Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


Faraj Abul-Asha


Monday, 13 February, 2006

ماذا يفعـل المهانون في المرات القادمة؟!!

فرج أبوالعـشة

أتفهم تماماًغضب المسلمين لنبيهم. أما هبة معظم الأنظمة العربية المفاجئة، فليست إلا مزايدة على شعوبها في الذود عن حياض النبي. وجملة الأمر أن نشر الرسوم الساخرة، باسم "قدسية" حرية التعبير الغربية، لم يكن المعني به اختبار مدى حريتها، التي لم تكسب شيئا، اللهم إذا كان القصد تهييج روح صراع الأديان والثقافات، من خلال تعمّد الإساءة إلى الإسلام ونبيه لأسباب عنصرية. فقد ثبت الآن أن حرية التعبير التي تذرعت بها الصحيفة الدنماركية التي كانت أول من نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد، لم تكن سوى عذر أقبح من الذنب. إذ كشف رسام الكاريكاتور الدنماركي، كريستوفر زيلر، أن الصحيفة التي كانت أول من نشر رسوما مسيئة للنبي محمد، سبق أن رفضت له، من قبل، رسوما للسيد المسيح باعتبارها مسيئة بدرجة لا تسمح بنشرها. وقال زيلر:"رسوماتي التي لم تغضب بالتأكيد أي مسيحي عرضتها عليه.. رُفضت لأن رئيس التحرير اعتبرها مسيئة للقراء.. القراء بشكل عام وليس بالضرورة المسيحيين."

لكن لماذا اتخذت الغضبة الإسلامية هذا الحجم الشعبي والرسمي، غير المسبوق؟!لقد تعرض نبي الإسلام ومقدساته، منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر تحديدا، للإساءة، بأشكال لا تقل شناعة. المتطرفون اليهود في إسرائيل كتبوا على ظهر خنزير اسم النبي محمد وأطلقوه في القدس الشرقية. والخنزير الصهيوني شارون، بجثته المتهدلة بالشحوم، دنس مسرى النبي، بنعليه القذرتين، دون أي غضب يذكر، اللهم أحذية مصلي المسجد الأقصى. وبعض التظاهرات الشعبية التي ظهرت في بعض العواصم العربية. ثم ما لبثت أن احتجبت، بلا أي تأثير، وهو ما جعل الإسرائيليين والأمريكيين يقتنعون بأن غضب الشارع العربي، والإسلامي عموما، مجرد فشة خلق، أو طلقة ريح للتنفيس عن معدة متلبكة!!

فلماذا الآن؟!هل لأن الرسوم ظهرت في الدنمارك، الدولة الصغيرة البعيدة في خاصرة الدائرة القطبية؟!أم لأن ما ارتكبته الصحيفة الدنماركية هو القشة التي قصمت ظهر البعير؟!البعير حامل مخزن التغذية الروحية العاطفية لمليار مسلم ونَيْفٌ. المسلمون الواقعون تحت ضغط المهانات والانتهاكات المتواصلة، في عيشهم ومشاعرهم، من المهيمن الأجنبي.

إن الدفاع عن هوية الذات الدينية والثقافية حق مشروع ولا شك. لكنه قد يصبح دفاعا ضارا بها، إذا ما تحول إلى فعل انفعالي دهمائي، يعبر عن عقد نقص جمعية، منفلتة خارج مدار المنطق العقلاني، القائم على سوية الثقة في النفس، في تقدير الموقف، وتقييمه، وإصدار الحكم عليه، متخلصة من عقدة الضحية، إلى درجة مناشدة وزير الداخلية السعودي بابا الفاتيكان التدخل من أجل وقف وباء انتشار الرسومات، وكأن الكنيسة تحكم الغرب.

إن غضبة عوام المسلمين مفهومة إذا حُملت على ردة فعل جماعي عقلاني، يدرك أصحابه كيف يمارسون احتجاجهم بشكل يليق بقيم الإسلام الحضاري. إسلام ابن رشد وليس إسلام الزرقاوي. أي يحق للمسلمين أن يحتجوا ويتظاهروا، ويقاطعوا، ليس فقط منتجات الدنمارك، بل وحتى كل دولة أعادت وسائل إعلامها نشر الرسوم نفسها. وإذا كان رأس الدولة الدنماركية، لا يمكن له أن يعتذر نيابة عن صحيفة تتمتع بـ"مقدس" حرية التعبير. فإن من حق المسلمين الدفاع عن مقدسهم بمقاطعة منتجات الدنمارك، وإلحاق أضرار اقتصادية فادحة باقتصادها. وهو حق يكفل لهم "فاتيكان" الرأسمالية المتوحشة، المتمثل في منظمة التجارة العالمية!!

لكني أجد نفسي أتوقف عند النفاق الإسلامي، الرسمي والشعبي، الذي يتبدى واضحا، عندما تُختزل الغضبة في دولة الدنمارك، التي حاولت أن تعتذر بطريقة لا تمس تمسكها بـ"حرية التعبير". وجوهر هذا النفاق هو تحويل الدنمارك إلى كبش محرقة. بالسكوت عن دول أخرى، النرويج ـ فرنسا ـ ألمانيا ـ سويسرا ـ هولندا ـ أسبانيا.. وصولا إلى نيوزيلاندا، التي نشرت صحفها الرسوم بتحدٍ مبدئي صريح، رافضة فكرة الاعتذار أو التأسف، على أساس أنه لا يمكن لها أن تعتذر عن حرية مُنحت لها. فهل نعتبر الصحف التي أعادت النشر مجرد ناقلة للخبر. وناقل الكفر ليس بكافر!!

لا شك أن مبدأ "حرية التعبير" مكسب إنساني عظيم. لكن يصبح ضارا عند تحويله إلى مقدس معبود. طوطم برجوازي من مال وربا، بالطريقة نفسها التي كان عرب ما قبل الإسلام يصنعون بها آلهة من عجوة التمر ويأكلونها عندما يجوعون. وكم كان الصحفي الإنجليزي النزيه، روبرت فيسك، محقا، عندما كتب:"في الدانمارك، السيد فليمنج روز محرر الصفحة الثقافية في الجريدة الحقيرة التي نشرت الرسومات البلهاء الساذجة، يزعق: إننا نعيش اليوم "صدام حضارات" ما بين الديمقراطيات الغربية والمجتمعات الإسلامية!! بحق السماء!إن ما نراه ليس "صدام حضارات" بل " صبيانية حضارات".

وأعلنت صحيفة الجارديان، في افتتاحيتها، أنها:"تؤمن، وبكل صرامة ووضوح، بحرية التعبير، ولكنها لا تؤمن بضرورة الإساءة إلى الآخرين بدون سبب وجيه. إعادة نشر هذه الرسومات هو تحريض صريح، لا قيمة له، بل إن الصحف التي تعيد النشر تطرح أسوأ الأفكار المسبقة والمتحيزة ضد المسلمين... " ولذلك لم تشارك الصحافة البريطانية، وكذلك الأمريكية، في ممارسة دعارة "حرية التعبير". إذ أن "مقدس" حرية التعبير، في الغرب، يتوقف عن العمل عندما يطول التعبير، كلمات أو رسوما ساخرة، تابواتهم الخاصة. حيث لن يجرؤ رسامو الكاريكاتور، الذين سخروا من النبي محمد، باسم حرية انتهاك التابوات، أن يرسموا ملكة الدنمارك، المعروفة بمعاداتها للإسلام، وهي في حال غير محمود، على سبيل المثال. أو أن يتهكموا على "مقدس" الهولوكوست اليهودي. إذ لو نشروا رسما كاريكاتيريا، يمثل، كما يرى روبرت فيسك: "حاخاما يهوديا يرتدي قبعة على هيئة قنبلة بدلا من النبي محمد، لصمّوا آذاننا بالصراخ والتحذير من "معاداة السامية"..."

لو فعلوا ذلك لاعتذرت الملكة وزوجها وأفراد عائلتها فردا فردا. ولاعتذر رئيس الوزراء، ووزراؤه، فردا فردا. ورئيس البرلمان والنواب، فردا فردا. ورئيس تحرير الصحيفة ومحرروها والعاملون فيها، فردا فردا. وبقية رؤساء الصحف ومحرريها والعاملين فيها، فردا فردا. أما ما دام الأمر يمس المسلمين ونبيهم، فإن "حرية الرأي" تصبح المقدس الأعلى، الذي لا يمس.

إن المسلمين مدعوون أن يعبروا عن احتجاجهم بطريقة تليق بأخلاق نبيهم، وقيم إسلامهم الحضاري. لذلك ينبغي ألا يتحول غضبهم المشروع إلى انفعالات عاطفية هوجاء، تبرر قتل الآخر لمجرد أنه أحد مواطني الدول التي تُشر فيها الرسومات المهينة. أو ربما لمجرد أن بشرته بيضاء، أو ديانته مسيحية، حتى لو كان عربيا!!

المسلمون مدعوون إلى عقلنة الغضب، وعدم الإنجرار إلى مستنقع "صراع الحضارات". لأن مشروع صراع الحضارات، رغبة صهيونية صرفة، وجدت لها هوى عند المسيحية الصهيونية الأمريكية.

faragasha@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home