Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Wednesday, 14 November, 2007

 

هل يوجد شيء اسمه الأمن القومي العـربي!(*) (1)

فرج بوالعَـشّة

(1)
مثلما تولد مع الإنسان نزعة حماية ذاته من اعتداء الآخرين عليه، تولد مع الدولة ضرورة حماية نفسها من اعتداء الدول الأخرى عليها. ودخل ذلك في مفهوم:"الأمن القومي". أما حماية الدولة لنفسها، أو وجودها، من التدمير الداخلي، فيدخل في مفهوم:"الأمن الوطني". وفي الحالتين (الأمن القومي والأمن الوطني) فإن مصادر ومعطيات القوة، الناعمة والصلبة، المتوافرة للدولة، واستعدادها وسعيها الدائمين لتطوير إمكانات القوة المزدوجة (الصلبة والناعمة) وتقويتها، باستمرار، هو الذي يحدد مقدار مناعة الأمن الوطني في حماية مصالح الدولة من الأخطار الداخلية، مقدار مناعة الأمن القومي في حماية مصالح الأمة من الأخطار الخارجية. وكما يقول الفيلسوف الأغريقي توسيديدس:"فإن القوي يفعل ما تمكنه قوته من فعله، أما الضعيف فليس عليه سوى تقبل ما لا يستطيع رفضه".

(2)
بعد الحرب العالمية الثانية برز مفهوم الأمن الجماعي الذي تشكل في أحلاف ومنظمات إقليمية ودولية، مثل مجلس الأمن بمنظمة الأمم المتحدة، وحلف الناتو، وحلف وارسو، ومجلس الأمن الأوروبي،..... وقد جاء تأسيس الجامعة العربية، في 22/3/1945، كاختراع إنجليزي في الأصل، لخدمة مصالح الكولونيالية البريطانية، في مستعمراتها العربية، بعد الحرب العالمية الثانية؛حيث صرح إيدن في مجلس العموم البريطانى، فى 24 فبراير 1943، بأن الحكومة البريطانية:"تنظر بعين العطف إلى كل حركة بين العرب ترمى إلى تحقيق وحدتهم الاقتصادية والثقافية والسياسية. "!

ومعروف أن جامعة الدول العربية قامت على مبادئ قومية مشتركة. وكان مبدأ"الأمن القومي" يمثل فيها قمة المصلحة القومية المشتركة لكل الأعضاء دون أن يكون على حساب الأمن الوطني (القطري) لكل دولة على حدة. وكانت القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للأمن القومي العربي، باعتبار فلسطين، كما يقول بروتوكول الجامعة:"ركناً مهماً من أركان البلاد العربية وحقوق العرب فيها لا يمكن المساس بها من غير إضرار بالسلم والاستقلال فى العالم العربى، ويجب على الدول العربية تأييد قضية عرب فلسطين بالعمل على تحقيق أمانيهم المشروعة وصون حقوقهم العادلة.."!

ورغم أن الجامعة العربية اختراع إنجليزي بغرض الحفاظ على نفوذ الإمبراطورية البريطانية وتعزيز هيمنتها والاحتفاظ بقواتها في مصر والأردن وفلسطين والعراق والسودان وإمارات الخليج واليمن الجنوبي وليبيا، إلا أن ميثاقها يتضمن (نظريا) ايجابيات مهمة، لا سيما معاهدة الدفاع العربي المشترك، التي انبنت على تعاقد قومي متين، بين الدول العربية، ينطلق من حرصها (نظريا) على دوام الأمن والسلام واستقرارهما في علاقاتها المتبادلة فيما بينها أو في علاقاتها مع الدول الأخرى. واعتبار كل اعتداء مسلح يقع على أية دولة أو أكثر منها أو على قواتها ، اعتداء عليها جميعاً ، ولذلك فانها عملاً بحق الدفاع الشرعي ـ الفردي و الجماعي ـ عن كيانها ، تلتزم بأن تبادر إلى معونة الدول المعتدى عليها ، وبأن تتخذ على الفور منفردة ومجتمعة جميع التدابير و تستخدم جميع ما لديها من وسائل بما في ذلك استخدام القوة المسلحة لرد الاعتداء ولإعادة الأمن والسلام إلى نصابها... وغير ذلك من مواد الميثاق، التي تعتبر الأمن القومي القطري (لكل قطر عربي) أمنا قوميا عربيا، وبالعكس.

إلا أن طبيعة معظم الأنظمة العربية القائمة على معادلة الاستبداد الداخلي والتبعية للأجنبي فرغت ميثاق الجامعة من مضمونه الحقيقي. إذ اختزلت مفهوم الأمن الوطني في حماية النظام الحاكم وإدامة تسلطه. وتم تسفيه مفهوم الأمن القومي (العربي) إلى درجة تبريره بضرورة التبعية لهيمنة الأجنبي، حتى صار، في مفهوم عدد وافر من الأنظمة العربية، جزءا من الأمن القومي الأمريكي!

فمن المعروف، تاريخيا، أن معظم الأنظمة العربية، انتقلت من التبعية للفرنسيين والإنجليز إلى التبعية للأمريكان بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ومقابل الحفاظ على عروشها أصبحت هذه الأنظمة أدوات لخدمة الاستراتيجية الأمريكية، المعادية بالضرورة لمصالح العرب المشتركة وأمنهم القومي وتحرير فلسطين (جوهرة مفهوم الأمن القومي العربي/الإسلامي) منذ الحروب الصليبية!

والحقبة الوحيدة التي تفعّل، فيها، مفهوم الأمن القومي العربي ومعاهدة الأمن العربي المشترك، كانت في عهد عبد الناصر، الذي أصّل استراتيجية الدوائر الثلاث، التي، حسب تعبيره:"تتداخل في حياتنا، ألا وهى: الوحدة العربية ، التعاون الإسلامي والتضامن الإفريقي. وليس بين هذه الدوائر تعارض من أي نوع كان. فنحن أولاً وقبل كل شيء أمة عربية؛ ولذا فإن الوحدة العربية هي في مقدمة ما نفكر فيه، كذلك فإن الأكثرية الساحقة من السكان في بلادنا مسلمة؛ ولذا فإن كل ما يؤثر في العالم الإسلامي يصبح تلقائياً موضع اهتمامنا، أما عن إفريقيا فلن نستطيع الفكاك منها، حتى ولو أردنا ذلك؛ فنحن جزء من القارة الإفريقية، والنيل، وهو سر وجودنا، ينبع من قلب هذه القارة. وهذا الاهتمام الطبيعي بهذه العوالم الثلاثة ليس معناه أننا نسعى لتوحيدها سياسياً، وإنما معناه أننا نسعى لتحقيق التعاون الوثيق بيننا وبينها. أي أن مفهوم الأمن القومي المصري، بالمنظور الناصري، لا يجد تفسيره إلا في مفهوم الأمن القومي العربي، كدائرة جيو سياسية- اقتصادية-ثقافة واحدة، تتداخل، من جهة، مع الدائرة الأفريقية. ومن جهة أخرى، مع الدئرة الإسلامية. وبمعنى آخر فإن مفهوم الأمن القومي، بالنسبة لكل قُطر عربي بذاته، متصل، عضويا:جغرافيا وتاريخيا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا، بمفهوم القومي العربي الشامل. فكما قال ناصر، نقلا عن أحمد عبد العزيز، قائد المتطوعين العرب، في حرب 48، ما كان يقوله دائماً: "إن المعركة الحقيقية في مصر"!.

أو عندما فسر ناصر وقوف مصر في صف الثورة الجزائرية، من باب أن أمن مصر من أمنها القومي العربي، قائلا:" لا يمكننا أن نقول أبداً إن معركة الجزائر ليست معركتنا". ومن هذا الباب جاء تدخله في اليمن لحماية الثورة من الرجعية الوهابية. وبالمقابل رفض تهديدات قاسم العراق ضد الكويت. ومن باب حماية الأمن القومي العربي، وتقوية قوته الناعمة أرسل آلاف المدرسين والأطباء والمهندسين إلى الدول العربية المحتاجة. وكانت مصر تدفع رواتبهم رغم فقرها.

ولكن، بسبب تبعية، وفي بعض الحالات عمالة، معظم الأنظمة العربية للسيد الأمريكي، ونكسة مشروع الوحدة مع سوريا، وانخراط السعودية في المخطط الأمريكي لاستنزاف للجيش المصري في اليمن، وعدم حسم عبد الناصر لقضية سيطرة عبد الحكيم عامر على الجيش، والسكوت عن دولة صلاح نصر المخابراتية، تمكّن التحالف الغربي الصهيوني، مع تواطؤ عربي رسمي، من جر مصر الناصرية إلى حرب لا تريدها. حيث لم تكن مصر مستعدة، على مستوى إعداد القوة الصلبة والناعمة، لخيار الحرب مع إسرائيل. فجاءت هزيمة 5 يونيو 67 العسكرية مدوية، في حرب لم يكن عبد الناصر يريدها. فقد كان فهمه للصراع مع إسرائيل فهما استراتيجيا، مبني على ضرورة الإعداد المتكامل قبل خوض أي حرب. إذ كانت نطريته للصراع مبنية على أساس:" إن وضع إسرائيل في منطقتنا وضع لا سبيل إلى قبوله بتاتاً.. فليس في إمكاننا أن نتراجع عن إصرارنا على الاعتراف بحقوق عرب فلسطين اعترافاً كاملاً، وأن ترد إلى المليون عربي اللاجئين في قطاع غزة دورهم التي شردوا منها. إن كل تفكير في إجراء مفاوضات للصلح مع الإسرائيليين ضرب من المحال، حتى ولو كانوا على استعداد لأن يقدموا تعويضات مالية من نوع ما، محال أن تشترى وطن إنسان أو أن تبتاع روحه أو حقوقه الإنسانية الجوهرية. ولسوف يسوى الحساب في يوم من الأيام، وأعتقد أنه مما يساعد على ذلك أن نبنى اقتصاد العالم العربي، وأن نرفع مستوى معيشة أبنائه؛ لكي نبلغ المرحلة التي يتاح لنا فيها أن نمارس من الضغط على الإسرائيليين ومن ورائهم بما يجعلهم يدركون عبث مقاومتهم.."!

وبغياب عبد الناصر غابت معه نظريته للأمن القومي العربي الشامل. وقد احتفل بعض ما يسمى بالزعماء العرب بموته. وقال الملك حسين:لو انتصر عبد الناصر في حرب 67 لفقدت عرشي؟! وجاء السادات إلى السلطة وفي ذهنه القضاء التام على التجربة الثورية الناصرية وإيديولوجيتها العروبية واستراتيجيتها القومية، والتحول إلى المعسكر الأمريكي، واعتبار الأمن القومي المصري جزء من الأمن القومي الأمريكي. لكنه كان ملزما بأداء مهمة إزالة أثار العدوان الإسرائيلي، التي بدأها عبد الناصر بحرب الاستنزاف، التي اعتبرها عيزرا وايزمان، وقتها، الحرب الوحيدة التي خسرتها إسرائيل ضد العرب، والتي أكملها الجيش المصري بالعبور في السادس من أكتوبر 73، وفي الواقع كانت حرب 73 حرب عبد الناصر وليس حرب السادات. ولو جرت في حياة الأول لما انتهت إلى هزيمة سياسية على الطريقة الساداتية!.... وللمقال بقية.

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 8 نوفمبر 2007م.


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home