Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 14 June, 2007

عـولمة غـوانتانامو والسجون الطائرة!!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

كانت فكرة اختراع الطائرة تحقيقا لدوافع خيّرة تقوم على تقليص المسافات وتسريع الانتقال بين الأمكنة والتقارب بين البشر. وككل اختراع له وجهه الخيّر والآخر الشرير. فيمكن أن يُستخدم لتيسير شؤون الحياة، أو لجلب الموت والدمار. وقد استخدمت الطائرة في أول رحلة طيران مدني عام 1903، وفي عام 1911 استخدمت كسلاح عسكري، لأول مرة في التاريخ، من طرف الجيش الإيطالي أثناء غزوه ليبيا، في عمليات الاستطلاع وإلقاء قنابل الموت والدمار. ويُذكر للمجاهدين الليبيين أنهم أول من اسقط طائرة عسكرية في التاريخ ببنادقهم البسيطة!

في عام 1930، أثناء الحكم الفاشيستي لإيطاليا، تفتق ذهن الجنرالات الفاشيست عن فكرة استخدام الطائرة لعقد محاكمات استثنائية سريعة لليبيين، من المجاهدين الأسرى، أو المشتبه في مقاومتهم، أو تعاونهم مع المقاومة، لأهون فرية. وقد عُرفت تلك الممارسة الإرهابية بـ"المحكمة الطائرة"، التي كانت تنقل قضاة عسكريين. ينتقلون من موقع إلى آخر، في أنحاء ليبيا. ويعقدون محاكمات صورية في يوم وصولهم، لا تستغرق أكثر من دقائق معدودات. ويصدرون فيها الأحكام المسبقة. ويشرفون على تنفيذها في الموقع نفسه. غالبها بالموت شنقا، أو الموت جوعا في المعتقلات الجماعية الرهيبة. علاوة على مصادرة الممتلكات ومنحها للمستوطنين الغزاة. وقد تم إعدام بعض المجاهدين بإلقائهم أحياء من الطائرة وهي في الجو. وهو التقليد الذي أحياه الأمريكيون، في فيتنام، بإلقاء الأسرى الفيتناميين من طائرات الأباتشي وهم أحياء أو جرحى. ومعروف أن الجنرالات الفاشيين، الذين حكموا الأرجنتين، في سبعينات القرن الفائت، أمروا برمي عشرات السجناء السياسيين من الطائرات وهم أحياء مقيدين بأثقال اسمنتية ليغرقوا في أعماق المحيط!

ابتكر دهاقنة المحافظين الجدد معتقل "غوانتانامو" كي يكون مسرحا لانتهاكات حقوق الإنسان بمنأى عن المساءلة والمحاسبة، كونه يقع على أرض تخضع للسيطرة الأمريكية دون أن تخضع لسيادتها الدستورية. ثم تفتق خيالهم الفاشي عن فكرة استخدام المخابرات المركزية الطيران كبريد جوي سري لنقل سجناء "العدالة البوشية"، وتوزيعهم على السجون السرية المنتشرة في جنبات الأرض، ضمن دول حكوماتها إما معتقة في التبعية للسياسة الأمريكية، أو طامعة في رضاها، ولو على حساب السيادة الوطنية وانتهاك الكرامة الإنسانية!

وجريا على أمركة العولمة، تعولمت السجون الأمريكية الطائرة على متن الخطوط الجوية CIA airways!

لقد صدّع السيد بوش رأس العالم شهورا طويلة بتعاليمه الرسولية عن نشر حقوق الإنسان، حتى انتشرت فضائح التعذيب الأمريكي في سجن "أبوغريب". وبينما لا يزال يصدعنا، بالأحاديث المتوالية، عن التزام إدارتها بنشر الديمقراطية والتوقف عن السياسة الأمريكية القديمة في دعم الأنظمة الاستبدادية الحليفة، يتعزز على الأرض دعمه لأنظمة الاستبداد المحنطة، في ديار العرب، والمحافظة على بقائها، وتمتين التحالف الأمني معها، لتقوم بممارسة الأعمال الدنيئة وتمويلها نيابة عن أمريكا التي يحظر دستورها وقوانينها ممارستها على أراضيها أو تمويلها من أموال دافعي الضرائب. «مولّت السعودية حرب أمريكا الأولى في افغانستان، ضد الاتحاد السوفيتي، وتمول اليوم عدداً من العمليات الأمريكية القذرة لصالح الحرب البوشية على "الإرهاب" ـ انظر تقارير سايمور هيرش ـ ».

طبعا لا يقتصر انتشار السجون الأمريكية السرية على دول عربية، وإنما شمل دول آسيوية، غير عربية، لها تاريخ عريق في التبعية للسياسة الأمريكية. ودول تابعة لأوروبا الشرقية«سابقا» مثل رومانيا وبلغاريا وأوكرانيا ومقدونيا وألبانيا وإقليم كوسوفو. . وأيضا دول أوربية غربية تعتبر نفسها وصية كونيا على حماية حقوق الإنسان، لكنها تعفي نفسها من المسؤولية أو الشعور بالذنب الإنساني حيال "سجناء أشباح" تنقلهم السي آي إيه في بريد سجنها الطائر عبر مطارات دول أوروبية غربية مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والبرتغال وإيطاليا وأسبانيا وإيسلندا!

إن هؤلاء "السجناء الأشباح" مصنفون، في نظر الأخلاقية السياسية الغربية، عموما، بأنهم بشر ما دون الإنسانية، وبالتالي لا يستحقون حقوقا إنسانية، بمن فيهم زوجات وأطفال بعض المعتقلين «تتراوح أعمارهم ما بين بضعة شهور و9 سنوات» الذين احتجزوا في مراكز اعتقال سرية في أوروبا الشرقية. لكن "أوروبا الإنسانية" تبقى حية وحيوية، برأيها العام الحر، ومنظماتها الحقوقية ومؤسساتها الرقابية. فمنظمة "هيومن رايتس واتش" هي أول من أكد، في17 يونيو 2004، أن الولايات المتحدة تعتقل أسرى بتهمة الإرهاب في خمسة عشر سجنا سريا في العالم. وفي 7 نوفمبر 2005 كلف المجلس الأوروبي نائب مجلس الشيوخ السويسري، ورئيس لجنة المسائل القانونية وحقوق الإنسان في الهيئة البرلمانية التابعة للمجلس الأوروبي بالتحقيق في قضية السجون السرية في أوروبا، واستخدام الطائرات في نقل الأسرى بين تلك المعتقلات عبر الأراضي الأوروبية. وقد كشف ديك مارتي، في تقريره، عن وجود دلائل واثباتات تؤكد إقدام السي آي إيه على اختطاف أشخاص ونقلهم عبر التراب الأوروبي قبل تعريضهم للتعذيب في بلدان أخرى، في نطاق عملية سرية تُعرف باسم:"تسليم العدو إلى دولة ثالثة لظروف استثنائية". وهي ترتبط ببرنامج خاص يُعرف بـ"اقتل. . تحفظ واعتقل"، تم الاتفاق عليه داخل "الناتو" بشكل سري، بعد وقت قصير من هجمات 11 سبتمبر. ويسمح الاتفاق، حسب تقرير ديك مارتي:"لوكالة الاستخبارات الأمريكية التحرك دون عوائق أو ضوابط داخل أوروبا، وبموجب بروتوكول السرية للحلف الأطلسي. . . . "وقد اشار التقرير إلى أنه:"لا يمكن بكل بساطة أن تكون الحكومات الأوروبية، أو على الأقل أجهزة مخابراتها غير مطلعة على ما يتم. . . . «و» إن عملية نقل معتقلين في اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية أو نحو بلدان أخرى تهم أوروبا قد مست أكثر من 100 شخص خلال السنوات الأخيرة. كما أن مئات الرحلات الجوية المستأجرة من قبل وكالة المخابرات الأمريكية قد مرت عبر المجال الجوي للعديد من الدول الأوروبية". وعلى سبيل المثال سُجلت 437 رحلة جوية، تابعة للسي آي إيه، هبطت في ألمانيا أو استخدمت مجالها الجوي. ومن الواضح لديك مارتي أن "الولايات المتحدة رغبت في فرض حرب بلا قواعد ضد الإرهاب". وذلك:"امر محزن لا بل مهين بالنسبة إلى أوروبا التفكير بأن ما هو غير جيد للولايات المتحدة يمكن ان يكون جيدا لأوروبا". وفي ختام تقريره دعا الدول الأوروبية، التي تعاونت مع الولايات المتحدة، في هذه الأعمال الدنيئة، إلى الاقتداء بـ"التصرف الأخلاقي لكندا وحكومتها" التي "كانت لها شجاعة الاعتراف بالخطأ ودفع ثمنه"، في إشارة إلى تقديم الحكومة الكندية اعتذاراً رسمياً لمواطنها ماهر عرار، ذي الأصل السوري، ودفع تعويض له بقيمة عشرة ملايين دولار.

أما بالنسبة لبعض الدول العربية، فتؤكد تقارير حقوق الإنسان وتقارير صحفية موثوقة، علاوة على وقائع أصبحت معروفة، أن معظم الدول العربية تعاونت في تسليم عديد المعتقلين للمخابرات الأمريكية. وتطوعت من نفسها، قبل أن يُطلب منها ذلك لاستضافة أسرى بوش، من العرب، المختطفين على يد السي آي إيه في سجونها، وتوفير صفوة من جلاوذة التحقيق والتعذيب، وابتكار ما قد لا يخطر على خيال المخابرات الأمريكية من صنوف التعذيب الجسدي والنفسي، لنيل مرضاة البيت الأبيض عنها، وحيازة صمته على ما ترتكبه من بطش وجور بحق شعوبها!

صحيفة التايمز البريطانية أوضحت أن السي آي إيه باشرت عمليات الاختطاف والاعتقالات السرية منذ عام 2001 في أنحاء العالم، تمكنت خلالها من احتجاز نحو ثلاثة آلاف شخص. ونقلتهم إلى دول مختلفة في أنحاء العالم. . . ولا بد أن نصيب الأسد من صيد للسي آي إيه كان من نصيب السجون السرية في الدول العربية والإسلامية، كون الغالبية الساحقة من المختطفين ينتمون إلى دول عربية وإسلامية. وفي تلك الدول لا قيمة للحق الطبيعي في الحياة، ما بالك بحقوق الإنسان القانونية. وتذكر صحيفة الجارديان قصة أربعة شباب مصريين اختطفتهم المخابرات الأمريكية من منطقة البلقان. ثم نقلتهم إلى مصر، حيث قُتل اثنان، تحت التعذيب، وراح ثالث ضحية الاختفاء القسري، وأطلق سراح الرابع بعدما تعرض للتعذيب. ومعروفة قصة الإمام "أبو عمر"، الذي قامت إحدى محاكم مدينة ميلانو الإيطالية، بإصدار مذكرة اعتقال أوروبية بحق 22 من عناصر الاستخبارات المركزية الأمريكية للاشتباه بضلوعهم في اختطافه، في فبراير 2003، من أحد شوارع ميلانو. وبعدها قاموا بنقله سرا، بطريق الجو، إلى مصر، حيث لا يزال معتقلا في "المحروسة"، ولك أن تتخيل التعذيب الذي يتعرض له!

و"الشقيقة الكبرى" ليست وحدها فقد انضمت إليها معظم شقيقاتها الصغريات، من ذوات الخبرة العريقة في جعل الحمار يعترف أنه ثعلب، مثل السعودية، ولبنان«تحت حكم جماعة 14 آذار»، واليمن والبحرين وليبيا والأردن وسوريا والمغرب وتونس، في فتح سجونها ومراكز تحقيقها، باعتبارها الأفضل في العالم، حيث :"أجهزة هذه الدول، المتسللة بشكل جيد إلى صفوف المتطرفين، تعرف كيف تتعامل معهم. "كما يقول مسؤول سابق في السي آي إيه. وهو محق. فلن تجد الإدارة البوشية أفضل من سجون الأنظمة العربية، لتكون فروعا ناجحة لمعتقل غونتانامو الأم!!!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 14 يونيو 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home