Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

السبت 15 يناير 2011

مستقبل تونس السياسي بعد رحيل بن علي

فرج بوالعَـشّة

في بداية العام الجاري شيع الآلاف من أهالي سيدي بوزيد جنازة الشاب محمد البوعزيزي (عمره 26 سنة وابن لعائلة من ثمانية أفراد) والذي قضى نحبه متأثرا بالحروق البليغة التي أصيب بها نتيجة إقدامه على إحراق نفسه. منعت جندرمة النظام مرور موكب الجنازة من أمام مقر الولاية حيث سكب البنزين على جسمه وأضرم النار فيه يوم 17 ديسمبر العام المنصرم. وأثناء دفنه ردد المشيعون: "بالروح بالدم نفديك يا بوزيد"... "سنبكي من أبكاك.. يا محمد لن ننساك".. " يا حكومة عار عار، الأسعار اشتعلت نار".".لن نستسلم لن نبيع، دم محمد لن يضيع" ... "يا مواطن إيجا معانا، السكوت أكبر خيانة"..

صار الشاب بوعزيزي، بفعله الانتحاري المشهدي، رمزا لانتفاضة الكرامة ضد البطالة والتهميش. وفي رأي كانت هبة (سيدي بوزيد) الغاضبة الحدث الأبرز عربيا في العام 2010. تابعت تطورات أحداثها إعلاميا لاسيما من طريق "الجزيرة مباشرة" التي كانت وفية لشعارها كقناة للواقع الإخباري. فبثت أحداث التظاهرات كما سجلها المشاركون فيها بكاميرات الموبايل.

كنتُ أتصور، في البداية، أن الغضب الشعبي سينحصر داخل محيطه في سيدي بوزيد كما حدث في الحوض المنجمي. لكن انتحار الشاب بوعزيزي فعل فعله الرمزي في نفوس التوانسة. فتحول الاحتجاج الاجتماعي من حركة احتجاج جهوية إلى حركة رفض وطني لسلطة الاستبداد والفساد. توقفتُ عند الدلالة السوسيوثقافية (اجتماعية ـ ثقافية) لما أقدم عليه بوعزيزي. رأيتُ في فعله الانتحاري تحولا في تعبير الشبيبة العربية عن يأسها من حاضرها ومستقبلها المظلمين بفعل الظالمين. تحولاً من نهج الانتحار (الاستشهادي) بقتل النفس في قتل آخرين يراهم أعداء لما يؤمن به إلى نهج الانتحار الذاتي في فعل مشهدي عام وعن سبق تصميم وتخطيط. إذ أنه اختار أداة موته: البنزين. وحدد مسرح انتحاره المشهدي في ساحة مقر الولاية. ولم ينس أن يكتب في صفحته على الفيس بوك رسالة وداع لأمه بلغته البسيطة:" مسافر يا أمي، سامحني، ما يفيد ملام، ضايع في طريق ماهو بيديا، سامحني كان عصيت كلام أمي، لومي على الزمان ما تلومي عليّ، رايح من غير رجوع، يزي ما بكيت وما سالتش من عيني دموع، ما عاد يفيد ملام على.زمان غدّار في بلاد الناس......أنا عييت ومشى من بالي كلي اللي راح مسافر ونسأل زعمة السفر باش ينسّي"... البوعزيزي لم يُقدم على الانتحار بسبب أزمة نفسية ذاتية. ولو كان الأمر كذلك لأختار أن يقتل نفسه خفية عن الناس. لكنه تقصد أن يكون انتحاره مشهديا للتعبير عن احتجاج اجتماعي عام. أي أنه بإقدامه على حرق نفسه قبالة مقر الولاية (رمز السلطة) وأمام الملأ (المجتمع) أراد أن يدين النظام الحاكم ويدين في الوقت نفسه عجز الآخرين عن فعل شيء ينقذهم في خلاص عام. وليس بالضرورة أن يكون مثقفا كي يستشعر ألا خلاص فردي دون خلاص عام. إن فعله العفوي المأساوي يعبر عن ذلك. ومن المعروف أن فعل الاحتجاج احتراقا لا تعرفه الثقافة الإسلامية التي تحرم فعل الانتحار. بينما هو دارج جداً في الثقافة الآسيوية البوذية كطقس ديني لتطهير النفس من الإهانة بسبب الاضطهاد الديني أو السياسي.

جسد البوعزيزي المشتعل ناراً كان فعل عنف سلبياً. رسالة نار سياسية ترمي بالتضحية بالنفس إلى إبلاغ سلطة الاستبداد والفساد ببيان اليأس الغاضب. يأس شاب تونسي تعبر قصته، بغض النظر عن خصوصية التفاصيل، عن قصص ملايين الشباب العرب ضحايا أنظمة الاستبداد والفساد الديناصورية. وإذ شبت النيران التي أشعلها في جسده الشاب شبت غضبا في أرواح أهالي سيدي بوزيد فخرجت طلائعهم، أبناء وبنات وآباء وأمهات، دافعة بغضبهم العفوي على أوضاعهم الجهوية المهمشة إلى حالة غضب وطني تطالب بالديموقراطية والعدالة الاجتماعية لكل التوانسة. لقد جاء بن علي إلى الحكم بانقلاب على البطريرك بورقيبة سماه "عهد التغيير" على وعد أن يعطي التوانسة حقوقهم في التداول الديمقراطي على السلطة وتحقيق المساواة أمام القانون وعدالة توزيع مشاريع التنمية جهوياً. لكنه، وهو الذي أدان بورقيبة لتشبثه بالحكم المطلق، قائلا بعظمة لسانه إن الذي "يحلم بالحكم مدى الحياة إنسان غير سوي، بل ويعاني من عقدة نفسية خطيرة". ما لبث بعدما استتب له أمر السيطرة على مفاصل السلطة حتى باشر في تسييد منطقه السطوي الذي اعتمد على البلطجة المافيوزية التي تستخدم مؤسسات الدولة أدوات لترسيخ الاستبداد والفساد. وبالنتيجة لم يكن "عهد التغيير" سوى شعاراً خلاّباً توسل بن علي به التمكن من السلطة. وبدلاً من أن تكون معركة الدولة التونسية مع البطالة والتهميش الجهوي ولأجل الإصلاح الديمقراطي حارب بن علي ثقافة المجتمع الإسلامي (ورمزها الحجاب) بعقلية تغريبية نازعة إلى علمانية عسكرية فاشية، مسنودة إلى اقتصاد السياحة الترفيهية والاستثمارات الأجنبية لصالح عوائل الطبقة البرجوازية المتحالفة مع مافيات الطبقة السياسية ـ الأمنية بينما غالبية الشعب التونسي تقاسي في عيشها معاناة الكدح اليومي المنهك في سبيل توفير رغيف الخبز. لاسيما في الأرياف حيث يعيش غالبية التوانسة في مجتمعات جهوية مقصاة من الحقوق التنموية. والآن ماهو مستقبل تونس بعد رحيل بن علي هذا ما سنجيب عليه لاحقا.

faragasha@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home