Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 12 June, 2008


تلاقح الحضارات! (*) (4)

فرج بوالعَـشّة

ومع انطلاقة عصر التنويرEnlightenment الغربي، في القرن الثامن عشر، تفجرت ثورة عقلانية أشاعت هوسا عظيما بالعلم التجريبي الاستدلالي، فأخذت أساليب «العلم» السحري في التهدم والانقراض وبالمثل بدأت الكنيسة في الخجل والانسحاب متخلية شيئا فشيئا عن سلطاتها الدنيوية وسيطرتها الشمولية على الحياة العامة.

كان الحال مناسبا ومواتيا للشغف بالحضارات القديمة السابقة على المسيحية كالحضارة الإغريقية والرومانية والفرعونية والصينية، من باب معرفتها ودراستها بالبحث في أساطيرها ومعتقداتها وفلسفاتها وتشريعاتها وقوانينها وأنماط الحكم فيها. وفي هذا المناخ، تعزّز الهيام بكل ما هو مصري: Egyptomania ضمن الهيام، أو الافتتان بالحضارات القديمة توسلا بأفكارها ومفاهيمها الفلسفية المتحررة وتوظيفها في نقض إيمانات التسلط الكنسي السكولائي ورد النص المسيحي إلى فضائه الأسطوري الشرقي كما عند شارل فرانسوا ديبوي العالم الفرنسي الثوري القائل بـ «أن الأساطير المصرية التي كان يُرى «إليها» ـ على نسق ما فعل هيرودتس من قبل ـ انها ذات الأساطير الإغريقية، إنما تتكون من قصص مجازية عن تحركات النجوم الثابتة، وإن المسيحية ما هي إلا مجموعة شذرات، أُسيء فهمها، من ذلك التقليد القديم..»!

وهذا النمط من التفكير، لم يحد، بالطبع، من توسع وتمتّن دوغما «تلفيق بلاد الإغريق» بتغريبها و أوْربتها وتحديدا، تعريقها آرياً، أي حسبها إبداع عرق آري صرف، وهذا استدعى تنقيتها مما يُشتم منه تأثيرات شرقية سامية، ومصرية، على نحو خاص. ومع تعاظم قوة الحضارة الغربية وثرواتها ومعارفها بتوسع كشوفاتها ومستعمراتها في العالم القديم والجديد، ارتفعت وتائر نزعة تبييض الحضارة الإغريقية ووريثتها «الإمبراطورية الرومانية» نحو مزيد من التمركز على الذات العرقية البيضاء!

وكانت الحاجة إلى تبخيس ودوننة الأعراق والأجناس والألوان ضرورة ملحة لتبرير تجارة العبيد الهائلة الأرباح في أوج هوس النزعة الرأسمالية الإمبريالية.وليس بغير دلالة دامغة، الإشارة إلى أن أول علامة تجارية مسجلة في التاريخ كانت وسما لشركة تتاجر في العبيد.. حيث تُطبع ماركة الشركة بسيخ مُحمّر على جلد العبيد-السلعة، الذين هم بمثابة عبيد الطاقة الإنتاجية «الزراعية»، ولكيْ يتم تبرير هذا الطور التاريخي العنصري في فضاء تتسيّد فيه فلسفة ومبادئ عقلانية تمجّد حرية الإنسان وحقوقه في العدل والمساواة والإخاء، كان لابد من تغطية ما للتستر على لا أخلاقية الرق المخزية، بمنطق «علموي» يُبرِّر أخلاقيا ودينيا، تفوّق جنس ولون «العرق الأبيض» على غيره من الأجناس والأعراق والألوان «الدونية»، ومن هنا، من نافذة الاصطفاء العرقي الديني دخلت الكنيسة من نافذة دار الحداثة الغربية بعدما طُردت من باب عصر التنوير الثوري، لتؤازَر بذريعة منطق التبشير «المقدّس» ذريعة منطق التمدين عصب «أخلاقية» البرجوازية في أوج فتوّتها الرأسمالية الإمبريالية، وهكذا بوجْهَيْ التبشير والتمدين جرى تلميع الخطاب الكولونيالي وتطويبه عملا خيِّرا لإخراج الشعوب «البدائية» من جاهليتها «الوثنية» إلى «نور الإيمان» والارتقاء بهم من «التخلف» إلى «التقدم»!

لم توظف الأيديولوجية الكولونيالية الكنسية في التبرير والتغطية الأخلاقية الدينية على عمليات التطهير العرقي واستئصال سكان العالم الجديد الأصليين فقط، وإنما قامت باستعمالها «الكنيسة» مع السيف والبارود والسوط، جنباً إلى جنب، في إنتاج نظام إقطاعي عبودي تجلى في مستعمرات العالم الجديد معيدة بذلك إنتاج النظام الإقطاعي، وهو ما سبق أن قوضته الثورة الفرنسية، وإنما في صورة استعمار استيطاني في العالم الجديد. ولم تنجح قيم السيد المسيح، في الحب والتسامح والإحسان، في الحد من الهوس بالاستيلاء والاستحواذ وقد بات المال هو معيار الأشياء على أنقاض المبدأ الفلسفي الإغريقي الإنسي القائل بأن «الإنسان هو مقياس الأشياء طرا».. وسادت فلسفة أرسطو القاضية بأن العبودية «نظام الطبيعة» حيث: «كل الذين لا يستطيعون أن يقدموا لنا غير نتاج أجسامهم وأطرافهم هم من المحكومين بنظام الرق، بحكم الطبيعة»!

وكما استُخدِمت الكنيسة، تم استخدام العلم؛ فأُدلِجت نظرية التطور الطبيعي الدارونية في صورة تطوريّة عرقية تاريخية، تصبغ على نزعة تفوّق العرق الأبيض قوة حق القانون الطبيعي وتُعطي لعقله «الأرقى» حكم التاريخ، كما أن هذه «النظرية» العنصرية تمد استيهاماتها المركزية إلى النظرية الكوبرنيكوسية وإبدالها ـ كما أشرنا سابقا ـ للمركز الكسمولوجي من الأرض إلى الشمس، في صورة تصور «كسمولوجي عرقي»، إذا جاز هذا التعبير، يضع العرق الأبيض، الآري، تحديدا، كما في «النموذج الآري المتطرف» بمثابة المركز الذي تدور الأعراق الأخرى في فلكه الحضاري. لقد وجدت «النظرية» العرقية العنصرية في أفكار ومواقف عنصرية عند فلاسفة عقلانيين، ومن الوزن المعرفي العلمي الثقيل، أمثال، روسو ومونتسيكو ولوك وهيوم وهيغل وغيرهم من فلاسفة ومفكري عصر التنوير!

وفي اتجاه آخر، في مجال تغريب «أثينا»، جرى إسقاط رومانسي تمويهي محمولا على تصور مرغوب في التعلق بالهند القصية واستحضارها كطرف آخر في معادلة انبثاق اللغة الهندو ـ أوروبية.وقد أُخضع هذا التصور المرغوب للمنطق البروكستي، مطاً أو تقصيراً، ليوافق حجم «النموذج الآري» ثم لـ«النموذج الآري المتطرف»!

ويذكر مارتن برنال، مؤلف «أثينا السوداء ـ أو تلفيق بلاد الإغريق»، انه في أواخر القرن الثامن عشر، نُشر أول عمل «أكاديمي» اُنجز، على أساس، انه «بحث علمي» يُصنِّف الجنس البشري في تدرّج عرقي من «الأعلى ـ الأرقى» إلى «الأسفل-الأحط» حتى مرتبة جنس القرود. ويأتي قبلهم في المرتبة ما قبل الأخير جنس البشر ذوي البشرة السوداء!

على خلفية هذه النظرة العرقية العنصرية أُعيد إنتاج الحضارة الإغريقية بحسبانها أثنية هيللينية أوروبية و«آرية» خالصة. أما تأثيرات الآخر «البربري»، إن وُجدت، فما هي إلا تأثيرات سطحية عرضية. والحال إن مصطلح «البربري» و«البرابرة» لم يكن يعني في الثقافة الإغريقية ما عناه، فيما بعد، في الثقافة الكولونيالية الأوروبية!

لقد برزت عند الإغريق نزعة قومية شوفينية الهوى... لكن هذا الهوى أو الشعور بالتفوق كان يقترن وفق مارتن برنال: «في الوقت ذاته، باحترام حقيقي وفعلي يكنّه الإغريق للثقافات الأجنبية وبخاصة تلك التي قامت في مصر وفينيقيا وبلاد الرافدين».

وفي ذروة تسيد كولونيالية الحداثة الغربية المتفوقة «معرفة وثروة وقوة» واقتسامها لتركة الامبراطورية العثمانية الإسلامية المريضة المتحللة، وحيث كانت مصر وبلاد ما بين النهرين تقع في قبضة نفوذها، ترسخت نظرة العداء والكراهية للأتراك، والمسلمين بشكل عام، بحسبانهم مغتصبي القسطنطينية والبلقان ومحاصري فينا، وتعمدت فلسفة التاريخ الغربي طمس الدور الحضاري لشرق البحر الأبيض المتوسط وتأثيراته العضوية في الحضارة اليونانية؛ إذ أصبح من غير المقبول اعتبار العنصر الأوروبي «الأرقى» قد استُعمِر من لدن شعوب ليست بيضاء، أي أدنى منه عرقيا. وبالتالي حضاريا. وعليه رفض «النموذج الآري» حقيقة أن يكون الفراعنة والفينيقيون قد أقاموا مستوطنات في بلاد الإغريق انبثت منها مبادئ ومقومات انبثاق الحضارة الإغريقية.. يتبع.

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 12 يونيو 2008م.



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home