Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


Faraj Abul-Asha


Thursday, 8 December, 2005

حقيقة الحقد الأمريكي عـلى الجزيرة!!

فرج أبوالعـشة

لماذا كل هذا الحقد البوشي عـلى قناة الجزيرة؟!

أهو، فقط، لأن «الجزيرة»، حسب الاحتجاجات العلنية لكبار أركان الإدارة، تبث بيانات بن لادن والظواهري، وغيرهما من عناصر «القاعدة»، وجماعات «المتمردين» في العراق. وتعرض صور الجنود الأمريكيين القتلى؟! أم أن هناك أسبابا خفية، أعمق وراء هذا الحقد؟!

تسجل الوثيقة، التي تحدثت عنها صحيفة الدايلي ميرور، حديثا دار بين بوش وبلير، أثناء زيارة الأخير إلى البيت الأبيض، يوم 16 أبريل 2004، في أعقاب فشل الحملة العسكرية الأمريكية في القضاء على المقاومة، في مدينة الفلوجة، بعدما دُمرت مبانيها، وقُتل المئات من سكانها الأبرياء.. وكانت «الجزيرة» هناك، في الفلوجة المحاصرة، بين الناس، تكشف، بالصورة الصادقة، التي لا تكذب ولا تتجمل، وبتقارير أحمد منصور الجريئة، حقيقة الحرب الأمريكية على العراق في الفلوجة، ومنها، نقلت «الجزيرة» للعالم وقائع المذبحة المخفيّة:مئات القتلى من المدنيين العراقيين، نساء وأطفالاً، بأجسادهم المحروقة وأشلائهم الممزقة. وعشرات المساجد المدمرة، في مدينة المساجد. وبقدر ما ازداد غضب العرب والمسلمين على أمريكا، بقدر ما ازداد غضب الإدارة الأمريكية على «الجزيرة»، حتى أن كولن باول استغل لقاءه مع وزير الخارجية القطري، ليتحدث عن الموقف الأمريكي من المحطة، معتقدا أنه قد ينجح في جعل الجانب القطري يتدخل، بنفوذه، لكبح حرية «الجزيرة» في حدود ترضي البيت الأبيض، قائلا، عقب اللقاء: «إن الصداقة بين البلدين تسمح لنا ببحث القضايا الصعبة التي تعترض علاقتنا مثل مسألة تغطية الجزيرة».

لكن الجزيرة استمرت في سياستها الإعلامية، المبنية على مبدأ: «الرأي والرأي الآخر»، لتستمر ثقة المشاهدين العرب فيها، واحترام المراقبين الأجانب الموضوعيين لها، بينما استمر رموز الإدارة الأمريكية في التهجم عليها، بلغة اتهامية عصبية. فنجد ريتشارد باوتشر، الناطق باسم الخارجية الأمريكية، يشير إليها بين وقت وآخر، على أساس أنها «تروج» لأفكار بن لادن والقاعدة، وتبث، باستمرار، معلومات «خاطئة.. ومؤججة للمشاعر». واعتبرها وولفوويتز محرِّضة: «على العنف ضد القوات الأمريكية من خلال أنبائها الكاذبة المتحيزة». ولم يتورع الناطق، باسم القوات الأمريكية في العراق، عن التهجم على شخص أحمد منصور، بعدما ذكره بالاسم، واصفا تقاريره، من الفلوجة، بأنها مجرد أكاذيب. كما عبر رامسفيلد في عدة مؤتمرات صحفية، عن حقده على «الجزيرة» بطريقة عصبية: «أستطيع أن أؤكد أن ما تقوم به الجزيرة هو عمل شرير، غير دقيق، ولا عذر له. ما تقوم به «الجزيرة» مشين» على حد تعبيره.

لم تكن احتجاجات أركان الإدارة الأمريكية معنية بموضوعية الإعلام، لا من قريب ولا بعيد. كانت، في الواقع، تعبيرا انفعاليا عن عداء السيد بوش ورجال إدارته للحقيقة، ولأنهم يخشون من تصاعد ضربات المقاومة، وتزايد مشاعر الغضب في العالم العربي والإسلامي، وفي العالم أجمع.

بوش إذن لم يكن يمزح عندما أعرب لصديقه العزيز توني عن رغبته في قصف مكاتب الجزيرة في الدوحة وأماكن أخرى، إلا أن توني، حسب الوثيقة، حاول أن يثني صديقه جورج عن الأمر.

والسؤال: هل كان الرئيس بوش يرغب في إلغاء «الجزيرة» من الوجود لمجرد أنها تبث صورا وبيانات «غير دقيقة» أو «محرّضة على العنف»؟! أم أن المشكلة أعقد من ذلك بكثير؟!

في ظني أن مشكلة أمريكا، مع «الجزيرة»، أبعد من ذلك. «الجزيرة» قناة عربية حرة، يتابعها أكثر من خمسين مليون مشاهد عربي من الخليج إلى المحيط، وكذلك ملايين المهاجرين العرب في العالم. وقد فضّلها مشاهدوها على غيرها لأنها تنحاز إلى الحقيقة، التي تزعج أمريكا وأنظمة الاستبداد العربية الخانعة لها، في الوقت نفسه. «الجزيرة» تنقل الخبر، والرأي والرأي الاخر، على قاعدة أن ناقل الكفر ليس بكافر. فهي مثلما تبث بعض بيانات أسامة بن لادن والظواهري، وغيرهما، من المعادين لأمريكا ، تبث، بمساحات أوسع بكثير، وفي نقل مباشر، خطب الرئيس بوش وكبار معاونيه. كما تستضيف في برامجها العديد من المحافظين الجدد المتصهينين.

وإذا كان بن لادن إرهابيا في نظر الأمريكيين، فإن بوش إرهابي أيضا في نظر معظم العرب والمسلمين. فكيف تصبح «الجزيرة» موضوعية، عندما تغطي أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتعرض صور الضحايا الأمريكيين، لكنها عندما تنقل صور ضحايا الإرهاب الأمريكي من المدنيين الأفغان والعراقيين، تكون محطة «مؤججة للمشاعر» و«محرضة على العنف».

وإذا كانت «الجزيرة» تبث صور المخطوفين الأجانب، فإنها تقوم، في الوقت نفسه بدورها الإعلامي الإنساني، في إنقاذ حياتهم من خلال إعطاء مساحات بث وافية لعائلات المختطفين وأقاربهم كي ينقلوا نداءاتهم إلى الخاطفين من أجل إطلاق سراح مخطوفيهم.

إن مشكلة أمريكا مع الجزيرة، هي تعبير إعلامي مكثف عن مشكلتها التاريخية البنيوية القديمة مع العرب. فمنذ صعود الهيمنة الأمريكية، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، مع انكماش الهيمنة الفرنسية، وتراجع هيمنة الإمبراطورية البريطانية، على الشرق الأوسط، ، تعاملت أمريكا مع العالم العربي على أساس أنه تركة استعمارية آلت إليها دون تكاليف، عسكرية أو مالية أو سياسية، تُذكر. وهو ما جعل الرؤساء الأمريكيين، من روزفلت، أول رئيس أمريكي يجتمع مع الملك السعودي والملك المصري، العام 1945، واصفا الملك عبدالعزيز بـ«المتوحش النبيل» وكأنه زعيم قبيلة هنود حمر، على حد تعبير محمد حسنين هيكل، إلى بوش الابن، الذي لم يزر أي بلد عربي غير مستعمرته القائمة على أنقاض العراق المحتل، جميعهم تعاملوا مع معظم الحكام العرب على أنهم كمشة ملوك وسلاطين وشيوخ ورؤوساء طيعين يتحكمون في شعوب طائعة. وبالتالي فإن المصالح الأمريكية، في البلاد العربية، محفوظة ومحروسة منهم، دون أن تتأثر بالانحياز الأمريكي الصارخ لإسرائيل. وعندما تم تحييد مصر وإخراجها من معادلة الصراع العربي-الصهيو أمريكي، كان من الطبيعي أن تؤكد أمريكا تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل، وتعززه أمتن فأمتن، لا سيما وقد ترسخت سيطرتها على إرادة معظم الأنظمة العربية، بشكل أكثر إحكاما، بعد مغامرة صدام المجنونة في احتلال الكويت. ولم يكن مؤتمر مدريد لـ«السلام» إلا ضحكا على ذقون العرب منقولا Live. كانت نتيجته جر القضية الفلسطينية إلى «أوسلو». وتوقيع معاهدة «وادي عربة» التي كانت الأسرة «الهاشمية» متلفهة للتوقيع عليها من أيام الجد عبد الله!

وسواء بالأمس، أو اليوم، لم يكن الأمريكيون، يلقون بالا يُذكر لإمكانية نزوع الشعوب العربية إلى التمرد على أنظمتهم المستبدة، من جهة، والخروج إلى مجاهدة التحالف الصهيوني الصليبي، من جهة أخرى. كما أن الأمريكيين لم يتوقفوا أمام المغزى التاريخي الاستراتيجي لمشهد هزيمة أجناد يهوه في جنوب لبنان في مايو 2000، وهروبهم المخزي هروب الجبناء في الليلة الليلاء!

وجريا على ذلك لم يكن للأمريكيين أن يفهموا، أو أنهم لم يريدوا أن يفهموا، لماذا قام 19 شابا سعوديا بما سموه: «غزوة منهاتن». وتماديا في عدم الفهم، أو ربما هي رغبة في عدم الفهم، أشهروا سؤالهم المفتعل: «لماذا يكرهوننا؟»! وكأنهم شعب من الملائكة، مطلوب، من الشعوب الأخرى أن تموت في حبهم، بلا ولا شيء على رأي زياد رحباني!!!!

لقد أصبح من الواضح أن مخطط غزو العراق كان جاهزا، في أجندة المحافظين الجدد، قبل سنوات من إيصال بوش الصغير إلى البيت الأبيض، بواسطة صُناعه، من أمثال تشيني ورامسفيلد و ولفوفيتز وريتشارد بيرل، وغيرهم من سدنة المحفل الصهيوني. وإذ فجأتهم، أو ربما لم تفاجئهم تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، طوروا غزو أفغانستان ليشمل غزو العراق، على أن تتكفل الأكاذيب بصياغة الأسباب والذرائع.

كان بوش دبليو ودهاقنته من المحافظين الجدد وكهنة المسيحية المتصهينة، واثقين، أن ما يرغبون في أن يكون سيكون. أي أنهم سيغزون العراق ويحتلونه ثم يشكلونه حسب الموديل المُعد سلفا، حتى أنهم حضّروا زجاجات الشمبانيا ليوم النصر الوشيك.

ووفق هذا التصور الرغبي، أمر بوش دبليو بإطلاق ما في جعبة الأساطيل والطائرات الأمريكية من صواريخ وقنابل فتاكة. ثم حرك جيوشه عبر أراضي العرب لتغزو أرضا عربية. كان أبو رغال متوفرا في نسخ عديدة. وكان الأمريكيون والبريطانيون ومن لف لفهم ، واثقين، على نحو مفرط، أن العراقيين سيستقبلون أجنادهم الغزاة بالورد والياسمين. وقد تابعت، في أيام الحرب الأولى، تركيز محطات التلفزة الأمريكية، المبالغ فيه، على إظهار صور الجنود الأمريكيين وهم يعالجون الجرحى المدنيين، أو يلاعبون ويحتضنون أطفالا عراقيين، في الوقت الذي كان يسقط، فيه، آلاف العراقيين الأبرياء قتلى وجرحى القصف الأمريكي الوحشي. وكانت قناة «الجزيرة» هناك، تنقل الوجه الآخر للحرب. أي الحقيقة التي أرادت قوات الغزاة ألا يشاهدها أحد. كان المطلوب، حسب رغبة البنتاغون ومخططه، أن يتحول الصحافيون إلى أدوات إعلامية مصاحبة للقوات الغازية، أو ما يُعرف بالصحافيين المُدمَجين embedded journalists لكن الجزيرة خرجت عن بيت الطاعة. فرغم أنها أرسلت أحد مراسليها الأكفاء، مع القوات الأمريكية الغازية، إلا أنها ركزت كاميراتها وبثت مراسليها لتغطية الأحداث من زاوية نظر إعلام عربي حر. وقد واجهت التهديدات من السلطة العراقية، على لسان الصحاف، كما واجهتها من الأمريكيين، على لسان الناطقين العسكريين. وبمجرد دخول طلائع القوات الأمريكية الغازية بغداد، تعرض مقر مكتب الجزيرة للقصف، فسقط طارق أيوب شهيدا. كما قصفت الدبابات الأمريكية مقر إقامة الصحافيين في فندق الرشيد. وكل ذلك كان متعمدا بقصد تحييد النقل الموضوعي للأحداث. كان حقد الإدارة الأمريكية على «الجزيرة» يتصاعد منذ تغطيتها المنفردة لغزو أفغانستان، حيث تعمدت قصف مقر القناة في كابول، وشاركت، ولا شك، على نحو أو آخر، في تلفيق التهم لتيسير علوني في أسبانبا.

والحال أن «الجزيرة» تحولت إلى كابوس دائم للإدارة الأمريكية، ليس لأنها تجتهد في نقل صورة الوجه الآخر للحقيقة وأخبارها فحسب، إنما لأنها تحولت، عبر برامجها الحوارية الجدلية، الاتجاه المعاكس، أكثر من رأي، بلا حدود، حوار مفتوح، وغيرها، إلى منبر إعلامي تعددي حر، إلى حد كبير. لا يعني ذلك أن «الجزيرة» هي غاية المراد، فالعقل العربي، السياسي- الاجتماعي- الثقافي(الفكري، الأدبي، الفني..)- في حاجة ملحة إلى عشرات «الجزيرة». وينبغي ألا ننسى أن وراء «الجزيرة» جرأة أمير. !!!

ولم تكن عبارة محمد حسنين دون دلالة عميقة عندما قال للأمير، ما معناه: قبل أن تفكر في إغلاق «الجزيرة» أغلق قطر. بمعنى أن مركز قطر الحضاري والتنويري أصبح مرتبطا بمركز «الجزيرة» ومكانتها في العقل العربي. فـ«الجزيرة» ليست مجرد نشرات أخبار، أو برامج سجال حر، فحسب، إنما هي، في الأساس، بناء لذاكرة عربية مشتركة كشرط شارط لصياغة إرادة عربية مشتركة. وهذا ما يُزعج أمريكا وإسرائيل في العمق. يزعجهما أن تتحول شهادة الفريق الشاذلي، أو حسين الشافعي، أو احمد جبريل على العصر إلى شهادة تتعلق بكل العرب. وبرنامج «زيارة خاصة» وهو زيارة لذاكرة العرب المشتركة. والقضايا التي يفجرها فيصل القاسم، سواء كانت مواضيعها تخص أحداثا بعينها، أو دولا عربية بعينها، تتحول إلى قضايا تخص كل العرب. وهنا مشكلة أمريكا مع «الجزيرة»، كونها قناة للتعبير الحر عن الإرادة الشعبية العربية، بأصوات متنوعة، يوحدها المناهضة لأنظمة الاستبداد المحلية والهيمنة الأجنبية، كما يوحدها الوعي التاريخي المشترك بضرورة قيام الديموقراطية بإرادة ذاتية. بهذا المعنى فإن «الجزيرة» تمثل «صوت العرب» الجديد، من الدوحة، ولكن ليس على طريقة أحمد سعيد، أو الصحاف، إنما بلغة إعلامية محترفة، تنافس نظيراتها عالميا، وبجدارة. «الجزيرة» تمثل صوتا وصورة لوعي عربي جديد، يعمل على انقراض ديناصورات الاستبداد، وزوال عصر الهيمنة الأمريكية على الإرادة العربية.

faragasha@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home