Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

السبت 12 سبتمبر 2009

كامو الغريب وجزائره الفرنسية..!!*

فرج بوالعَـشّة

مع بروز الامبرياليات الأوروبية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر،تشكلت المؤسسات الثقافية الموالية للمشروع الامبريالي.ففي فرنسا تكونت الجمعيات الجغرافية الوثيقة الصلة بالتوسع الامبريالي للامبراطورية أو ما تسمى فرنسا ما وراء البحار.أي ممتلكات فرنسا الاستعمارية التي اتسعت مساحتها بعد العام 1870 من مليون كيلومتر مربع إلى ما يقارب عشرة ملايين كيلومتر مربع. وازداد عدد سكانها الأصليين من خمسة ملايين إلى خمسين مليونا.وانعقدت مؤتمرات "علمية" عالمية معنية بالمشروع الامبريالي،مثل "المؤتمر العالمي لعلم الاجتماع الاستعماري" العام 1890 و"مؤتمر علوم الأعراق الوصفية" العام 1902 ـ باريس.وخصصت مجلة علم الاجتماع العالمية (الفرنسية) أعدادا سنوية خاصة بالمسح الاجتماعي لمدغشقر العام 1900،ولاوس وكمبوديا العام 1908.وظهرت نظريات التراتب العرقي وفلسفة القوة الخالصة ودراسات ومباحث في أساليب السيطرة على المستعمرات ومعاملة سكانها الأصليين،على أساس أن تلك المستعمرات ممتلكات فرنسية،وأن سكانها الأصيليين محكومون بما تريده لهم فرنسا،التي جاءتهم بمبادئ ثورتها البرجوازية في "الحرية والإخاء والمساواة"...!

وكانت الامبريالية الفرنسية الأكثر اعتمادا،بين الامبرياليات الغربية،على الحس القومي الشوفيني في التأثير على الرأي العام الفرنسي بواسطة كتاب وشعراء ومفكرين وفلاسفة وعلماء،وظفوا أفكارهم وبحثوهم وعلومهم كدعاة للمشروع الامبريالي وخطابه الايديولوجي.وكانت الجزائر تمثل المستعمرة النموذجية للامبريالية الفرانكفونية،كونها باتت مشروعا استيطانيا ،محمولا على شعار:" الاحتلال فرنسي والاستيطان أوروبي".بحيث قام سلطات الاحتلال الفرنسي بطرد السكان الأصليين من الأراضي الزراعية الخصبة ليحل محلهم فيها المستوطنون الفرنسيون والأوروبيون،الذين شكلوا "شعباً" غربيا،وإن كان أقلية،أُريد منه أن يسيطر على الجزائر وثرواتها،ويُدير دولاليب السلطة الاستعمارية،ويقضي على أي مقاومة قد يقوم الجزائريون بها،ويرفض عليهم اللغة الفرنسية والثقافة الفرانكفونية.

كان الجزائريون،في جزائره الفرنسية،قاطنون خارج المواطنة بحكم أنهم سكان أصليون مسلمون،يخضعون لقانون الأهالي العنصري،الذي يحرمهم من حقوق المواطنة الفرنسية إلا إذا تخلوا عن إسلامهم،حسب المرسوم الصادر في 14 يوليو 1865.فمنذ بداية الاحتلال الشامل للجزائر خاطب المارشال كلوزيل الواصلين الجدد من المستوطنين الأوروبيين إلى مدينة الجزائر، في 9 أغسطس العام 1835،قائلا:"يجب أن تعلموا أيضا أن هذه القوة العسكرية التي هي تحت إمرتي ما هي إلا وسيلة ثانوية ، ذلك أنه لا يمكن أن نغرس العروق هنا إلا بواسطة الهجرة الأوربية فقط".وفي اليوم التالي خاطب أيضا جمهورا من المستوطنيين بمناسبة تعينه حاكما عاما للجزائر،بالقول:"لكم أن تؤسسوا من المزارع ما تشاءون، ولكم أن تستولوا عليها في المناطق التي نحتلها وكونوا على يقين بأننا سنحميكم بكل ما نملك من قوة وبالصبر والمثابرة سوف يعيش هنا شعب جديد، وسوف يكبر ويزيد بأسرع مما كبر وزاد الشعب الذي عبر المحيط الأطلسي واستقر في أمريكا من بضعة قرون"...!

على هذه الخلفية التاريخية الخاطفة ولد الكاتب الفرنسي الشهير ألبير كامو العام 1913 في "الجزائر الفرنسية". أمه عاملة بيوت وأبوه فني تصنيع خمور.وكامو بتشخيص إدوارد سعيد:كاتب عالمي،تمثل حقائق الواقع الامبريالي في كتاباته "مثولا واضحا بانتظار أن تُرى".وتكمن أهمية كامو في وجوده في لحظة:"الاضطراب الاستعماري البشري الناتج من مخاض تفكيك الاستعمار الذي مرت به فرنسا في القرن العشرين.إنه شخصية امبريالية متأخرة جداً لم يبق بعد انقضاء أوج الامبراطورية فحسب،بل ما يزال باقيا اليوم بوصفه كاتبا "كوني النزوع" تضرب جذوره في عملية استعمارية صارت الآن نسياً منسياً."..!

إن كامو في مرمى رؤية سعيد الثاقبة يبان عن ممثل "للسيطرة الغربية في العالم غير الأوروبي. خامل وناقص النمو في أغلبه" بمنظور "الوعي الغربي" الذي هو:"ذلك الإناء المُفرَغ من كل شيء سوى مقدرته على الإحساس والتأمل.." حيث نجد كامو يمتح من ذلك الإناء في مواقفه المحايدة إتجاه العنف الرهيب الذي تمارسه فرنسا بحق الجزائريين.دع عنك دعمه لما سماه بالديمقراطية الإسرائيلية التي،حسبه،تواجه ديكتاتورية جمال عبد الناصر والتخلف العربي...!

صحيح أن كامو غير مسؤول عن استعمار الجزائر.لكن كونه قاصا وروائيا اختار الجزائر المستعمرة مكانا لمتخيله الأدبي،يجعله وأدبه عرضة للتحليل والنقد،من منظور الرؤية المناوئة للامبريالية،التي تكشف لنا كامو المنافح عن المشروع الامبريالي لاستعمار الجزائر وفرنستها.ولا يظهر ذلك في قصصه فقظ،إنما في مواقفه الشخصية المصرح بها.فهو ظل يعتقد،حتى وافته العام 1960،في إمكانية استمرار المستوطنين البيض في مستوطناتهم حتى بعد استقلال الجزائر،الذي وقف ضده إلى أن مات قبل تحققه بسنتين...!

كانت الجزائر عند كامو فرنسية وتبقى فرنسية.أما العربي القتيل في روايته "الغريب" على يد بطلها مرسو الفرنسي،فلا:"إسم له،ويبدو دونما تاريخ،دع عنك أن يكون له أُمِّ أو أَب؛وصحيح أيضا أن العرب يموتون بالطاعون في وهران،بيد أنهم دون أسماء كذلك المرء يجد في روايات كامو ما ظُن ذات يوم أنّها قد نُقّيت منه:تفاصيل عن ذلك الفتح الامبريالي الفرنسي بشكل متميز الذي بدأ عام 1830،مستمرا خلال حياة كامو،ومُسقّطاً إلى صميم نسيج النصوص وتأليفها."..!

ونجد أن المحكمة التي أقيمت لمحاكمة الفرنسي مرسو هي:"آخر مكان يمكن توّقعه لمحاكمة رجل فرنسي قتل عربيا".فالعرب،في المخيال الامبريالي،لا يُفكر فيهم من منظور العدالة.إنهم موصَّفون باستحالة فهمهم.وإذا لا مفر من الإقرار بوجودهم كحقيقة من حقائق الطبيعة،إلا أنه وجود خارج التاريخ.فالتاريخ الوحيد القابل للسرد هو تاريخ الوجود الفرنسي في الجزائر الفرنسية.أما الجزائر الجزائرية فهي مكان غرائبي داخل الجغرافبا السياسية الفرنسية للجزائر،يقطنه كائنات غرائبيون ليسوا كالبشر ،لغتهم غريبة غير مفهومة وبالتالي عدائية بالنسبة للفرنسي أو المستوطن الأوروبي بشكل عام.ألم تصدر سلطات الاحتلال الفرنسية مرسوما رسميا يعتبر اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر العام 1938؟!

ومجمل القول أن روايات كامو عن الجزائر الفرنسية تقصي أصلانية وجود الجزائريين في بلادهم،وتترفع على معاناتهم كضحايا لوحشية الاستعمار الفرنسي الذي اغتصب أراضيهم وأملاكهم واستعبدهم في خدمة مشروعه الشرير.إن كامو يهرب دائما من حقيقة المشهد الاستعماري البشع إلى التجريد المتفلسف عن الشرط الإنساني والاكتناه النفسي البرجوازي للعبث الوجودي واللامعقول.وهكذا كما يقول إدوارد سعيد:"فإن روايات كامو وقصصه تقطِّر بشكل دقيق جداً تقاليد مصادرة فرنسا للجزائر،ومصطلحات هذه المصادرة واستخطاطياتها الإنشائية الاستطرادية"..!!

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الجمعة 10 سبتمبر 2009م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home