Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 14 February, 2008

خريف البطريرك العـربي!!

فرج بوالعَـشّة

"خريف البطريرك"، رائعة غابرييل ماركيز، الروائي الكولومبي، التي ظهرت بعد فوزه بجائزة نوبل للآداب، عام 1982 عن روايته الغرائبية المذهلة: «مائة عام من العزلة»؛ هي نشيد هجائي بلغة شعرية، منثور مسرودها كقصيدة دائرية، مُغلقة على ذاتها، تماثلا مع فلسفة «عزلة السلطة»، المتجسدة في عزلة البطريرك الطاغية في خريفه!!!

إنها كما كتب الروائي التونسي، الصديق محمد على اليوسفي، مترجمها إلى العربية، عن الفرنسية، رواية مُفزعة، عن: «دكتاتور كلّي الوجود يعلن حالة حرب على كل منافسيه، من الأطفال إلى الكرسي البابوي في روما.. حيث يقول في ذروة خريفه، عاش أنا.. يموت ضحاياه: أطفال ومعارضون، رجال دين ومتمرّدون، هنود وهندوسيون، عرب ومضطهدون آخرون. عاش أنا، يقول. غير انه في النهاية يجد نفسه وجهاً لوجه مع الموت في صفحات رائعة يكثف فيها ماركيز الوجه الآخر للحياة، الحياة التي لم يكن البطريرك يراها إلا من القفا، قبل أن ينتهي زمن الأبديّة الهائل، وقبل أن تدق أجراس الحبور وتعلو معزوفات التحرّر، ومنذ طفولة البطريرك إلى توليه السلطة أو، بالعكس، منذ توليه السلطة إلى طفولته الأولى التي نتعرف عليها مندغمة ومتزامنة مع طفولته الثانية، حسب تسلسل الأحداث وتداخلها في الرواية، يوجد زمن مغلق هو الحيّز الذي تدور فيه أحداث رائعة ماركيز هذه. حركة دائرية مغلقة ونشيد مذهل ضد الدكتاتورية، بأسلوب يجمع بين الشعر والموسيقى والسيناريو السينمائي...»..!!

إنها نشيد الكذب الذي: «هو أنسب بكثير من الشك كما أنه أنفع من الحب وأبقى من الحقائق...» نشيد عمر الطاغية الذي لا تنتهي دورته التاريخية. إذ إنه يولد في ذاته بذاته!!

صورة الطاغية البطريرك في خريف البطريرك الماركيزي مضخّمة فوق التصور الواقعي بقوة الخيال التهكمي الساخر، عندما يُفلت الروائي، له، الزمام على هوى المخيلة الإبداعية، المُحملة بطاقة المخيال الاجتماعي ـ الشعبي ـ العام، في أدبيات سخريته السرية!!

خريف البطريرك حكاية طاغية أمريكي لاتيني، ويمكن أن يكون، طاغية عربيا، بمجرد تغيير اسمه اللاتيني، باسم عربي، من ذوي الحاكمين بأمر خيالهم المريض!!

المعجز، إبداعيا، في لغة رواية «خريف البطريرك» الماركيزية، أن بطلها، مُستنسخ لكل الطغاة في طاغية واحد، بما هو خلاصة عزلتهم في عزلة السلطة، حيث يتناسخون طبيعتهم، في طبيعتها، دون انقطاع منذ فجر الجماعة الأولى.. وكذلك يتناسخ الخانعون طبيعة خنوعهم منذ فجر الطاعة الأولى.!

وإذا كانت صورة الطاغية ـ البطريرك قد انقرضت من الواقع السياسي، لأمريكا اللاتينية، بعدما تحولت دولها إلى النظام الديمقراطي، فإن صورته العربية لا تزال طاغية على الحياة السياسية في معظم الدول العربية!

إن العرب لا يزالون متخندقين في خنوعهم بحسبانهم مستنسخات في قطيع الراعي. حيث أطيعوا ولي الأمر منكم. وليسوا أولى الأمر منكم ـ كما يعني المعنى القرآني. أي ممثلوكم، برغبتكم الشورية. أي الديماقراطية. بلغة عصرنا. وفق إرادتكم الحرة؛ ليجدوا، أنفسهم، في واقع «خريف البطريرك» السحري، بليتهم المضحكة «تراجوكوميدي»!!.

وفي غياب الروائي العربي الماركيزي المنتظر، حيث الواقع العربي ما فوق فوق الواقعية السحرية اللاتينية، يبقى نشيد خريف البطريرك اللاتيني نشيد واقعنا العربي بامتياز. فماركيز يتحدث عن طغاتنا، عندما يتحدث، بسخرية سوداء مُبدِّعة، عن طاغيته اللاتيني الخرافي، الذي يُطوَِب أمه «قديسة الوطن» بمرسوم رئاسي. وعندما يعُنّ له مزاجه يأمر بتقديم ساعات اليوم أو تأخيرها. والشخص الوحيد، الذي واجهه بالحقيقة، يظهر لنا في هيئة شبح هلامي.!!

إنها رواية خريف بطريركنا العربي الذي لا يجرؤ أحد على إخباره بما يعلم، فيمضي في تمجيد أوهامه المشتهاة في حياته المعاشة إلى ابعد ما يتخيل العمر البشري بما يلامس أعمار أنبياء التلمود التليد. فنكون أمام طاغية عجوز يموت ويحيا في موته بلا انقطاع مكررا توليد نفسه في توريث سلطانه في نسله. لكنه، وهو في خرفه وخبله، يتحول إلى شاب حيوي، بذهن متقد، عندما يقابل السفير الأمريكي، الذي يصوره خيال ماركيز بعد عجنه في الواقع اللاتيني كمُدبِّر كوارث، وذرائع مُلفَّقة للتدخل العسكري!!

إنها رواية تاريخ الحمق الذي يصنع السياسة.. فكما هو البطريرك الأمريكي اللاتيني هو البطريرك العربي، أكان عقيدا أو لواء أو مهيبا، أم كان السيد الرئيس أو جلالته المُعظم؛حيث الحمق هو نفسه في كل الرؤوس. فهم صور متعددة، متوحدة في صورة البطريرك الواحد. فقد خلق ماركيز:شخصية مركبّة «أنموذج» لديكتاتوريين غريبي الأطوار، يعج بهم تاريخ أمريكا اللاتينية. عجنهم في خيمياء لغته السحرية مشكلا من خليطهم بطريركه الماركيزي، كتحصيل حاصل لأربعة عشر جنرالا خبلتهم السلطة. من «بابا دك» ديكتاتور هايتي، الذي أمر بإبادة جميع الكلاب السوداء في البلاد، لأن أحد أعدائه السياسيين كان قد تنكر على شكل كلب أسود، كي لا يُعتقل أو يُغتال. وفرانسيا، ديكتاتور باراغوي، الذي أمر بغلق البلاد وكأنها منزل، ولم يترك سوى منفذ واحد مفتوح لكي يدخل منه البريد. ومارتينيس، ديكتاتور السالفادور، الذي أمر بلّف جميع مصابيح الشوارع في البلاد بورق أحمر، وذلك من أجل مكافحة وباء الحصبة. وخيمينيس ديكتاتور فنزويلا الذي علق في قصره لوحة كُتب عليها: «ما تسمعه وتراه هنا يظل هنا».. وهكذا..!!

ويُذكّرني ذلك بالبطريرك الفاطمي، «الحاكم بأمر الله»، وفتاويه المخبولة. وقد أعلن عن تأليه نفسه. وأمر الرعية إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوموا على أقدامهم صفوفاً إعظاماً لذكره واحتراماً لاسمه. وهو ما يقوم به أحد أشباه، اليوم، الذي أمر بوجوب الوقوف خشوعا، كلما قُرئت برقية تأييد له.!!

إن الطاغية البطريرك لا يصغي لأحد. ولا يقبل النصيحة من أحد. حتى أنه يشك في نصيحة نفسه لنفسه.. ومع ذلك يصر على اعتبار نفسه سيد نفسه. إن بطريرك النظام الأبوي الذي يعيد انتاج نفسه؛هو من يحكم بنية اجتماع العرب، منذ قرون، اجتماعيا وثقافيا، وبالتالي سياسيا، بطبيعة الحال!!

إن الطاغية العربي ـ البطريركي ـ هو تجسيد سياسي لتمثلات مركبات الاستبدادية الأبوية. الراسخة في التقاليد العائلية والأعراف القبلية، والطواطم الغيبية؛ بما انه هو الأب البطريركي، كمال الحكمة وتمام المعرفة؛حيث ليس على الأبناء سوى توارث الدورة نفسها إلى ما لا نهاية، في تعاقب، متكرر، مكرور.. وهكذا في صور متعددة الوجوه هي صورته نفسها في نفسه. ومع أن الإسلام جاء ثورة على طغيان النظام البطريركي، الذي تفرعن في هيئة: «أنا ربكم الأعلى». وأقام ـ الإسلام ـ نظامه الاجتماعي ـ المدني الأخلاقي، على أساس الجماعة ـ الأمة. وإقامة العدل. فكما يقول ابن تيمية شيخ السلفية: «إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. والدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام».. وإقامة الشورى، بما هي الديمقراطية اليوم، وليست البيعة المزورة. فلهذا جاء الإسلام. إلا أن عصبية القبيلة المتغللة في العصب، وثقافتها في الاستيلاء والسبي والاغتنام، سرعان ما عادت وهيمنت على المسار التاريخي للمشروع الإسلامي الحضاري.. ومذاك والبطريرك العربي ـ القبلي، يحكمنا بشعرته التي لا تنقطع. وبمعادلة سيفه الذي لا يستخدمه حيث يكفيه سوطه، ولا يستخدم سوطه حيث يكفيه لسانه. ولا يستخدم لسانه حيث يكفيه ماله..!!!!

أوليس بهذا يحكم الطغاة العرب!!!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الأربعاء 13 فبراير 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home