Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Tuesday, 14 November, 2006

"جزيرة" العـرب الحرة!! (*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

كان احتفال قناة الجزيرة، بالذكرى العاشرة لتأسيسها، بسيطا في شكله، وعميقا في دلالته، في الوقت نفسه.بدأ بإزاحة الستار عن نصب تذكاري للصحفي الحر.وهو عبارة عن جدار للحرية، مخصص لتكريم الإعلاميين الذين قضوا شهداء إشاعة الحقيقة، أثناء أداء عملهم، في كل أنحاء العالم.نُقش على نصب "الصحفي الحر" ستمائة وثلاثين اسما، لصحفيين ومراسلين، وطواقم فنية، استشهدوا خلال العشرة سنوات الماضية.أي منذ انطلاق بث "الجزيرة"!

ومن مظاهر الاحتفاء الدلالي، بالعشرية الأولى، افتتاح متحف "الجزيرة"، الذي يتكون من ثلاثة جدران، بارتفاع تسعة أمتار.بُني الجدار الأول من الغرانيت الأسود الصقيل.والثاني من الزجاج الشفاف.والثالث من الأسمنت المسلح.بحيث يمثل جدارا الغرنيت الصقيل، والأسمنت المسلح الخشن، الرأي والرأي الآخر، بينما يرمز الجدار الزجاجي الشفاف إلى شفافية الرؤية الإعلامية لقناة الجزيرة. ولست، هنا، في معرض تبيان مدى شفافيتها بدقة.لكن "الجزيرة" تبقى، بالقطع، الأكثر شفافية ومصداقية، بكثير، بين وسائل الإعلام العربية الإخبارية!

لقد ضم جدار الاسمنت المسلح معروضات ملموسة تؤرخ لعلامات مقتناة، منها:ملابس خاصة بالمراسل الشهيد الصحفي طارق أيوب، وأوراق مكتوبة بخط يده.... ملابس خاصة بالمراسل لتيسير علوني، نزيل الظلم الأسباني...التخطيطات الأولى لشعار قناة الجزيرة من تصميم الفنان التشكيلي المائز حمدي الشريف، الذي أنجزه داخل سيارة تاكسي.. وغيرها من المقتنيات الدلالية.

ثم كان مسك الختام موسيقى، وأي موسيقى.سيمفونية "شرق"، بإبداع الموسيقار المائز مارسيل خليفة، الخليفة الفني الأصيل للسيد درويش.سيمفونية الشرق، كما قال مارسيل، تحمل:"في كل نوتة روح الشرق - ولذلك أطلقت عليه اسم «شرق» إنني أمد جسرا من الشرق الذي طالما أسيء فهمه إلى العالم بأسره مستعملاً لغة الموسيقى لنقل مشاعر الشرق وأحلامه".وقد وقف الجمهور المُنتخب، في صالة"بياسانزا" التاريخي، بمدينة ميلانو الإيطالية، مصفقا بحرارة فائقة لما سمّته صحيفة "ليبرتا" بـ:" انتصار الموسيقى الشرقية"، بقيادة المايسترو السويسري العالمي الشهير كارل مارتان، الذي صرح، بعد انتهاء الحفل بأن مارسيل خليفة:"وضع الألحان الشرقية في قالب فني جديد واستطاع أن ينقل إلينا عمق المشاعر الشرقيّة".

وفي العرض المصور الذي ابتدأ به الاحتفاء بالجزيرة في عشريتها الأولى، مرت مقتطفات مصورة لأهم محطات الجزيرة: وجودها الإعلامي المنفرد في تغطية قصف العراق عام 1998، تغطيتها المائزة، في حرفيتها ومصداقيتها، لأحداث انتفاضة الأقصى، الانتفاضة الثانية، التي اشتعلت في 28 سبتمبر 2000.وتغطيتها، الأكثر فرادة بين وسائل الإعلام العالمية، لهجمات الحادي عشر من سبتمبر وانعكاسات نتائجها على الفسطاطين:"دار الغرب" و"دار الإسلام"، بمنطق خطاب إعلامي على درجة عالية من الاحترافية، والمصداقية المشهدية، لأحداث الحرب الأمريكية على أفغانستان والعراق.وهذه المصداقية المشهدية هي ما جعل من خطاب الجزيرة الإعلامي، صادما.بحيث أثارت مصداقيتها الصادمة أعصاب أقوى إمبراطورية إمبريالية، عرفها التاريخ، إلى درجة استهداف ضرب "الجزيرة" ضمن الأهداف العسكرية "العدوة"، كما حدث في أفغانستان والعراق.بل وصل الأمر بخيال بوش "كليم الرب" حد تداوله مع تابعه بلير فكرة قصف مقر الجزيرة في الدوحة!

ومع ذلك يظل الخطر الحقيقي على مشروع الجزيرة، بما هو مشروع تحرير للعقل العربي السياسي، مصدره "هبل" الرأي الأوحد، الأسمنتي المسلح الخشن البشع، والمحروس من الأنظمة العربية الاسمنتية المستبدة، التي رأت في "الجزيرة" خطرا إعلاميا، كاشفاً لعورات استبدادها المحلي. لقد شكلت "الجزيرة" انقلابيا فضائيا على أنظمة الرأي الأوحد، لا طاقة لها بإحباطه أو إفشاله.ولم يعد في وسعها إلا سحب سفرائها من الدوحة، وشن حملات إعلامية لا أخلاقية ضد قطر !

ومع تقديري لكل برامج "الجزيرة" الحوارية، ذات الطبيعة الجدالية والسجالية، فإن جوهرة الجزيرة وسر خروجها عن المتداول والمفكر فيه، سياسيا، عنوانه الاتجاه المعاكس، وفي شخصية مقدمها الشهير، فيصل القاسم، الذي تجرأ على ذبح الأبقار السياسة المقدسة.

وإذا كان للجزيرة شهداؤها الشرفاء من مراسلين ومصورين، وغيرهم ممن تعرضوا للسجن والمضايقة، فإن هناك "ضحايا" كثر، طالهم الاعتقال والسجن والضرب والمضايقة، بسبب ظهورهم على شاشتها، معبرين عن الرأي الآخر، المرفوض والمقموع في أوطانهم!

شخصيا، ظهرت في أحدى حلقات برنامج الاتجاه المعاكس، في أوائل العام 2000، حيث انتقدت الأوضاع السياسية في بلادي.فتم سحب السفير الليبي من الدوحة في اليوم التالي.ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل سُحبت جنسية وطني مني.وطُلب من عائلتي التبرؤ مني، تحت التهديد بهدم بيتها.وعندما رفضت العائلة لجأوا إلى القبيلة التي وافقت على الأمر لإنقاذ بيت العائلة من الهدم، مقابل نشر إعلان، في الصحيفة المحلية للمدينة، تتبرأ فيها من فردة المدعو فرج بوالعشة، وتعلن عزله عن القبيلة بالكامل، وتهدر دمه!!!

وإذا كنتُ أتنعم بملجأ الغرب الإنساني في بلاد الجرمان، فإن غيري كثيرون سجنوا بعد عودتهم من دوحة "الجزيرة"؛ وآخرهم، ولن يكون أخيرهم، المناضل الديمقراطي التونسي، منصف المرزوقي، الذي يلاحقه النظام التونسي البوليسي قضائيا بتهمة التحريض على العنف والعصيان، لأنه دعا الشعب التونسي، عبر قناة الجزيرة، إلى ممارسة حقه الديمقراطي المشروع في تغيير النظام بالطرق السلمية.

وفي الختام، فإن أبلغ قراءة مختزلة للتعبير عن مغزى "الجزيرة" نجدها ماثلة في كلمة أحد إعلامييها البارزين، حافظ الميرازي، في تعليقه الختامي، في برنامجه "من واشنطن"، بتاريخ 30 أكتوبر 2006، عندما قال، في ختام الحقلة:"............ لدي ملحوظتان إحداهما عن علاقة الجزيرة بالإدارة الأمريكية والثانية عن الجزيرة وحرية الإعلام، لو نظرنا لنصف الكوب الفارغ في العلاقة أولا مع واشنطن نجد إدارة لا تتردد في انتقاد واتهام الجزيرة بمناسبة وغير مناسبة ولا تفتح حتى تحقيقا في ملابسات قصف مكاتب الجزيرة وقتل أحد مراسليها واعتقال آخر، لكن نصف الكوب المليء نقر معه بأن أمريكا رغم ذلك لم تغلق مكاتب الجزيرة أو تطرد مراسليها بل إن بإمكان صحفيينا دخول مباني الخارجية والبنتاغون حينما شاؤوا ولدى بعضهم تصاريح دائمة لمقر الرئاسة الأمريكي البيت الأبيض رغم أن بعض مقار الرئاسة العربية لا تعطينا سوى تصاريح مؤقتة إن سمحت أصلا لمراسلينا بالعمل في عواصمها، الملحوظة الثانية بمسيرة وحرية القناة.. أرى في نصف الكوب المليء تجربة الجزيرة الرائدة في تقديم نموذج للإعلام العربي الحر بشكل يدفع الآخرين إلى رفع سقف المسموح لديهم وهامش الحرية حتى ينافسوا الجزيرة، لكن نصف الكوب الفارغ يذكرني بأنها حرية ممنوحة لا مكتسبة بالتالي يمكن أن تضيع في أي لحظة، إن حرية الجزيرة ممنوحة ومدعومة أيضا من القيادة الحالية المتنورة لدولة قطر، لو تغيرت رؤية هذه القيادة أو توقف دعمها أو تغيرت نفسها لا ضمان لحرية الجزيرة أو حتى لاستمرار الجزيرة، إن الضمان الوحيد هو حين يكتسب المواطن العربي حريته دون أن تمنح له، وقتها فقط سيضمن إعلامه الحر فلا يوجد إعلام حر في عالم غير حر وهو للأسف حال عالمنا العربي الآن، فلتكن أمنية السنوات العشر المقبلة من عمر الجزيرة إعلام حر لمواطنين أحرار"..

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الأحد 12 نوفمبر 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home