Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الأحد 13 ديسمبر 2009

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السادبعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19

"سي" عمر المختار شيخ المقاومة الجهادية (5)

فرج بوالعَـشّة

كانت شخصية سي عمر القيادية الفذة وخططه العسكرية البارعة، تعكس انتصارات متوالية على القوة العسكرية الفاشيستية المتفوقة. وقد شهد عدوه بذلك. فالمارشال بادوليو حاكم ليبيا، ما بين 1929 ـ 1932، وصف سي عمر بأنه: «قائد محنك ومنظِّم بارع ولبق إلى أقصى حد.ونظام مخابراته الممتاز يسمح له برفض القتال عندما لا يكون متأكداً انه في صالحه.أضف إلى ذلك وجود جهاز حديدي لمكافحة التجسس لديه، وهو من النجاعة بحيث لا تروج المعلومات إلا تلك التي يريد لها هو ذلك. فهو محصن من الجانبين من هذه الناحية. وإلمامه الكامل بالأرض وطبيعتها،خاصة منطقة الأحراش الشاسعة وكهوف ومنعرجات الجبال، يُسهِّل عليه القيام بأي حركة يقررها. وأنصاره أشخاص ظلوا لا يمارسون أي حرفة أو نشاط عدا احتراف «العصيان». وأصبحوا يألفون حياة المغامرات هذه والتمرد والقتال. تحيط بهم هالة من أساطير البطولة والفداء. والأهالي منحازون الى «التمرد» ويسهمون فيه بكل الطرق،ويقدمون للعصاة وسائل العيش والقتال". ـ 1 ـ

وإذ عجز المستعمر الفاشيستي عن السيطرة على الجبل الأخضر، معقل المقاومة الحصين، عمد إلى تطويقه وقطع طرق الإمدادات إلى المجاهدين فيه ومنع تواصلهم مع بقية الأدوار الجهادية خارج الجبل الأخضر، حيث قامت آلة الحرب الفاشيستية بحملة عسكرية كبيرة في 8 فبراير 1926، لاحتلال واحة الجغبوب:"لما لهذا الواحة من أهمية كبرى،لأنها نقطة تجمع سياسي واقتصادي.وعن طريق هذه الواحة،تصل الإمدادات إلى الثوار،وكذلك التجارة مع مصر.فكان احتلالها ضروريا لكي نقطع هذه الإمدادات،ويمكننا التغلب على الثوار.وفعلا تم احتلال الجغبوب يوم 16 فبراير 1926،حيث لم تجد قواتنا مقاومة عنيفة،فقد سلم سكان الواحة.." ـ 2 ـ

وفي الواقع أن الذي سلم الواحة الاستراتيجية للطليان كان القائد السنوسي صفي الدين السنوسي،ومعه عدد من شيوخ العائلة السنوسية. فخرج منها المجاهدين بأمر من القادة السنوسيين وتركوها بدون مقاومة. فاستولى عليها الطليان، وعينوا عميلهم الشارف الغرياني شيخا للزاوية السنوسية في الجغبوب. ثم حشد الطليان قوات هائلة من ثلاثة محاور: طرابلس وبنغازي والجغبوب لمحاربة "دور" قبيلة المغاربة المنتشرة من إجدابيا حتى سرت، والتي كان مجاهدوها، إضافة إلى المجاهدين من القبائل الأخرى في المنطقة الوسطى، يحيلون دون الاحتلال وتحقيق هدفه في ما يسميه اتيلو تروتسي، والي برقة، بـ"توحيد المستعمرتين برقة وطرابلس". وهما الولايتان اللتان كانتا منشطرتين عند المنطقة الوسطى بفعل حركة المقاومة المنتشرة في تلك المنطقة، والعاملة على منع السلطة الاستعمارية من الوصل البري بين الولايتين، مما يتيح للمجاهدين في الوسط والجنوب الكر والفر على الجبهتين في الغرب والشرق، وتأمين طريق الإمدادات للمجاهدين في الجبل الأخضر. - 3 -

كانت القوات الفاشيستية تخشى مواجهة قبيلة المغاربة. فهي تشكل بالنسبة للمستعمر الإيطالي:" أكثر المخاطر إثارة للقلق وأكثر القوى جدارة بالاعتبار. فكانوا يعتبرون أشد قبلة محارِبة في برقة. ويقال إنهم في تبرمهم بالخضوع بسبب البداوة الفارطة، كان من الصعب، في كل زمن، وفي ظل أي حكم، جرهم إلى الطاعة. أما عن موقفهم نحونا، فقد تجنبوا أي اتصال غير عدائي." ـ 3 ـ لذلك حشدت السلطة الاستعمارية جيشا كبيراً، وبأساليب عسكرية غير مسبوقة، يقول عنها تروتسي: "لعلها جديدة في مجال العمل الاستعماري، ويتوقف نجاحها على التنسيق المناسب للوسائل الحربية الحديثة، أي على الطيران للقيام بمهمة الربط وعلى الراديو لنقل التعليمات، وعلى العربات للتحول السريع. مع توفر عامل التفوق في المصفحات والمدفعية المحمَّلة على العربات، التي لن يكون في وسع البدو بلوغها، بسبب قوة نيرانها." ـ 4 ـ

ويفسر سبب اللجوء إلى حشد كل هذه القوات الهائلة بأسلحتها ومعداتها الأكثر تطور في العالم، وقتها، بالقول أنه قد:" قيل، أو طاف بالفكر أن العمل العسكري بالمقارنة إلى الفاعلية الضئيلة للثوار كان أغلى نفقات مما كان ينبغي وهذه الملاحظة كما هو واضح هي ثمرة الجهل بمعنى الحرب في مستعمرة وبصفة خاصة ضد المسلمين الذين يضيف إليهم الدين مقاومة أخلاقية معنوية لا تقل بحال عن المقاومة البدنية المتمرسة بكل قوة الحياة البدوية في بلدان محرومة من كافة المصادر." ـ 5 ـ

وبينما اختار قسم من قبيلة المغاربة، المعروفين بـ"الشماخ"، الاستسلام وتسليم أسلحتهم للسلطة الاستعمارية والدخول في طاعتها، تمسك مجاهدو المغاربة بقيادة المجاهد الأسطوري صالح لطيوش بالمقاومة، واعتبروا المغاربة الشماخ خونة، والتزموا بتوجيهات سي عمر، الذي أرسل إلى قادة المجاهدين في المنطقة الوسطى، ما بين إجدابيا وسرت، يطالبهم بعدم الاستسلام ومواصلة القتال، على الرغم من رغبة الرضا السنوسي، وكيل الأمير ادريس السنوسي، في الاستسلام لسلطة الاحتلال، حيث أرسل مبعوثا، هو الشيخ عبد العزيز العيساوي، برسالة إلى والي برقة، اتيلو تروتسي، طامحاً في عنايته "الرحيمة"، كما جاء في رسالته، والتي قال فيها أيضاً :" إنني على استعداد لأن أفعل كل ما يطلب مني في سبيل تهدئة البلاد، وفي حالة عدم رغبة معاليكم في الاستفادة من عملي، فإنني أفضل التزام الهدوء، وسأمتنع عن كل ما من شأنه أن يكدر الحكومة بالقول أو العمل." ـ 6 ـ

وبعدما خاض المجاهدون في دور المغاربة مع غيرهم من الأدوار القبيلة الأخرى معارك بطولية ضد القوات الفاشيستية المتفوقة، اضطروا للانسحاب إلى دواخل الواحات النائية عن سلطة المحتل، لاسيما واحة الكفرة الكبيرة، لكنهم لم يتوقفوا عن شن هجماتهم الخاطفة على مواقع الطليان في المنطقة الوسطى.

وفي الأول من يناير 1928 جاء السيد محمد الرضا السنوسي إلى إجدابيا،ومعه ابنه الصديق ومجموعة من أعوانه، ليعلن أمام قائد المنطقة استسلامه ومعه تحت إمرته ثلاثمائة مسلح. وقد صرّح أمام القائد الإيطالي، وفي حضور بعض الشيوخ المتعاونين مع المحتل، قائلاً:" إني أثق في كرم حكومة إيطاليا وأضع نفسي وأبنائي والطريقة التابعة لي تحت تصرفها." وسوف يتعهد بالكف عن أي نشاط سياسي ضد إيطاليا،مقابل الاعتراف به نائبا للطريقة السنوسية،وبحقه في تعيين شيوخ الزوايا،والحفاظ على الزوايا السنوسية،وأن يُسمح له بالبقاء في بنغازي.لكن سرعان ما تم نفيه بعد ذلك إلى صقلية بأمر من وزارة المستعمرات في روما. والشاهد أن استسلام السيد محمد الرضا ومن معه من السنوسيين وأتباعهم من المسلحين،شكّل ضربة كبيرة لسي عمر ومجاهديه في الجبل الأخضر.

لقد كان سي عمر، رغم ولائه للطريقة السنوسية، يرفض طاعة زعمائها فيما يسيء للمقاومة. فهو وإن كان، رسميا، نائب الوكيل العام، السيد رضا السنوسي، شقيق الأمير إدريس السنوسي، فإنه لم يتبعه في استسلامه. وأصبح يوقع باسم "قائد القوات الوطنية"، وأطلق على المقاومة الجهادية تسمية الحركة الوطنية، في ربط واضح لها بمفهوم الوطنية، وذلك حتى لا تكون المقاومة خاضعة لمصالح العائلة السنوسية الخاصة،ولكي يعطي لنفسه سلطة القرار في قيادة الحركة الوطنية. وهو عندما قبل، فيما بعد، بعقد هدنة محددة والتفاوض مع السلطة الاستعمارية، فعل ذلك بطريقة مدروسة كما سنعرف تفصيله لاحقا. ولما أدرك عدم جدوى التفاوض مع المحتل أوقف الهدنة من طرفه. وقد نشر في جريدتي الإخبار والمقطم، يوم 20/10/1929، بيانا سياسيا أوضح فيه موقفه وكشف عن مراوغة السلطة الاستعمارية " من أجل كسب الوقت فقط". لذلك رأى ضرورة وقف المفاوضات العبثية، ودعا كما جاء في بيانه المنشور إلى :" استئناف القتال والحرب دون الرجوع إلى اللقاءات والمحادثات السابقة. ولا اتصالات جديدة ولا أي وساطة من أي ناحية، حتى لو كانت من أجل أفراد العائلة السنوسية." وواضح هنا استقلالية قائد القوات الوطنية عن القيادة السنوسية في اتخاذ قرار الهدنة أو القتال حسب ما تميله ظروف المقاومة وليس حسب رغبات أفراد العائلة السنوسية، كما فعل محمد الرضا وابنه الصديق ثم ابنه الحسن. فسي عمر يدرك أن الزعماء السنوسيين، نتيجة لتفريطهم بواحة الجغبوب المركزية ثم الواحات الداخلية واستسلام الرضا للعدو، مكّنوا الطليان من قطع طرق الإمدادات إلى القوات الوطنية في الجبل الأخضر من ثلاث جهات. من الشرق حيث مصر ومن الغرب حيث إقليم طرابلس ومن الجنوب حيث إقليم فزان، فانحصرت حركة المقاومة الجهادية في الشمال،حيث الجبل الأخضر. إلا أن ذلك لم يزعزع إيمان سي عمر ومجاهديه بمواصلة القتال،بل وبضراوة أقوى، مُلحقين بقوات الاحتلال خسائر متوالية في الأرواح والمعدات، علاوة على هروب الكثير من المستوطنين من مستوطناتهم الزراعية خوفا من هجمات المجاهدين. الأمر الذي كشف فشل مخططات السلطة الاستعمارية لإخماد المقاومة الجهادية، وأدى إلى استقالة وزير المستعمرات في روما ووالي طرابلس دي بونو ووالي برقة تروتسي، وتعيين المارشال بادوليو حاكما عاما لليبيا، أي ولايتي طرابلس وبرقة بعدما تمكن الجيش الاستعماري من ربط التواصل البري بين الولايتين.

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 10 ديسمبر 2009م .


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السادبعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home