Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الخميس 14 أغسطس 2008

تلاقح الحضارات.. البدء من الصفر..!!(*)

فرج بوالعَـشّة

كان أمام رواد النهضة العربية{مع بدايات القرن التاسع عشر}،من الليبراليين تحديدا، مهمة البدء من الصفر في وصل الثقافة العربية، الفارغة من الطاقة الإبداعية منذ قرون طوال، بتيار طاقة عصرها الحضاري المنتج غرباً.. وجدوا في حوزتهم تعابير متحجرة للغة متوقفة عن التجدد والتخليق منذ قرون طوال، تجتر تعابيرها المحنَّطة في بلاغة سجع مضجِّر منقول عن عن حدّث قال..!

اشتغل الرواد الليبراليون، في جهد نوعي استثنائي،على عصرنة اللغة العربية، من خلال تحديث أسلوبيتها الألسنية، وتفعيل مكانزيماتها البنيوية في التوليد والاشتقاق، لترقية قابليتها المرنة في ترجمة المفردات والتسميات والمصطلحات والمفاهيم عن اللغات الأجنبية المتطورة..!

بدأت المهمة عسيرة، بحيث، كما قال الرائد النهضوي يعقوب صروف {1852 ـ 1927}،أنها:"لو توخاها جماعة من العلماء، وقبل أن يتفقوا على ترجمة ألف اسم من هذه الأسماء، ليكون العلماء{في الغرب} اكتشفوا أكثر من ألف اسم جديد، فنزيد بعدا عن الغاية المطلوبة.."..!

كان هؤلاء الرواد نشطاء تنوير فذين، بالتزامن مع زمن ثقافة المجتمعات العربية القروسطية وثالوثها الرهيب:الفقر/المرض/الجهل..اشتغلوا بهمة إيمان عقلاني علمي في سبيل إيقاظ الثقافة العربية من نومتها الكهفية، وإخراجها إلى أنوار العقلانية العلمية في فضاء زمن الحداثة ذي المرجعية الأوروبية.!

وهنا مبنى التباسات الصدمة الحضارية بين زمن الثقافة العربية الإسلامية التقليدية وزمن الثقافة الأوروبية المسيحية. بين المستعمر{بكسر الميم} والمستعمر{بفتح الميم}.!

كانت القاهرة/بيروت تمثلان المركزين الطليعيين للنهضة العربية. وكانت بيروت، على الخصوص،مصدر ثرى لحركة النهضة الليبرالية. ويعود ذلك إلى معطيات اجتماعية وثقافية متميزة،كون لبنان،بحسب تعبير الرائد النهضوي بطرس البستاني،يوجد بها:"أشخاص من بلدان وأجناس مختلفة،أو أكثر من الأجناس التي تحت قبة الفلك، يجمعها فريقان:أبناء الشرق وأبناء الغرب{..و}أن سكان بيروت متمدنون وعواطفهم جميعا متجهة نحو التمدن ومائلة إليه،وهم شديدو الاهتمام بتوسيع دائرته في بلادهم وانتشار فوائده في جهات أخرى.."..!

وفي القاهرة،ومنها، بث "الشوام"{من لبنان وسوريا وفلسطين} كما عرفوا بهذا الاسم في مصر،طاقاتهم الإبداعية في (فضاء) الثقافة العربية المتكوّنة في بدايات عصر النهضة..نشطوا كمؤسسين لبدايات الصحافة والمسرح والسينما والفكر والفلسفة...!

بدوا كمعلمين لألف باء الحداثة:يبتكرون مصطلحاتها في لسان عربي مُخرَّس منذ قرون طوال..فها هو أحمد يوسف الشدياق ينحت مفردات عربية عصرية:الجريدة،مجلس النواب،مجلس الشورى،الجامعة،المستشفى،المعرض،الاشتراكية، الباخرة، الصيدلي، الحافلة.. وغيرها كثير..!

ومن حقل اللغة إلى حقل المجتمع حيث ربطوا استحقاق النهضة والتطور بتحرر المرأة من تقاليد الحرملك..فالعلم والتعليم:"هما نور العقل وهما في منزلة المصباح الذي يحمله الساري ليهتدي به.فإذا لم تأتمن المرأة على حمل النور لم يكن أن تأتمنها على حمل أي نور كان مخافة أن تحرق البيت"....!

وكان بطرس البستاني {1819 ـ 1883}،الملقب بالمعلم الأكبر لعصر النهضة هو أول من أسس أول مدرسة عصرية على أسس علمية وطنية، مفصولة عن مدارس الإرساليات ومناهج الكتاتيب الدينية.. وهو أول من ألف قاموسا عربيا عصريا.. وأول من وضع "إنسكواوبيديا" باللغة العربية..وأول من طالب بحق المرأة في التعليم.. وأول من أصدر صحيفة تنويرية.. وأول من صاغ مبادئ النهضة في دستور متصور لدولة عربية حديثة..!!

..ودائما كان معيار تحرر المرأة الاجتماعي يتموضع،عند النهضويين الرواد،موضع المعيار القياسي لمدى تطور المجتمع وصلوحيته للنهضة العصرية، لأن،كما يقول المعلم بطرس البستاني:"إذا عم النساء الجهل في مكان أو زمان نراه انتشر واستولى بملء قوته على جميع أهله (..فما) ما يجعل الناس برابرة أو متمدنين إنما هو المرأة.."..!

وجاء الشيخ إبراهيم اليازجي (1847 ـ 1906) الذي،إلى جانب كونه مثقفا تنويريا عضويا، كان صنائعيا ماهراً،اخترع أشكالا جديدة للحروف المطبعية، فسهّل اختراعه هذا رصف الحروف واختزالها من ثلاث مائة حرف إلى ستين حرف، ومكّن هذا الابتكار،الذي كان لابد منه، من صنع الآلة الكاتبة بحروف عربية.!

كان الشيخ اليازجي نمطا من المثقف النهضوي التأسيسي الجامع بين الفكري والعملي، فبمثل الجهد الذي طوّر به أدوات وآليات الطباعة، اجتهد في العمق في تطوير بنية تعبير اللغة العربية نحو تجاوز زمنها البلاغي المحنّط الذي كان يُرى منه وفيه إلى حيوية اللغة العربية و"عبقريتـها" من خلال مبالغتها في تعداد تسمياتها لصفة واحدة، مثل وجود 500 اسم للأسد و80 اسم للعسل و200 اسم للخمر،المحرّم في النص الإسلامي لكنه يظل مفخرة قومية في اللغة(!!) وكذا ألف اسم للسيف،أكثر منها للبعير،و2000 للداهية..وهكذا انكشفت اللغة العربية،عند اصطدامها المدوي بالعصر الحديث، فقيرة معدمة من مرادفات التعبير عن معطيات الزمن العلمي والفكري الحديث.!

وظهر يعقوب صروف (1852 ـ 1927)صاحب مجلة "المقتطف"أول مجلة عربية علمية، بمفهوم عصرها العلمي ـ الصحفي، أشاع عبرها العلوم والفنون، وبسّطها"بسطاً يقربها من أفهام القراء"حسب تعبيره. وربما كانت"المقتطف"أول من أثار نظرية دوران الأرض عربيا، بعد قرون من اكتشاف غاليليو؛ وهو ما يكشف عن مدى غياب الثقافة العربية لقرون طوال عن كشوفات واكتشافات الحضارة الحديثة {لا يزال هناك بين العرب مَن لا يؤمن بدوران الأرض!!}

وواكبت "المقتطف" أحداث ما جرى من أمر فصل مدرس أمريكي بسبب تدريسه للنظرية الداروينية، في الوقت نفسه، تقريبا، الذي فُصِل فيه أستاذ التاريخ الطبيعي من الجامعة البيروتية بسبب تدريسه للنظرية نفسها..!! وفي "المقتطف" وجد المفكر العلماني الاشتراكي شبلي الشميل (1860 ـ 1917)، منبرا مناسباً يجهر عبره بروح إعلاء المنطق العلمي وزمنه الحيوي المتلاحق في جديده وتجدّده. وهو يعتبر الشارح الأكبر، في اللغة العربية، للنظرية الداروينية، ومترجم نصها الأصلي بعنوان"النشوء والارتقاء"..!

ولع "الشميل" بالمنهج العلمي للنظرية الداروينية،واتخذها معادلا موضوعيا للنشوء والارتقاء الاجتماعي. وقد كانت النظرية،في وقتها،موظَّفة في الفلسفة الأوروبية المادية كبعد علمي لنظرية "الاشتراكية الألمانية الإصلاحية"ومن ثم في المادية التاريخية الماركسية.

لكن مقصدها، في تصور فكر شبلي الشميّل في فضاء الثقافة العربية، كان موجها لأحداث فعل تنويري،كما كتب في أحد بياناته الثورية مقدما ترجمة النظرية وشروحها:"إليك أيها القارئ العاقل، المتأمِّل، ولا أطلب منك علما واسعا وفلسفة بديعة وحكمة بليغة،بل أطلب منك عقلاً حُلّت قيوده وتفتحت منافذه وأقام التفكير مقام الاعتقاد..".!

كان مغامراً تنويريا عميق الإيمان بالمستقبل العلمي ولغته الكونية المتعولمة، وكما كان في الوقت نفسه شديد الإيمان الثوري بالعدالة الاشتراكية، كان يفكر ويكتب في واقع الثقافة العربية، لكن من خارج زمنها، مقيما في زمن وعي نظري علمي بأطروحة (الداروينية) التي كان أنصارها حتى في أوروبا نفسها لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة.! كان مقصده، الذي لا يزال مطلوبا حتى وقتنا هذا، إحداث رجّة "لإيقاظ الأفكار من نومها العميق، حيث الحركة مهما كانت خير من السكون".... يتبع...

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 14 أغسطس 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home