Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 15 February, 2007

هـل يرضى «البيت الأبيض» عن العـرب؟(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

في مكة المكرمة كانت الهالة القدسية مسلطة على الحدث، فالدعوة السعودية للاجتماع أُعلنت على أنها دعوة كريمة، من لدن خادم الحرمين الشريفين، للقاء عاجل يجمع قادة الشعب الفلسطيني، في رحاب بيت الله الحرام، بمكة المحرمة، لأجل بحث الخلاف بينهم، بكل حيادية، ودون تدخل من أي طرف، بهدف الوصول إلى حلول مرضية للطرفين (فتح وحماس) وبالتالي لكامل الشعب الفلسطيني!

ولاحظت، من موقعي العربي في منافي الغرب، برعاية عقلانيته (الفلسفية - السياسية)الصارمة، كيف يغرق الخطاب العربي السياسي في لجاج العواطف الفياضة!
وإذا تجاوزنا لغة الخطب العاطفية المتداولة في الاجتماع، باعتبار لكل مقام مقال. فإن فرصة تأصيل "اتفاق مكة" كأمر واقع يفرض نفسه على الإسرائيليين والفرنجة (الأوروبيين والأمريكيين)، يتوقف على موقف المملكة السعودية منه!

أي أن تتعامل المملكة، وتحديدا الملك عبد الله، مع الاتفاق الذي تم تحت رعايته، على أنه موقف سعودي رسمي، وليس مجرد مصالحة بين متخاصمين في ضيافته. فلأول مرة يصل الفلسطينيون إلى اتفاق تاريخي ما كان ليرى النور لو لم ترعه السعودية.صحيح أن معظم بنود الاتفاق متفق عليها في لقاءات سابقة، جرت في غزة والقاهرة ودمشق. لكنها لم تكن مدعومة من قوة إقليمية في وزن المملكة العربية السعودية ذات التأثير السياسي البارز دوليا. علاوة على ضغط الشعب الفلسطيني على قادته لوقف الاقتتال الداخلي الذي تحول إلى مقدمات حرب أهلية ممكنة، مع الأخذ في الاعتبار أن أبا مازن، وجماعته، ومن أبرزهم دحلان، وافقوا على "اتفاق مكة" تكتيكيا، من باب «مكره أخاك لا بطل»!

إن الإسناد السياسي الحقيقي، والضروري، لنجاح اتفاق مكة، يتوقف على تبني المملكة السعودية له، ومن طرف الملك عبد الله بن عبد العزيز، شخصيا، باعتباره مشروعا سعوديا في الأساس. يدعمه في ذلك امتنان الفلسطينيين والعرب للدور السعودي الحاسم في إنجاح الاتفاق. فقد خرج الفلسطينيون إلى شوارع غزة والضفة مبتهجين، وكأنهم في عيد كبير.وتحول شارع عمر المختار، الذي كان مسرحا للاقتتال الدموي بين الإخوة، إلى مسرح للتعانق الأخوي بين الفتحويين والحماسويين، وسط التكبيرات الروحية من الجوامع، وأصوات الأغاني الوطنية، من مكبرات الصوت، وتوزيع الحلوى، فيما اختلطت زخات رصاص الفرح بزخات الزغاريد البهيجة!

لقد شكّل اتفاق مكة إنجازا تاريخيا للشعب الفلسطيني.وقد وجد من يتدخل في لحظة حاسمة لوقف تراجيديا سفك الدم الفلسطيني بيد فلسطيني. فيجمع بين الأخوة الأعداء في رحاب مكة، ذلك البيت الحجري الصغير، الذي يجذب إليه، بمغناطيسه الروحي الجبار، أفئدة مئات ملايين المؤمنين من شتى أصقاع الأرض!

إن "اتفاق مكة" لا يكتسب قوته من قدسية المكان الذي احتضنه فقط.فاتفاق مكة الذي وقعه علماء الدين العراقيون لحقن الدماء بين السنة والشيعة في العراق، نُقض قبل أن يجف حبره!
وإنما الذي يجعله واقعاً مستداماً ساري المفعول هو تبني المملكة العربية السعودية له والدفاع عنه، بما تحوزه من مكان مقدس لطاقة روحية لا تنضب، وبما تحويه أرضها من احتياطي نفطي هائل يسيل له لعاب الفرنجة، مما يؤهلها لممارسة تأثير سياسي حاسم في تسويق الاتفاق دوليا. فهي قادرة، إذا أرادت، على إجبار الأوروبيين والأمريكيين على قبول ما اتفق عليه الفلسطينيون، ورفع الحصار عن الشعب الفلسطيني!

وأبعد من ذلك تستطيع السعودية، إذا أرادت، استخدام قوتها الروحية والنفطية، في جمع الدول العربية ومعظم الدول الإسلامية، حول موقف حاسم يفرض على مجلس الأمن الدولي تبني المبادرة العربية للسلام، في صيغة قرار دولي، يجبر دولة إسرائيل الصهيونازية على القبول بالانسحاب من الأراضي العربية عند حدود 4 يونيو 1967!

إن خدمة البيت الحرام لم تعد قائمة على مفاهيم السقاية والرفادة. فمكة المكرمة، أصبحت، منذ الفتح، مركزا روحيا - سياسيا لخدمة المسلمين وقضاياهم أينما كانوا!
واليوم، في قرن جديد في ألفية جديدة، فإن المسلمين أحوج من أي وقت مضى إلى دور سعودي مركزي (روحي - سياسي - مادي) لنصرة المسلمين ضد أعدائهم اليانكيين والصهاينة، ودرء الفتنة وإخمادها فيما بينهم!

والحال إذا لم يعجب اتفاق "بيت الله" البيت الأبيض، وتراجع السعوديون عما تبنوه، فستنشب الفتنة من جديد بين فتح وحماس، بإيعاز صهيو أمريكي، مسنود من بعض الدول العربية، إلى التيار الانقلابي، داخل السلطة الوطنية، حيث عناصره ، جاهزة على الدوام لإشعال الفتنة.

إن"اتفاق مكة"، بعد طرح تعبيرات الإنشاء الديني والعاطفي، في مديح المكان وأصحابه، عبّر بشكل واضح عما يريده الشعب الفلسطيني من قادته: حقن الدم الفلسطيني، وتوحيد الصف، خدمة للمشروع الوطني في المقاومة والبناء. وبهذا المعنى أثار اتفاق مكة الفزع في معسكر بني صهيون، الذين كانوا يفركون أيدهم فرحا لمشهد الاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني. فما كان من يوفال ديسكين، رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية الداخلية "الشاباك"، عندما عرف باتفاق الفلسطينيين على تشكيل حكومة وحدة وطنية، إلا توصية القيادة السياسية بضرورة تحرك الجيش فورا ضد حركة حماس، في قطاع غزة، لخلط الأوراق الفلسطينية، وإعادة تفجير الصراع الداخلي من جديد!

أما أولمرت فقد خوّف أبا مازن من ان إسرائيل يمكن ان تقطع كل اتصال معه اذا لم توافق الحكومة المقبلة على شروط اللجنة الرباعية، والمقصود الاعتراف بإسرائيل ووقف المقاومة!
وواضح أن ردود فعل المسؤولين الإسرائيليين المرتبكة تعكس جزع الحكومة الإسرائيلية من وحدة الصف الفلسطيني، لأنها عنصر قوة حاسم في تفشيل مخططاتها العدوانية. لذلك ستعمل الدولة الصهيونية على تفجير الوضع الفلسطيني الداخلي، من جديد، بواسطة عملائها في السلطة الوطنية. وستضغط على أعضاء اللجنة الرباعية لمطالبة الحكومة الفلسطينية الجديدة بالاعتراف صراحة بإسرائيل، ونبذ العنف. كما ستضغط على البيت الأبيض كي يضغط بدوره على السعوديين كي يتخلوا عن دعمهم السياسي لاتفاق مكة، ويكتفوا بدورهم كدعاة مصالحة، قاموا بما عليهم، ويتركوا القضية برعاية الوعد البوشي، مع استمرار الدور المعتاد للمصريين والأردنيين كوسطاء (محايدين) يستخدمون عند الحاجة الإسرائيلية - الأمريكية إليهم!

فهل سيتراجع أبو مازن عن اتفاق مكة خوفا من مقاطعة إسرائيل له وتخلي الإدارة الأمريكية عنه، لأنه وضع يده بيد حماس، المطلوب محاصرتها وإسقاط حكومتها؟!
وهل سيقبل الملك عبد الله، راعي الاتفاق، بالتخلي عما رعاه لأن صاحب "البيت الأبيض" لم يرضه ما اتفق عليه في "البيت الحرام"؟!

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الأربعاء 14 فبراير 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home