Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الأحد 13 يونيو 2010

نظرية الاستغاثة بالباب العالي!

فرج بوالعَـشّة

لم تصبح معظم دول العرب الحالية ولايات تابعة للدولة العثمانية بسبب القوة العسكرية فقط. وإنما، في الأساس، بسبب قبول الشعوب العربية لحكم الإمبراطورية التركية بحسبانها حاملة لواء الخلافة الإسلامية، ومنقذاً في نظر تلك الشعوب من حكم الاستبداد المحلي والمستعمر الأجنبي. إذ إن الخلافة العثمانية أسست مجدها على فتح القسطنطينية العام 1453 ميلادي. فقضت بذلك على الإمبراطورية الرومانية الشرقية نهائياً. وصار اسم القسطنطينية (نسبة إلى الإمبراطور قسطنطين) استنبول (أي مدينة الإسلام). وبعد ذلك توجهت الإمبراطورية الإسلامية الناشئة إلى محاربة بقايا الوجود الصليبي في العالم الإسلامي (شمال إفريقيا) وقضت على الحكم المملوكي الاستبدادي في مصر والشرق العربي، وسيطرت على البحر الأبيض المتوسط. وأتوقف هنا عند رواية تاريخية نموذجية للدور التركي الإنقاذي حيال بلادي ليبيا التي خضعت للاستعمار الصليبي بسيوف الأسبان العام 1510. ثم منحها إمبراطور الإمبراطورية الرومانية لفرسان القديس يوحنا (فرسان مالطا) العام 1530. كانت ليبيا، كغيرها من الأمصار العربية، تعاني فائض الضعف والهوان. وعندما وقع تنازع على السلطة بين حاكم طرابلس وابنه، ذهب الأخير إلى الأسبان يستنجد بهم على أبيه. وتقول الأخبار القديمة: إن سفن التجار الصليبيين رست في ميناء طرابلس قبيل الغزو:" موسوقة بأنواع البضاعة، وفيها من كل نوع كثير. فتقدم إليهم تاجر من تجار المدينة فاشترى جميع ما فيها من سلع ونقد لهم ثمنها. واستضافهم رجل آخر وصنع لهم طعاما فاخرا وأخرج ياقوتة ثمينة فدقها دقا ناعما بمرأى منهم وذرها على طعامهم. فبهتوا من ذلك. فلما فرغوا قدم إليهم دلاعا "بطيخا". فطلبوا سكينا لقطعه فلم يوجد في داره سكين وكذا دار جاره إلى أن خرجوا إلى السوق. فأتوا منه بسكين. فلما رجعوا إلى جنوة سألهم ملكهم عن حالها. فقالوا : ما رأينا أكثر من أهلها مالا وأقل سلاحا وأعجز أهلا عن دفاع عدو."

ولم يكن من منقذ لأهل طرابلس المستعمرة إلا الباب العالي، حيث وجه إليها أعيانها وشيوخها نداء استغاثة. فلبى السلطان سليمان القانوني نداءهم. فشنت القوات العثمانية هجوماً مزدوجاً (كماشة) على طرابلس من البرّ والبحر. قاد الهجوم البرّي والي مصر سنان باشا من جهة شرق ليبيا (برقة) التي كانت ملحقة بمصر التابعة للسلطنة العثمانية. وقاد الهجوم البحري الأميرال طرغوت باشا. ولم تستغرق الحملة سوى أسبوع واحد حتى تم طرد صليبي فرسان القديس يوحنا لتصبح ليبيا ولاية إسلامية تابعة لإمبراطورية الخلافة العثمانية لقرابة أربعة قرون. وبغض النظر عن تاريخ المظالم والتخلف الذي انتهت إليه الخلافة العثمانية، فإن المغزى من الرواية التاريخية هذه مقاربة صورة تركيا المُنجدة التي تبدو عليها اليوم في عيون العرب وقلوبهم. صورة تركيا تحت حكم "العثمانيين الجدد" بزعامة "الخليفة" أردوغان.!!

صحيح أن أردوغان ليس صورة عن محمد الفاتح (فاتح القسطنطينية). ولا سليمان القانوني، أو سليمان العظيم كما كانوا يسمونه في أوروبا. ففي سنوات حكمه (46 سنة) سيطرت جيوشه على دول البلقان ومعظم أراضي مملكة المجر حتى توقفت عند أبواب فيينا العام 1529. وسيطرت أساطيله العثمانية على البحر الأبيض والبحر الأحمر. وفي عهده باتت مقدسات المسلمين في مكة والمدينة والقدس آمنة من أي غزو صليبي طوال أربعة قرون. وعندما بدأت دولة الخلافة العثمانية في التفكك ثم الانهيار، وقع العالم العربي في قبضة الاستعمار الأوروبي بوجهه الصليبي الحديث. واليوم واقع العرب لا يختلف، في الجوهر التاريخي، عن واقع ضعفهم وهوانهم القديم. لدينا الاستعمار الغربي بوجهه اليهودي الصهيوني والاستعمار الأمريكي بوجهه الإمبريالي المتصهين، أكان عسكريا مباشرا كما في العراق أو بالهيمنة السياسية غير المباشرة. ولدينا مستبدون محليون أين منهم المستبدون المماليك. فسلاطين المماليك لم يكونوا عملاء للمهيمن الأجنبي على الأقل. فقد صدوا المغول وطردوا الصليبيين. السلطان المملوكي (الملك الظاهر ركن الدين بيبرس) قضى على الحملة الصليبية السابعة وأسر قائدها (الملك الفرنسي لويس التاسع) ولم يطلق سراحه إلا بعدما تعهد رسميا ألا يطأ بجيوشه الشواطئ الإسلامية مرة أخرى. السلطان المملوكي (الملك المظفر سيف الدين قطز) واصل الحرب الجهادية ضد الصليبيين وهو الذي قضى على زحف المغول في معركة عين جالوت العام 1260، ووحد مصر والشام. والسلطان الأشرف خليل أكمل مهمة طرد الصليبيين نهائيا من المشرق العربي.

إن تركيا اليوم ليست الخلافة العثمانية بالأمس. لكنها بقيادة أردوغان وحزبه الحاكم (حزب علماني ديمقراطي بروح إسلامية) تتموضع جيوبولتيكيا في هيئة دولة إقليمية كبرى، لها قوتها الإستراتيجية (الصلبة والناعمة) ملموسة ومحسوبة: اقتصاديا وعسكريا وسياسياً وثقافياً. مع الأخذ بالحسبان علاقتها الإستراتيجية الوثيقة بالحلف الأطلنطي، وعلاقتها الإستراتيجية التي كانت وثيقة بإسرائيل. لكن ذلك لم يمنع تركيا/أردوغان من توثيق علاقاتها بالعالم العربي (سوريا كنموذج) والعالم الإسلامي (إيران كنموذج) واعتبار حماس حركة مقاومة مشروعة دون أن تعير وزناً لاعتراضات إسرائيل وأمريكا، كما يفعل طغاتنا العرب. ثم والأهم أن الموقف التركي الرافض للعربدة الإسرائيلية لا يمثل موقف أردوغان أو حزبه الحاكم، إنما يمثل موقف الشعب التركي الذي يملك إرادته الديمقراطية في تقرير سياسة بلاده الخارجية. حتى أن الأحزاب العلمانية المعارضة أظهرت مواقف أكثر تطرفا في المطالبة بمعاقبة إسرائيل في مزايدة واضحة على حكومة حزب العدالة والتنمية، لإدراك هذه الأحزاب الأتاتوركية، رغم صلتها الوثيقة بالصهيونية، أن وصولها إلى السلطة، أو حتى المحافظة على مستوى حضورها في البرلمان، يفرض عليها مسايرة الرأي التركي العام، حيث أصبحت دماء الأتراك شهداء سفينة "مرمرة" عنواناً لمعاداة الشعب التركي للدولة الصهيونازية.

لقد خسر العرب والمسلمين قوة تركيا الوازنة خلال عهد "الخليفة" العلماني أتاتورك وخلفائه العلمانيين من بعده. لكنها ها هي في عهد أردوغان "خليفة" الإسلام السياسي العلماني تعود لتتأصل في هويتها التأسيسية بما هي دولة ديمقراطية علمانية بروح إسلامية. بحيث تبدو الحقبة الأتاتوركية كأنها تحول استثنائي مؤقت عن الصيرورة التاريخية التي تحكم الأمة التركية بما هي أمة مسلمة بالدرجة الأولى. فهل يمكن للعرب اليوم الاستغاثة بالباب التركي العالي لردع العربدة الإسرائيلية ودعم الفلسطينيين مثلما استغاث الأسلاف ببابها العثماني العالي.؟! يمكن ذلك بمعنى التعويل السياسي على مكانة تركيا المؤثرة إقليمياً ودولياً. طبعاً لا يطمحن أحد أن يقود أردوغان أجناد الأتراك ليحرر القدس من بني صهيون، أو ليخلصنا من مستبدينا المحليين. تكفي مواقفه السياسية الفعالة. (قيل في الإعلام إن أردوغان ينوي قيادة أسطول سفن مساعدات لاختراق حصار غزة، محمية بسفن حربية تركية ترفع علم حلف الناتو... وإذا حدث ذلك حقا، حتى بدون قيادة أردوغان، فسيكون تعبيرا سياسيا رمزيا شديد الجرأة عن معنى تركيا المُنجِدة..!!)

إن المغزى المراد من وراء حكاية تركيا العثمانية، المُنجِدة للعرب والمسلمين يجد معناه، اليوم، في الموقف التركي المناصر، قيادة وشعبا، للقضية الفلسطينية. من حيث هو موقف أمة قومية (طغرانية) لها عِزَّة الجانب منعة وقوة، ومتشبثة بهويتها الإسلامية، وقائمة على ديمقراطية عصرية . مقابل أنظمة عربية ذليلة صاغرة، تراضي إسرائيل مرضاة لأمريكا على حساب كرامة شعوبها، العاجزة عن تحرير نفسها بنفسها من مستبديها، لذلك وجدت في أردوغان مثالها المفقود للزعيم المنشود. فهو مُنتخب بإرادة شعبية ديمقراطية. يعبر عن كبرياء بلاده وكرامة شعبه، بالمواقف الملموسة وليس بالأقوال الفضفاضة. إن إسرائيل التي اعتادت على قتل العرب دون أن يطالها من حكامهم ما يشينها اللهم بيانات الشجب والتنديد الأرخص من ورق التواليت، تجد نفسها، بعد مذبحة السفينة "مرمرة"، تقاسي من خسارة إستراتيجية خطيرة. بمعنى خسارتها لتركيا كحليف إستراتيجي يأتي ثانياً في الأهمية بعد الولايات المتحدة. إن تركيا ليست مثل الأنظمة العربية خدا صاغرة للصفعات الإسرائيلية. فهي لن تسكت عن دماء أبنائها. ولن تدير ظهرها لأهل غزة المحاصرين من العدو والشقيق. وهي تربط تطبيع علاقتها مع إسرائيل بقبول الدولة العبرية تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة تابعة للأمم المتحدة بخصوص الهجوم على سفن أسطول الحرية، ورفع الحصار عن غزة. بفضل تركيا بالدرجة الأولى ها هي إسرائيل معزولة ومفضوحة من شعوب العالم. كذلك هم معزولون ومفضوحون هؤلاء الذين انحازوا إلى الأعداء .

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 10 يونيو 2010م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home