Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 12 نوفمبر 2009

التحرر من سيطرة المستقبل*

فرج بوالعَـشّة

يخلص إدوار سعيد، في الفصل الأخير من كتابه "الثقافة والإمبريالية"، إلى أن الإمبريالية لم تنته بفكفكة الاستعمار والإمبراطوريات الكلاسيكية.لقد أختفى المستعمِر الملموس، من واقع المستعمرات السابقة، لكن وشائج الإرث الثقافي والاقتصادي والاجتماعي لا تزال مشدودة بين كثير من المستعمرات السابقة ومستعمريها السابقين. مثل الوشائج التي لا تزال تربط اليوم بين الهند- باكستان ضمنها- وبريطانيا، والجزائر وفرنسا. وحيث انقلبت معادلة التواجد البشري، من تواجد المستعمِر ـ المستوطن الأبيض في المستعمرات الأوروبية، إلى تواجد المهاجرين من المستعمرات السابقة في بلدان مستعمريهم السابقين، كما هو التواجد الواسع للجليات الإفريقية والآسيوية في فرنسا وبريطانيا.

إن الإمبريالية حسب طرح مايكل بارت في كتابه بعد الإمبريالية: "لا تزال دون أدنى شك إحدى أعظم القوى تأثيراً في العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي عن طريقها يتم إخضاع البلدان الأقل تطوراً اقتصاديا للبلدان الأكثر تطور اقتصاديا. ومع ذلك لا يزال بوسعنا أن نتطلع بأمل إلى انتهاء الإمبريالية". التي لا تزال مظالمها ماثلة في العولمة النيوليبرالية والهيمنة النيوإمبريالية. في "مصيدة الديون" وفوائدها المتراكمة. في مليارات الفقراء ومئات ملايين الجوعى. في سطوة الشركات الاحتكارية العابرة للقارات وربوية النظام المالي الرأسمالي الجشع. في الفجوة الاقتصادية الهائلة بين عالمي الشمال الغني والجنوب المُفقَّر. والعالمان في نزاع معقد، استنتج نوعام تشومسكي، منذ مطلع ثمانينيات القرن المنصرف، أنه "لن تنحسر حدّة نزاع الشمال ـ الجنوب، وسوف تكون ثمة حاجة لابتكار أشكال جديدة من السيطرة لتضمن احتفاظ الشرائح ذات الامتيازات في المجتمع الصناعي الغربي بقدر كبير من التحكم بالمواد الكونية، الإنسانية والمادية، وأن تفيد فائدة لا تتناسب مع حجمها من هذا التحكم.".!

تناول إدوار سعيد، في موضوعة "التحرّر من السيطرة في المستقبل"، الإمبريالية الأمريكية عند نهاية ولاية بوش الأب وبداية ولاية كلينتون. أي حيث كانت الإمبراطورية الأمريكية في قمة زهوها باندثار الاتحاد السوقييتي وفوزها بالهيمنة آحادية القطب على السياسية الدولية. ولم يعش سعيد، واأسفاه، ليتابع ويحلل سقوط مشروع القرن الأمريكي الإمبريالي الجديد في العراق وفشله في أفغانستان، وهزيمة أمريكا الأخلاقية الكونية في سجن أبو غريب وغوانتانامو والسجون السرية، إلى عملية الطرد الرمزي لبوش الصغير، من العراق، بفردتي حذاء منتظر. ثم كان تسونامي المالي الذي عثف بالنظام المالي العالمي، وأدى إلى انكماش الاقتصاد الأمريكي، الذي وإن كانت مؤشرات الخبراء الاقتصاديين الثقافة تشير إلى بدايات انتعاشه، وإن بخطوات بطيئة جدا، إلا أن التأثيرات البنيوية العميقة للأزمة المالية سوف تستمر مفاعيلها السلبية بالنسبة لمستقبل الإمبراطورية الأمريكية، من حيث عجزها عن تحمل الأعباء المالية والاقتصادية لهيمنتها الكونية وتكاليف حروبها على عالم الجنوب، كما في العراق وأفغانستان، وتكاليف قواعدها العسكرية في أكثر من مائة دولة. كما أن تأثيرات الأزمة المالية وانكماش الاقتصاد الأمريكي أنعشت حركة التيار الليبرالي اليساري، المناهض للإمبريالية والرأسمالية المتوحشة، وأكسبته تاثيراً سياسياً قوياً في الرأي العام الأمريكي، ساهم في سقوط تيار المحافظين الجديد، وصول أوباما إلى البيت الأبيض. لكن المعطى الأساسي البارز، من وراء هذه المتغيرات الاقتصاسياسية البنيوية، هو تهافت الأيديولوجية الإمبريالية في نظر غالبية الأمريكيين، من حيث تعظيم القوة الأمريكية الخارقة، وتمجيد التدخل الأمريكي في العالم باسم رسالة أمريكا التاريحية في نشر الحرية والديمقراطية، وخمود الإثارة الكونية لمؤثرات الثقافة الأمريكية، في تصويرها للبطل- النجم الأمريكي المتفوق وللحلم الأمريكي المشتهاة، وجاذبية بلاد الفرص المتاحة، وما اعتاده شعوب العالم على تمثله من قيم الثقافة الأمريكية ومظاهرها وظواهرها، عبر السينما والموسيقى والجينز والمارلبورو والكوكاكولا، إلخ. واحتجبت أساطير "رامبو" و"دلتا فورس" عن البطل الأمريكي المنقذ الخارق، الذي ينتصر "أعداء" أمريكا، الذين هم بالضرورة "أعداء الإنسانية"، أكانوا روسا أو أصبحوا اليوم عربا ومسلمين إرهابيين وطغاة بشعين مثل الملا عمر وصدام حسين وأحمدي نجاد، ونقيضهم بعض الطيبين على صورة السادات والملك حسين، وخلفائهم من "عرب الشالوم". والحال أن أمريكا لم تتأسس على أساس دولة لجميع مهاجريها وإنما على أساس مشروع صهيوني، بحسب تحليل أورى أفنيري، الجنرال السابق، والكاتب وداعية السلام البارز حاليا. فالآباء المؤسسون الأوائل للمستعمرات الأمريكية آمنوا بالتوراة وتحدثوا بالعبرية وأطلقوا على أنفسهم أسماء توراتية وتخيلوا قارة الهنود الحمر «إسرائيل الجديدة»، بل لقبوا ما ستعرف بأمريكا «كنعان الجديدة» وبرروا إبادة الهنود الحمر بخرافة العملاقة. والثقافة الأمريكية التأسيسية تعج بتوصيفات توراتية لأمريكا للمستعمرات الأمريكية "إسرائيل الرب الأمريكية" و"أمة تحت رعاية الرب" و"المدينة المشعة على التلال"، وجميعها تصورات توراتية بمسحة بروتستانتية، الذين منحوا «الحكاية الكبرى» لمشروعهم الكولونيالي الاستيطاني اسم «الصهيونية الأمريكية» قبل أن تظهر الصهيونية الإسرائيلية بقرون. ومن هنا مدخل التحليل التاريخاني الصائب في قراءة المشروع الصهيومسيحي، الذي صدّر للعالم بوش الصغير وحروبه وفوضاه الهدامة.

والمفروض أن تقابل ثقافة الاستشراق بثقافة استغراب الغرب من منظور عربي، مسلح بمناهج نظرية المعرفة الحديثة الإيبستمولوجيا. لكن مشروع كهذا يبدو بعيج المنال،إذ لا تزال اللغة الغربية وآدابها، تُدرَّس عند العرب، بحسب إدوارد سعيد، كما هي منمطة في ثقافتها، دون أي مجال لدراسة العلاقة بين الأدب الإنجليزي أو الفرنسي والثقافة الإمبريالية الاستعمارية الراسبة فيه. ودون الاطلاع على الأدب المكتوب بالإنجليزية أو الفرنسية من قِبل كتاب أصلانيين في الجزر الكاريبية وإفريقيا وآسيا، مناهضين للثقافة الإمبريالية (الأنجلوفونية والفرانكفونية)، مما أحدث حالة بوار مطنبة في دراسات ثقافة الاستغراب الضرورية لفهم الثقافة الإمبريالية من أجل التحرر من سيطرتها في المستقبل. وثقافة الاستغراب المقصودة هنا تنطلق من الثقة بالنفس والسوية الفكرية، ومحكومة بقراءة عقلانية منهجية لثقافة الآخر- الغرب، متخلصة من الأفكار النمطية المُنتجة بتأثير المسرودات النمطية المضادة، من عداء وكراهية وشيطنة، للغرب كجوهر ثابت لا يتبدل ولا يتغير، بالطريقة نفسها التي تنظر بها الثقافة الإمبريالية العنصرية للآخر- العربي/المسلم.!

إن الفهم النقدي التجاوزي الذي ينبغي أن تتيحه القراءة المنهجية لفكر الاستغراب يوصل إلى أرضية مشتركة للغرب والشرق تمثلها منظمات المجتمع المدني والأنتلجنسيا التقدمية على مستوى العالم، تتواشج في شراكة إنسانية عالمية مناهضة للإمبريالية، وهي هنا الإمبريالية الأمريكية وحروبها في العراق وأفغانستان، وعبر إسرائيل في فلسطين ولبنان، ومناهضة لعولمة الرأسمالية المتوحشة والتقسيم الطبقي الكوني بين شمال يغتني وجنوب يجوع، مناهضة للأنظمة المستبدة بشعوبها وحقوقها الإنسانية.. وهكذا يمكن لنا نثق، مع مايكل بارت، بأن: "ما زال بوسعنا أن نتطلع بأمل إلى انتهاء الإمبريالية"...!

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 5 نوفمبر 2009م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home