Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Friday, 12 October, 2007

مقاربة ما بين مفهومي الأصولية والأصولوية!!!(*)

فرج بوالعَـشّة

الأصولية، في المعاجم العربية، مشتقة من فعل أصّل. أي أصّل الشيءَ: جعل له أصلا يُبنى عليه. والأصْلُ هو الأساس الذي يقوم عليه الشيء. وبالتالي فإن الأصل في الإسلام هو القرآن والسنة النبوية الصحيحة. ثم تفرعت أصولية الأصل إلى مذاهب وفرق متقاطعة ومتباينة في مواقع. ومتضاربة في مواقع أخرى، أنتجت بدورها أصولوياتها المذهبية الخاصة!

بهذا المعنى أصبحت «الأصولية» الإسلامية، بمذاهبها وفرقها المتعددة، طبقات فرعية متراكمة. في الطبقة الأولى لدينا أصولية الأصل الأول المُبيَّنة في القرآن، كما نزل به الوحي على النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم. إذ تقول لنا الروايات الإسلامية إن القرآن، بعد وفاة الرسول، كان محفوظا في القلوب، ثم جُمع في حروف في عهد الخليفة عثمان بن عفان.

وفي المستوى الثاني المكوِّن لمدونة أصولية الأصل، لدينا «السنة الصحيحة»، المتمثلة في أقوال الرسول وأعماله. ثم فُتن المسلمون بالفرقة المذهبية والشعوبية. وقد اُفتتح تاريخ «الفتنة الكبرى» بخنجر الاغتيال السياسي؛ عندما اغتيل الخليفة عثمان بجرْز من حديد، على يد رومان بن وردان، من آل ذي أصبح. ثم اغتيل الخليفة عمر طعنا بالخنجر أثناء صلاته، في المسجد، على يد أبي لؤلوة المجوسي. ثم خرج الخوارج على الخليفة علي. واغتاله واحد منهم، هو عبدالرحمن بن ملجم، بينما كان علي يؤم الناس في صلاة الفجر في مسجد الكوفة..!

ومنذ خرج الخوارج برؤيتهم الخاصة، تفرخت فرق ومذاهب شتى. وبقدر ما تفرخت الفرق تفرخت تفسيراتها الايديولوجية في تفريع تفسيرات أصولية الأصل، حسب المصالح السياسية والاقتصادية، والمخيال الاجتماعي، لكل فرقة. ولغرض تبرير ايديولوجيتها الخاصة!

وإذا كان «كلام الله» محفوظا في كتابه القرآن، فإن صناعة التأويلات، المذهبية ـ الطائفية، لأسباب سياسية وسوسيوثقافية، جعلت الفرق المتخاصمة تلجأ إلى إصباغ القدسية والعصمة على ايديولوجيتها، إلى درجة تقويل النبي ما لم يقله، وتعميله ما لم يعمله. واعتبار تفسيره الأصولوي لأصولية الأصل، هو التفسير الصحيح للإسلام!

وبالقفز إلى واقعنا الحالي، فإن طبقة الأصولية الأولى، في صورتها القدسية، تراكمت عليها فروع أصبحت «أصولا»، فرعت فروعا أصبحت «أصولا»... وهكذا...!
بمعنى أن الفكر الإسلامي استغرق نفسه، في معظم اطروحاته التفسيرية، في إعادة إنتاج فروع فروع «الأصول» المتناقلة! والشاهد أن الفكر الإسلامي ظل، لقرون طويلة، أعزل من الأسئلة العقلانية الضرورية، لتفسير الدلالات القرآنية، وأخلاقية أحاديث النبي وسنته السلوكية العملية، بالتزامن مع معطيات كل عصر ومناهج فكره وعلمه!

وإذا كنا قد حاولنا مقاربة مفهوم الأصولية، في أصلها البدئي، أو منشئها المبدئي، فإن ما نحصل عليه، بالقفز إلى واقعنا اليوم، بعد حوالي أربعة عشر قرناً على حجة الوداع، هو إسلام عبادي ثابت لا يتغير. بسيط بساطة الأركان الخمسة، بما هي شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج لمن استطاع إليه سبيلا!

أما الفكر الإسلامي فقد لابسته، عبر قرون طويلة، تفاسير الأصول بالفروع، وتفاسير الفروع بأصول الفروع، لتبرير مصالح وأغراض وأهواء أولي السلطة والجاه والمعرفة السائدة-المهيمنة من جهة، وكذا لتبرير مصالح وأغراض وأهواء أولي التمرد والمعارضة والمعرفة المُهمَّشة-المنشقة، من جهة أخرى!

وفي المقلب الديني الآخر دخلت المسيحية، لحظة ظهور قوة الإسلام، في صراع ديني طال تفسير الطبيعة الجوهرية للدين، وحيا وممارسة، في علاقتها الملتبسة مابين الرب والنبي، إلى درجة إشراك الراسل والمرسول في الطبيعة نفسها!

ويكون السؤال ما الذي جعل عقل الغرب المسيحي قادرا على تحديد إقامة الدين في حيز بيت العبادة= الكنيسة، خارج لعبة الدولة وقوانينها، بالمعنى التقني الوظيفي، بينما يوحل المسلمين حتى هذه اللحظة في استنباط المفهوم المدني للدولة الإسلامية؟!

بالطبع ليس متوقعا من المسلمين الذين يمارسون الإسلام اليوم، بأفكارهم المهيمنة، أن ينجزوا، في أعوام أو عقود، ما أنجزه الأوروبيون، بعد أكثر من قرنين، من الأسئلة العقلانية الصدامية، وتراث التفكير التنويري الحداثاني لاستحقاق إصلاحهم الديني، الذي أسفر عن تجذير معادلة الفصل ما بين وظائف الكنيسة ووظائف الدولة. وليس الفصل بين الدين والدولة-المجتمع. دع عنك أن طبيعة العلاقة بين الدين والدولة-المجتمع، في الثقافة الإسلامية، مفارقة لطبيعة العلاقة في الثقافة المسيحية الغربية. فلا يستقيم إسقاط رؤية التنوير الغربي على الثقافة الإسلامية. أي قراءة الإسلام من خارج بنية العقل الإسلامي المكوِّن والمُكوَّن!

لكن السؤال التنويري، من داخل الفكر الإسلامي، مطروح، الآن، وبقوة، على المجتمعات الإسلامية، بعد نحو قرنين، على مشروع الشيخ الطهطاوي.. وهو: لماذا لا يزال الفكر الإسلامي السائد قاصرا عن استيعاب فكر الإصلاح الديني، من الإمام ابن رشد، إلى الشيخ محمد عبده.. حتى أنه بالكاد يتجاوب مع وسطية الشيخ القرضاوي؟!

إن سؤال إصلاح الفكر الإسلامي كامن في غياب الفيلسوف-الإمام الإسلامي الحداثاني، صاحب الرؤية الإصلاحية المتكاملة، لإسلام عصرنا!
الفيلسوف ـ الإمام الذي يبني نظريته الإصلاحية المتكاملة على منهج الكشط المعرفي (الايبستمولوجي) النقدي لطبقات الأصولويات الموهومة، بفعل الذهنيات اللاتاريخية المتقادمة، المتراكمة على طبقة أصولية الأصل!

والحال، في غياب هذا الإمام المصلح العظيم المنتظر، مؤسس الايبستيمولوجيا الإسلامية الحديثة، فإن مسار التنوير الإسلامي سيخوض تاريخا طويلا، متخبطا في طرق اجتهادية متقاطعة، تبدد الجهود، التي تطيل استحقاق لحظة القطيعة المعرفية ـ الحضارية المنتظرة. حيث، عندها، بعد عقود طويلة قادمة، سيُنظر إلى الخلف، بحسرة، إلى مشروع محمد أركون التنويري، الذي جرى نبذه، في وقته، لقصور الذهنية الإسلامية في التفريق ما بين الأسطورة والميثولوجيا!

عندها، بعد عقود طويلة قادمة، ربما، تدرك نخب الفكر الإسلامي، المعنى المعرفي -الايبستيمولوجي- لمفهوم الفصل ما بين الأصولية والأصولوية!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 11 اكتوبر 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home