Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الأحد 13 فبراير 2011

عن مصر ومتلازمة تونس

فرج بوالعَـشّة

1

من تونس بلون اللهب، حيث كانت النار على بوعزيزي ثورة وخلاصاً. من اللهب أنبثق بوعزيزي شاعلاً غضبه الناري في وجه النظام الطغياني على رؤوس الأشهاد.
بوعزيزي غير قابل للاستنساخ الميكانيكي. تشبّه بفعلته بضعة بؤساء في بعض مضارب العرب. فأنتهوا حالات معزولة في أقسام الحروق بالمستشفيات العامة. بو عزيزي أشعل النار في جسده في اللحظة التي كان الشعب التونسي قابلا لإشعال غضبه المكتوم قهراً ومهانة لسنين طويلة.
خصوصية فعل بوعزيزي أن النار التي أشعلها في نفسه أشعلت حالة ثورية شعبية على الفور. وفيما كان يحتضر في أقمطة الحروق حضر إليه الديكتاتور بنفسه. وقف على سريره ممثلا دور الزائر المواسي بينما كان يلعن في سره ذلك البائع المتجول الذي أحرق نظامه. لقد مجّدت ثورة التوانسة بوجه بوعزيزي الطالع من اللهب. وتمجد وجه "منوبيا" أمه التونسية البسيطة الطيبة وهي تغرق حزنها في ملابس ابنها الفقيرة لتشم رائحة غيابه. أو هي تزور قبره وتناجيه بلغتها المؤمنة:" السلام عليك يا محمد يا وليدي.. الله يرحمك. رحمة الشهيد. راك فتحت الأبواب يا وليدي."

2

أشعل عدة مصريين النار في أنفسهم. لكن المصاروة لم يكونوا في حاجة لتقليد فعل بوعزيزي. فهم، عكس التوانسة، اعتادوا الخروج والتظاهر ضد النظام وإن بأعداد ضئيلة. انتزعوا بصلابة نضالهم استقلالية التشكل في تنظيمات وجمعيات اجتماعية ووسّعوا من هامش حرية التعبير في الصحف المعارضة والمستقلة، وهو ما لم يكن ليحلم به التوانسة في زمن البلطجي بن علي. لكن الذين انتظروا، وأنا منهم، حدوث ثورة العرب الديموقراطية الأولى في مصر، فوجئوا بها تحدث في تونس. فكان التوانسة رواد ثورة العرب الأولى لنيل الاستقلال الثاني من أنظمة الاستبداد والتبعية. لتغدو مصر محط توقعات المحللين والنشطاء المعارضين أن تكون التالية. ظهر كتبة النظام المصري في صحفه "القومية" وتلفزاته الخشبية يتبجحون بأن مصر ليست تونس. لكن لم يمض على هروب بن علي سوى أيام عشرة أيام حتى شبت نار البوعزيزي في أرواح شبيبة مصر. شبيبة عصرهم: الجزيرة والفيس بوك والتويتر، حتى أنهم أخذوا عن شبيبة تونس بعض شعاراتهم وأبرزها: الشعب يريد إسقاط النظام. هذا هو العنوان. عنوان ثورة شبيبة تونس كما هو عنوان ثورة شبيبة مصر.. وما بعدهما من ثورات شبيبة العرب المتوقعة في مضارب الاستبداد والتبعية المتبقية.

3

لقد اكتسبت ثورة التوانسة صفة المتلازمة (syndrome). بمعنى تلازم مؤشرات حالتها في حالة الثورة المصرية (القائمة). فكما ثورة التوانسة لم يحرك ثورة المصاروة الفقر والبطالة والفساد فقط، إنما يتأصل محركهما، في جوهر الفعل الجماعي، ومرامه استحقاق إرادة الشعب الحرة في تقرير مصيره السياسي على دعامتي الديموقراطية والعدالة الاجتماعية. هذا هو القاسم المشترك بين الثورتين. وكل ثورة عربية قادمة. إنه فعل خلاصي للفرد ـ الجماعة ـ الوطن. لذلك لم تجد الطاغية التونسي نفعاً وعوده الوردية للتوانسة بأنه فهمهم وسوف يلبي مطالبهم. كما لن يجدي الطاغية المصري نفعاً تقديم التنازلات (الفلهوية) على شاكلة عدم ترشيح نفسه أو ابنه وتغيير الحكومة وتعيين نائب والدعوة للحوار.... فهي تنازلات، في نظر الثوار الشباب، ما دون مطلب الشعب بكثير. إذ أن الشعب يريد يريد إسقاط النظام. وإذا الشعب يوماً أراد الثورة فلابد أن يسقط الطاغية.

4

عندما شاهدتُ على شاشة "الجزيرة" المقر الرئيس للحزب الوطني الحاكم يحترق أتضح لي أن النظام احترق معه. وأصبح مسألة هروب الطاغية خبراً متوقعاً على العاجل. لكن مبارك، رغم تبخر جيوش أمنه المركزي من المشهد العام ونزول الجيش إلى الشارع، ظل متشبثاً بعرشها الرئاسي في عناد فرعوني علّ وعسى أن يتمكن نائبه، عن طريق مفاوضة وجوه معارضة وتشكيل لجان للتغيير ووعود خلابة وتخويف من الفوضى، من تعويم الثورة الشعبية بعد تييس المتظاهرين من مطلب تنحي مبارك. وذلك ما أدركه شباب ثورة 25 يناير ومعهم الشعب الذين ردّوا بقوافل التظاهرات المليونية:" مش هنمشي هو يمشي". عمليا أدرك مبارك أنه أنتهى منذ 25 يناير. لكنه راهن (ولا يزال) على بيروقراطية دولة الاستبداد الفرعوني مدعوماً بمسايرة الجيش المصري لـ"شرعيتـ"ـه كرئيس وقائد أعلي للقوات المسلحة. وكان واضحا من الصور التي بثه التلفزيون المصري من قاعة المجلس في مركز عمليات القوات المسلحة كم هو حسني مبارك ضعيف ومنهار يكاد يسنده نائبه المستحدث الذي هو الرئيس الفعلي لسلطة الأمر الواقع القائمة فقط بفعل وقوف المؤسسة العسكرية إلى صفها. إن مبارك ونائبه فاقدان للشرعية التي باتت منذ 25 يناير شرعية ثورية بيد الشعب. حيث ميدان التحرير البرلمان الشرعي لثورة الشعب المصري. والشعب يريد ليس فقط إسقاط الرئيس وإنما إسقاط النظام معه.... فهل ينجح حسني مبارك المستتر وراء نائبه سليمان في البقاء على كرسيه حتى سبتمبر القادم محصناً بجيش الطنطاوي المداهن وإعلام الفقي المنحط؟!... هل يمكن تصور استمرار وجود حسني مبارك في المشهد السياسي ولو في صيغة تفويضه لسلطاته إلى نائبه حتى نهاية ولايته في سبتمبر القادم.؟! إنه، في رأي، تصور بغيض. لأن ذلك يعني فشل ثورة مصر في إسقاط الرئيس وبالتالي نظامه بارادتها وليس على طريقته بعدم ترشيح نفسه لولاية أخرى.....

farag-asha@hotmail.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الجمعة 11 فبراير 2011 .




Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home