Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 15 May, 2008


تلاقح الحضارات! (2)
أيديولوجية التمركز العرقي
(*)

فرج بوالعَـشّة

إن الهوى الأيديولوجي وهوَسْ التمركز الإثني العرقي والخيال الشخصي تقود إلى تزييف الوعي التاريخي والاستغراق في تعظيم التاريخ العرقي المصطفى على حساب الأمانة العلمية والمصداقية الفكرية، وهذا ما أفسد منهج القراءة التحليلية وأدواتها المعرفية وضبّب رؤيتها عند اصحاب" النموذج الآري"من مفككي رموز اللغات الكتابية القديمة ومحللي اللقى الأثرية وطبقاتها الأركيولوجية ومفسري النصوص التاريخية والأسطورية المقارنة من حيث دلالاتها وعلاماتها السيميائية؛ إذ يتسرب ويترسب ما سينحل في القراءة وخطابها من توسلات تبريرية لغاية ايديولوجية، بوعي أو بدونه، ضامرة أو ظاهرة، وهي، هنا، موضوعة النقاء الإثني (العرقي) حيث تصدّر "العرق الآري" جدول أعراق الأجناس البشرية التي تتسافل دونه حتى مستوى القرود، كما ظهر في الخطاب النازي الذي اعتمد "النموذج الآري" خلفية حضارية تاريخية له وعمد إلى صبغه بنظرته التوتاليتارية العنصرية المتطرفة منتجا منه ما يسميه مارتن برنال بـ "النموذج الآري المتطرف"الذي وصف المؤثرات الشرقية في الحضارة الإغريقية بأنها مجرد "أوهام"مضخّمة لتشريق اليونان وأوجد لوصف هذه "الأوهام"مصطلحات أصبحت سارية ودارجة، من نوع: "وهم" الهيام بكل ما هو مصري = Egypomania » و"وهم"حب البرابرة: «Barbarophilla» أو الوهم الناجم عن خطأ تاريخي على نحو ما يعرف بـ "التفسير الإغريقي": «Inerpretatiograssen» وهو التفسير، بحسب "النموذج الآري"، الذي ضلل عددا كبيرا من الأذكياء المتزنين العارفين بالأمور بين الإغريق القدماء، فيجعلهم يعتقدون أن المصريين والفينيقيين قاموا بدور أساسي في تكوين الثقافة الإغريقية.

وهذا "التفسير الآري" المحسوب على أيديولوجية التمركز الإثني(العرقي)، لا يعدم قرائن وأسانيد متعددة القراءات يجد فيها ما يذكي أطروحته، لا سيما في ما توفره"الوضعية الأثرية"من قراءة توظيفية حمالة أوجه، على الخصوص، في وثائق الشواهد الأثرية المقطوعة أو المفصولة عن سياق منطقها التاريخي. وخطورة القراءة الوثوقية الصارمة هذه، أنها تحصر وجود الحقيقة التاريخية "العلمية"في وجود "اللقى الأثرية" وترى في المعلومات ذات المصادر الثقافية، من تاريخ مكتوب (هيرودوت على سبيل المثال) وحكايات شعبية وأساطير دينية وملاحم شعرية وتناص لغوي، مصادر مشكوكا في صحتها التاريخية ولا ترتقي إلى مستوى "الحقيقة العلمية" التي للقى الأثرية.

مارتن برنال من موقع"النموذج القديم المعدل"الذي يُنظِّر له على الضد من لا تاريخية"النموذج الآري"ثم "النموذج الآري المتطرف" يجتهد بروح علمية لا تقطع بكشوفاتها "وتحاذر الغرور، معتمدا في ذلك، على مبدأ: "المقدرة التنافسية على الإقناع:Competitive أو المفاضلة في مدى القدرة على الإقناع"وهذا، في حد ذاته، تواضع علمي معتبر، ليس بوسعه، رغم تمكنه، تقديم دليل قاطع على "خطأ النموذج الآري"لكنه كما يقول، يحاول أن يظهر أن "النموذج الآري"لا يحتوي، بصدد القدرة على الإقناع أو إيجاد مبررات القبول، على القدر الذي يحتوي عليه"النموذج القديم المعدل "الذي يقترحه" وإن هذا الأخير يقدم إطارا لأبحاث المستقبل من شأنه أن يؤدي إلى نتائج أوفر".

وعليه، وقبل أن يحدد إطار نموذجه المقترح ويبدأ في بناء تصوراته النظرية داخله، يعرض لنا خطاطة تاريخية سريعة، تعود بتاريخ العالم الغربي إلى (9000ق.م) كمنطلق للبحث في فقه أصول اللغات المختلف على أصلها وفصلها بين نظريات ترجع اللغات الإنسانية إلى أصل واحدMonogenesis وأخريات ترجعها إلى أصول متعددةPolygenesis ، وهو، في ذلك، يميل إلى الأخذ بنظريات الفئة الأولى، وعلى الخصوص، في باب أصول القرابة اللغوية بين اللغة الإغريقية من وجه أول وبين اللغة المصرية واللغات السامية من وجه ثان، حيث قام بينهما، على ما يقول، عبر عصور طوال، تبادل عضوي برسم "علاقة لغوية وراثية تطورياGentic بين اللغات الهندو ـ أوروبية وبين اللغات الأفرو ـ آسيوية التي تمثل عائلة لغوية أكثر شمولا Supefamily وهي العائلة اللغوية التي يُعتقد: "لابد أنها تفككت واندثرت، هي والثقافة المرتبطة بها منذ أمد بعيد في أغوار الماضي، ما بين 50000 و30000 سنة".

وحسب هذه الخطاطة التاريخية العامة والمبسطة، فإن الحضارات الأفرو ـ آسيوية والهندو ـ أوروبية ذات أصل حضاري واحد. وخطاطة كهذه لا تخلو، بالطبع، من التباسات ومناطق عماء، فهي مبنية على تخمينات، لإيغالها البعيد في أغوار الماضي. لكنها تبقى أفكاراً عامة مثيرة للجدل العلمي ومحرِّضة للبحث التجديدي نحو تفكيك وإعادة تركيب المشهد الحضاري في وحدته العضوية المتداولة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط.

تبدأ نقطة تركيب المشهد بانبثاق الحضارة الكتابية ويتفق مارتن برنال في هذا الصدد، مع مؤرخين ثقاة اجمعوا على "أن الكيان الذي نطلق عليه تسمية الحضارة قد تم تجميعه للمرة الأولى في وادي الرافدين".
ومن هناك، من القوس الحضاري الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، انتقلت المقومات الحضارية إلى البر الأيوني ـ الأناضولي. وجزر ايجة، وتحديدا، كريت وقبرص. وستتعمق المؤثرات الحضارية الفرعونية في تخلق الحضارة الإغريقية مع توحيد مصر في عهد الأسرة الحادية عشرة في القرن الحادي والعشرين ق. م . وبدء توسعها الاستعماري في المشرق وتعاظم قوتها البحرية وانتشار نشاطها التجاري الملاحي في حوض البحر المتوسط وصولا إلى إقامة مستوطنات في البر اليوناني القاري.وتظهر تعبيرات المؤثرات الثقافية المصرية في الثقافة الإغريقية بقوة في فضاء الأساطير الدينية كما في عبادة كريت الإله الفرعوني الثور "مونت" الذي أمسى في الأساطير الإغريقية الملك "مينوس" وتحاكي وتناظر طيبة اليونانية طيبة المصرية وقد عثر بقرب الأولى على بقايا مقبرة على شكل هرم، وتُسلّم القراءة الأركيولوجية الحديثة بوجود مستوطنة فرعونية مركزها طيبة الإغريقية حوالي 2100 ق. م. وكان يقيم عند بابها كائن اسطوري: Sphinx له رأس امرأة وجسم لبؤة وجناحا طائر يحاكي (أنثويا) أبو الهول الفرعوني (الذكوري).

وبعد قرون، وعندما بدلت الأسرة الثانية عشرة عبادة الثور"مونت"بعبادة الكبش، أي الإله آمون، انتقلت هذه العبادة الجديدة إلى بلاد الإغريق واتخذت اسم زيوس الذي ارتبط بعبادة الكبش.
في مرحلة تاريخية تالية من التأثير الملموس تُنسب إلى فترة حكم الهكسوس لمصر ما بين (1720ـ 1575 ق.م) أقيمت مستوطنات فرعونية في البر اليوناني، وتحدث التاريخ الإغريقي في فضائه الأسطوري عن وصول داناؤس الشرقي إلى إقليم آرجوس على انه أول من أدخل الزراعة وقدوم كادموس أو قدموس الفينيقي مؤسس طيبة الذي عرف الإغريق بالأسلحة والأبجدية. وكثرت تحولات وتمثلات الآلهة الشرقية في الميثولوجيا الإغريقية. فعلى سبيل المثال، يتحول الإله الفرعوني"ست" إله القفر والبحر في صورة الإله الإغريقي بوسيدون والإلهة أثينا تتقمص الإلهة نيئيت الفرعونية.......... يتبع............

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 15 مايو 2008م.



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home