتصاهرة في مصهرة العالم الجديد. وتعمل كمخفف فعّال لتحمّل: «أحد أكثر الأقدار مدعاة للكآبة»!

وإذ نستمر في تتبع خط إدوارد سعيد في تحليله، ندرك حرصه المعرفي الصارم على ضبط موضوعه بحقائق الواقع التاريخي، حتى لا ينحرف التحليل في سياق التجريد الأدبي. فالبحث في علاقة المثقف بالمنفى، يشترط أن تعري المثقف المنفيّ، كما تعري المنفى، من التصورات الغنائية، التي هي غالبا من بنات المخيال الرومنسي الرث. فالمثقف، الروائي الألماني الشهير، توماس مان، لجأ إلى المنفي الأمريكي، بعد محاولات حثيثة بذلتها ابنته كي تُحمله على ترك ألمانيا النازية ليتحرر من وضعية المثقف شاهد الزور أو الساكت عن الحق. لكنه انجر، في منفاه الأمريكي، إلى التنظير الدعائي لحرب «الخير» التي تقودها أمريكا و«أوروبا الحرة» ضد «الشر» الهتلري. ولست هنا لإنصاف هتلر على أي نحو. لكن الحرب العالمية الثانية كانت أبعد ما يكون عن كونها صراعا قدريا محتوما بين «مطلق الخير» و«مطلق الشر». فكما نعرف الآن فإن العلماء الفزيائيين (وهم مثقفون) الألمان، وأبرزهم يهود، الذين فروا من ألمانيا إلى أمريكا، كانوا وراء إنتاج القنبلة الذرية التي أبادت سكان مدينتي هيروشيما وناجازاكي.وإن طائرات الحلفاء «الخيّرين» قامت، عن سبق تخطيط وتعمد، بتسوية مدن وبلدات ألمانية بالأرض وإبادة سكانها، لدوافع انتقامية شريرة!

لكن، على الوجه الآخر، كان للمثقفين «القائلين لا» للسلطة، كيفما كانت، سياسية أو اجتماعية أو ثقافية، ولامتيازاتها ومظاهر حفاواتها وتكريماتها الاستعراضية، حضورا قويا عبر التاريخ. وهؤلاء المثقفون منفيون حتى في أوطانهم.دون أن يكونوا لامنتمين أو غير ملتزمين. فالمثقف الحقيقي هو مثقف عضوي، منتم اجتماعيا وملتزم سياسيا، بالضرورة. ولكن هل يعني ذلك أن المثقف برسم «الحقيقي» هو بالضرورة ملتاذ بالبؤس، ملبوس بالاحتجاج، إلى درجة التحول إلى: «عيّاب جعجاع مثل ثرسيتس.»..!

إن مثقف مثل جوناثان سويفت، الإنجليزي، الذي عاش في إيرلندا منفيا، بعد خروج المحافظين من الحكم العام 1714، ساخطا على نفسه ومنفاه، قد أنتج عملين أدبيين خالدين، هما «رحلات غاليفر» و«رسائل تاجر أقمشة»، اللذين، كما يرى إدوارد سعيد يُظهران أن ذهنه ما كان ليزدهر لو لم يختبر قسوة وجوده في مكان يكرهه: «إن لم نقل ينتفع، من مثل هذا العذاب النفّسي المخصب (الذي يهيئه المنفى!)..»

وعكس المنفيّ العادي، فإن المنفيّ المثقف يتوسط بالكتابة وطنا «وسطياً» يقع ما بين الوطن الأصلي والمنفى (مقام السكنى).إن الكتابة ـ الوطن المتوسط ـ ما بين إقامتين، هي مقام المثقف المنفيّ في اللغة.ولأنها كذلك، بهذا المعنى المعلق بين وجودين، هي إقامة في القلق والشك. وجواز سفرها أسئلة دائبة.أنها الوجود: «على قلق كأن الريح تحتي» حسب قول المنفيّ الوجودي العظيم أبي الطيب المتنبي، طيب الشعر ذكره. إذ: «نهاية الأمر، ليس من المسموح للكاتب أن يعيش في كتابته». حسب ثُيودُور أدورنو، الذي يعتبره إدوارد سعيد: «الضمير الفكري المهيمن لمنتصف القرن العشرين». كونه مثقفا فارا من الإيديولوجيات والأوطان معا. كان مثقفا محترفا للفلسفة والموسيقى وعلم الاجتماع والتاريخ والأدب والنقد، على «خلفية يهودية جزئيا». ترك موطنه ألمانيا، بعد وصول هتلر إلى السلطة، إلى انجلترا لبعض الوقت، ثم عاد إلى ألمانيا، وما لبث أن هاجر إلى أمريكا. وعاد إلى ألمانيا، من جديد، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بأربع سنوات. وبهذه التجربة الحياتية الثرية، والتجربة الإبداعية بحقولها المتعددة: فلسفة وموسيقى وعلم اجتماع وتاريخا وأدبا ونقدا، ينهال ادورنو، حسب سعيد: «بالتهكم على الفكرة القائلة إن بإمكان أعمال الإنسان نفسه توفير بعض الرضى، ونمط بديل للحياة ربما يكون استراحة طفيفة من عناء الحصر النفّسي والهامشية، الناجم عن عدم وجود «مسكن» على الإطلاق.»..!

لكن التهكم القاسي هذا، يكشف في طياته المسكوت عنه، عما يسميه سعيد بـ«مسرات المنفى»، بالنسبة للمثقف المنفيّ: «دونما أن يُسكِّن نهائيا على الأرجح كل قلق أو كل شعور بالعزلة المريرة. وبينما يصح القول إن المنفى هو الوضع الذي يميّز المثقف كإنسان يقف كرمز هامشي بعيداً عن متع الإمتيازات، والقوة، والشعور بالبيتوتية (إذا جاز التعبير)، فإن من الأهمية بمكان التشديد على أن ذلك الوضع نفسه، يحمل في طياته مكافآت معينة، لا بل حتى امتيازات.»..!

إن المنفى، بمعنى الحرية، هو هامش «غير الممتثلين». إنه: «بهجة الإصابة بالدهشة، ومتعة عدم التسليم جدلا بأي شيء، ولذة التعلم أن تُفلح في تدبير أمرك في ظروف اللاستقرار المتزعزع...»..! إن إدوارد سعيد المثقف المنفيّ، بتجربة الفلسطيني المقتلع ظلما وعدوانا، وبرؤية المفكر الكوني، يرى أن المثقف لابد وأن يكون أشبه: «بإنسان نجا من سفينة غارقة، يتعلم كيف يعيش بمعنى ما مع الأرض، لا عليها، لا مثل روبنسون كروزو، الذي كان هدفه استعمار جزيرته الصغيرة، بل أقرب إلى ماركو بولو، الذي لا يخذله أبداً حُسن تقديره للروائع، وهو مسافر دائم، وضيف موقّت، لا طفيليّا، أو فاتحا، أو مُغيراً...»..!

وكما للمنفي همومه ومسراته، له تجربته الخاصة التي في جدلها مع تجربة الوطن المتروك والمقلوع منه، تولد رؤية إنسانية أكثر تفتحا وعمقا.. ففي المنفى يكون لقضايا حقوق الإنسان، والشعوب الواقعة تحت الاحتلال، أو الطغيان السياسي، رؤية أوضح: «وهي أنّك تنزع إلى رؤية الأمور ليس فقط كما هي عليه، وإنما كيف تطوّرت لتصبح على تلك الحال، وتميل إلى تفحّص الأوضاع وكأنها ممكنة الحدوث لا محتومة، واعتبارها النتيجة الناجمة عن سلسلة من الخيارات التاريخية...»..!

والمشكلة ليست في المنفى: المكان، اللغة، العلاقات، فرص العيش. فالكثير من المنافي قد تكون مريحة ماديا ونفسيا. وتوفر الكسب والحرية. المشكلة إن الوطن لا يتخذ معناه إلا عندما تتركه.إذ أنه لا يتركك بل يتشبث بك..! إنه سجن النفس. ويذكرني ذلك بقصيدة الشاعر التركي ناظم حكمت إلى حبيبته «منور»:

لقد أدركونا يا منور،
فنحن الاثنين في السجن،
أنا داخل الجدران وأنت خارجها،
ولكن أسوأ من ذلك أن نحمل هذا السجن في أنفسنا

ورغم إن معنى الوطن، في رؤية مثقف مثل إدوارد سعيد أو عند من أختارهم أمثلة لموضعه حول المثقف والمنفى، محمولا على أنسنة عقلانية، متخففة، إلى كبير، من الرومنسية الغنائية، والناستالوجيا الرثائية، إلا أن الوطن يبقى ثقبا في الذاكرة، وتأكلا في أوزون الروح. فوقع الأقدام على أجمل أرصفة مدن المنفى، لا تساوي خطوة واحدة في أزقة الوطن المتربة. العائلة في المنفى، كيفما تنعمت بالثراء أو أسباب الحياة المريحة، حيث السيارة في الكاراج والكلب عند المدفأة، وكيفما على ضحك أفرادها، تبقى هناك تلك الغصة، حتى دون وعي بها.فهناك دائماً: «مقاساة لحياة لا يستطيعون العودة إليها..»..!

لكن هناك درب للخلاص أيضاً. خلاص هو مران لا يتوقف عند المثقف المنفيّ «الحر». أي أن يجعل المثقف، والإنسان المنفيّ عموماً، من منفاه تجربة في التحرر الذاتي والفكري. وإعادة لصياغة مفهوم الهوية الفردية، من حيث ارتباطها التقليدي الحصري بالوطن الأم واللغة الأم. نحو حضور في الوجود يوسع حدود الوطن ـ الأم بحدود الوطن ـ العالم، ليضفي على انتمائه، لمكانه القطري ـ الحصرى، فضاءه الكوني. ويُكسب لغته الأم تلاقحها مع لغات أخرى...!

وخلاصة تجربة المثقف الحقيقي تبين عن أن المنفى: «هو النموذج الذي ينبغي للمثقف أن يضعه نصب عينه عندما تغويه، بل وتغدق عليه وتغمره، مكافآت التكيّف، والإمّعيّة، والركون...»... إذ: «إن صيرورة المثقّف هامشيا، وغير مدجن مثل من هو في منفى فعليّ، تتطلب منه أن يستجيب، على نحو غير اعتيادي، للمسافر لا للحاكم، للموقّت والمحفوف بالمخاطر، لا للمألوف، للابتكار والاختبار لا للوضع الراهن المكرَّس سلطويّاً..»..!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 2 أغسطس 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home