Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 11 فبراير 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السادبعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19

"سي" عمر المختار شيخ المقاومة الجهادية (13)

فرج بوالعَـشّة

جربت الطليان طوال سنوات احتلالها (1911ـ 1943) مختلف أساليب العدوانية الوحشية في سبيل القضاء على حركة المقاومة الجهادية. قتلوا ودمروا وحاصروا وجوّعوا. نفوا الآلاف إلى الجزر الإيطالية الصغيرة شبه المهجورة. استخدموا قنابل الغازات السامة، التي كانت تلقيها الطائرات على تجمعات السكان المدنيين. فعلى سبيل المثال قام الطيران الإيطالي خلال سنة واحدة تقريبا. أي ما بين عامي 1924 و1925، بأكثر من ثلاثة آلاف طلعة جوية. قطعت أربعة آلاف كيلو متر. ألقت خلالها عشرات ألوف القنابل المتفجرة والسامة. وكما كان الطليان أول من استخدم الطيران في الحرب في الاستطلاع والاستكشاف والقصف الجوي في ليبيا، كذلك هم من ابتكر نظام المحاكمات الطائرة. حيث كان القضاة يتنقلون جواً، من مكان إلى الآخر، كي يحاكموا عشرات الليبيين، في ساعات معدودة، بتهم امتلاك السلاح أو الانتماء إلى المجاهدين أو التواطؤ معهم. وكانت أحكام الإعدام تُنفذ مباشرة بعد صدور الحكم وبحضور قضاة المحكمة، الذين ما إن يفرغوا من مهمتهم حتى يطيروا إلى حيث يعقدون محاكمة جديدة في مكان آخر.. وهكذا.

كان الخيال الفاشيستي الدموي في ذروة ثمالته السادية. وكان كتاب :"الأمير" لميكافيللي انجيل الجنرال غراسياني، الذي اعترف بكل راحة بال: "كلما نسبت أعمالي للوحشية فإني أردد ما جاهر به ميكافيللي العظيم قائلا: كي يحتفظ الأمير بهيبته عليه ألا يعبأ بعار القسوة..." كما اعترف أن ضميره لم يؤنبه مطلقاً. فحسبه:" لم يحدث أن نمت لليلة هانئة، مثل الليلة التي أكون قد راجعت فيها ضميري، فيما يقولونه عن قسوتي ووحشيتي". ـ 1 ـ

لكن كل تلك الفظائع المروعة لم تفت في عضد المجاهدين. لذلك لم يعد أمام الغزاة الفاشيين سوى إغلاق الحدود الليبية المصرية بالأسلاك الشائكة المكهربة، لمنع وصول المؤن والذخائر، التي كان المهاجرون الليبيون في مصر يمدون المجاهدين بها. وهو ما تبيّنه برقية رسمية، بتوقيع غراسياني، مرسلة إلى وزارة المستعمرات الإيطالية، إجابة لبحثها اليائس عن طريقة لإنهاء المقاومة في ليبيا والقضاء على أسطورة عمر المختار.

كتب غراسياني في برقيته،يوم 6 أبريل 1931 أي قبل حوالي ستة أشهر من إلقاء القبض على سِيدي عمر:" إنه بعد احتلال الكفرة مباشرة، ونتيجة لذلك، سوف تُهيأ الأمور لحل مسألة برقة ويمكنني الآن أن أجيب على برقية الوزارة التي أرسلت من قبل، بأن الحدود وحدها هي مفتاح المشكلة كلها ـ وأن عمر المختار سيبقى دائما بالجبل ما دامت المساعدات تصل إليه من مصر." ـ 2 ـ

لقد امتد خط الأسلاك العازل إلى أكثر من 300 كيلو متر، دون أي منفذ حدودي. وكان ثابتا وكثيف السماكة. يخضع لمراقبة شديدة مستمرة، بحيث:" لا يمكن أن يمر من الحدود لا رجل ولا جمل ولا حتى نعجة، إلا أمام مراقبتنا وسهرنا على هذه الحدود..." بتعبير الجنرال غراتسياني.

ومع بدء العمل في بناء خط الأسلاك، الذي اعتبر غراسياني استحكاماته أكثر قوة من "خط ماجينو"، باشر المستعمرون الفاشيست في تنفيذ مخططهم الرهيب لاعتقال أهالي برقة في معسكرات اعتقال جماعي، وفقاً لتوجيهات المرشال بادوليو،الحاكم العام لليبيا المستعمرة. وقد جاء بيانها في رسالته الموجهة إلى نائبه غراسياني ـ حاكم برقة،موضحا أنه لابد:"من عزل تشكيلات العصاة (يقصد المجاهدين) عن الأهالي المستسلمين وذلك بإيجاد منطقة شاسعة بما فيه الكفاية ومحددة تفصل بعضهم عن بعض. وأنا لا أخفي فداحة مثل هذا الإجراء وأهواله أو أبعاده، إذ ربما أسفر عن هلاك من ينعتون بالأهالي المستسلمين. ولكن الطريق قد تحدد لنا مسارها وعلينا اتباعها إلى النهاية، حتى لو أدى ذلك إلى فناء أهالي برقة عن بكرة أبيهم. فالمسألة الملحة الآن إذن تكمن في اقتياد جميع الأهالي المستسلمين إلى أماكن فضاء شاسعة وحشرهم بداخلها، بحيث تسهل حراستهم ويكون بينهم وبين العصاة منطقة عازلة. وبعد تنفيذ هذا الإجراء يصير التحول إلى العمل العسكري المباشر وغيره ضد العصاة." ـ 3 ـ

وبناءً على هذا المخطط الجهنمي، داهم الجنود الإيطاليون النجوع في أنحاء برقة، وساقوا الأهالي في قوافل على الأقدام، مع بعض حيواناتهم وأمتعتهم، لمسافة طويلة. بلغت 300 كيلومتر في بعض الأحيان. وكان الذين لا يستطيعون مواصلة السير، لكبر السن أو فقدان القدرة على الحركة، لشدة الجوع أو المرض، يؤخذون خارج مسار القافلة ويعدمون بالرصاص. وهكذا حتى يصلون، بعد أيام من الآلام والمرارات، إلى المعتقلات المحددة لهم. وهي ستة معتقلات جماعية رئيسة:

1ـ عين الغزالة في شرق ليبيا. ويقع بالقرب من مدينة طبرق، في منطقة صحراوية معزولة. تحيط بها مياه البحر من ثلاث جهات. وقد خصص لاعتقال حوالي 30 قبيلة من قبائل منطقة البطنان. أي ما يربو على ستين ألف نسمة، موزعين في حوالي عشرين ألف خيمة.

2ـ معتقل العقيلة. ويقع في منطقة صحراوية تبعد عن مدينة بنغازي غربا بحوالي ثلاثمائة كيلو متر. وقد ضم حوالي سبعة آلاف نسمة من أقارب المجاهدين بالإضافة إلى قبائل المغاربة التي وضعت في مكان منفصل قرب المعتقل المذكور، وضم حوالي 790 خيمة. أي بالإجمال وضع فيه نحو ثمانين ألفاً، بينما لا تتسع مساحته إلا لربع هذا العدد. وقد مات معظمهم بسبب المرض والجوع. ولم ينج منهم إلا حوالي 15 ألفا.

3ـ معتقل البريقة. ويقع بالقرب من مدينة إجدابيا. وقد ضم حوالي 36 ألف نسمة موزعين بين 2694 خيمة. وخصص لقبائل العبيدات وحدها تقريبا. وكان الموت الرهيب يحصد يوميا ما معدله 150 شهيدا،بسب التعذيب والتجويع والأمراض الفتاكة.

4ـ معتقل سلوق. ويقع على مبعدة 50 كلم جنوب بنغازي. وقد ضم حوالي ست وثلاثين ألف نسمة، موزعين بين 5393 خيمة.وخصص لاعتقال قبائل العواقير والعرفة والعبيد.

5ـ معتقل المقرون، وضم حوالي 18 ألف نسمة موزعين بين 2861 خيمة.وخصص لاعتقال قبائل الدرسة والبراعصة.

6ـ معتقل الأبيار. ويقع على بعد 50 كم في الجنوب الشرقي لمدينة بنغازي. وقد ضم حوالي 6000 نسمة.

وبالإجمال بلغ عدد المعتقلين ما يربو على مائة وستين ألف نسمة. تعرضوا خلال سنوات اعتقالهم،ما بين 1930ـ1934، لأصناف مختلفة من أعمال السخرة والتعذيب والإعدامات شنقا. وقضى الجوع والأمراض القاتلة على أكثر من ثلثيهم. وقد رد غراتسياني على منتقديه قائلاً : "لقد قررت وصممت، ولن أتراجع حتى ولو أدى هذا الإجراء إلى فناء أهالي برقة جميعهم".

والبقية الذين نجوا،بعد تفكيك معسكرات الاعتقال،خرجوا أنصاف أحياء،هزيلين،بادية عظامهم،بسبب سوء التغذية. ويعانون من أمراض خطيرة وعاهات مستديمة. علاوة على ذلك اضطر أكثر من مائتين وخمسين ألف ليبي إلى ترك بلادهم،والهجرة إلى الدول المجاورة،بسب سياسة التجويع المتعمد التي مارستها قوات الاحتلال،عبر حرق المحاصيل ومصادرة الحيوانات وتسميم الآبار.

لقد كانت حرب إبادة جماعية منظمة بغرض تفريغ البلاد من سكانها وإسكانها بالمستوطنين، المجلوبين معظمهم من جزيرة صقلية. وبغرض فرض الاستسلام على المجاهدين، بعد عزلهم عن شعبهم المعتقل. فكانوا، عندما لا يتمكنون من اغتنام المؤن من الطليان، يقتاتون على الحيوانات والنباتات البرية والأعشاب في الجبل الأخضر،كالبطوم والقعمول والكراث والخرشوف والشماري....حتى اضطر بعضهم إلى الاستسلام. وهجر الكثير منهم إلى مصر. حيث انضم معظمهم إلى قوات الجيش السنوسي بقيادة الأمير إدريس السنوسي.

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 11 فبراير 2010م .


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السادبعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home