Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 12 April, 2007

العـرب وإيـران، بعـد خراب العـراق!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

مرت أربع سنوات على الغزو الأمريكي للعراق. قُتل مئات ألوف العراقيين، وأكثر منهم جرحى ومشوهون ومُعوَّقون. وسقط أكثر من عشرين ألف جندي أمريكي بين قتيل وجريح. وأنفقت الولايات المتحدة أكثر من نصف تريليون(خمسمائة ألف مليون) دولار... وما النتيجة؟!

العراق لم يعد عراقا. فقد صار عراكا دمويا!

العراق الذي أراده بوش نموذجا "ديمقراطيا"يُحتذى في الشرق الأوسط، أصبح فعلا نموذجا فذا، ولكن للفوضى والخراب والاحتراب الطائفي!
وبعد أربع سنوات من المغامرة البوشية التدميرية، لم يعد هناك ما يخشى عليه في العراق. فقد صار كارثة مطبقة، يخافها جيرانه الأقربون وكذا البعيدون!
بات العراق وباءً. اسمه العرقنة، قد تُصاب به دول أخرى، من ذوات المناعة الوطنية المتردية. مثل لبنان، المثال النموذجي للعرقنة الطائفية ـ المذهبية. وكذلك فلسطين، حيث لا تقتصر الإصابة بالعرقنة على الاحتراب الطائفي ـ المذهبي، إنما تشبك معها الاحتراب السياسي ـ الإيديولوجي، الذي ظهرت أعراضه الخطيرة في التقاتل بين فتح وحماس. فالسمّة المميزة للعرقنة أنها تخليق أمريكي للفوضى، بواسطة التدخل المباشر، كما في العراق. وعن طريق وكلاء إقليميين وأدوات محلية، كما في الغزو الإثيوبي للصومال، بالتحالف مع ما يُسمى بـ"الحكومة الشرعية". وفي لبنان، استخدمت الولايات المتحدة القوة العسكرية الإسرائيلية بهدف تدمير قوة حزب الله، وتخليق حالة من الفوضى السياسية، المفتوحة على احتمالين، كلاهما يخدم أمريكا وإسرائيل. فإما أن تتمكن أدوات المشروع الأمريكي (قوى 14 آذار) من السيطرة التامة على الحكم، وفتح الباب للوصاية الدولية، وتجريد سلاح حزب الله. أو أن يدخل لبنان من جديد في خيار "فخار يكسر بعضه". أي حرب طائفية ـ مذهبية، كفيلة بتوريط حزب الله في حرب أهلية، تستنزف مشروعه المقاوم، وتخرجه من معادلة الصراع مع إسرائيل!

وفي أمكنة أخرى هناك حالات (دول ـ مجتمعات) حاضنة لفيروس العرقنة الطائفي. ومرشحة للإصابة به. مثل السعودية واليمن وسوريا والبحرين والكويت وباكستان. أي حيث يتعايش السنة والشيعة في بلد واحد!

وكذلك إيران، بعدما باتت في مرمى الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، أصبحت عرضة لإشعال الفتنة المذهبية بين غالبيتها الشيعية وأقليتها السنية، وتحريض أقلياتها الإثنية ضدها. وفي هذا الصدد تفيد تقارير صحفية بأن المخابرات الأمريكية والموساد الإسرائيلي يشتركان في تدريب جماعة مجاهدي خلق، وتسريب عناصر عمليات خاصة داخل إيران، لجمع المعلومات الاستخباراتية، والاتصال بمجموعات سنية وآذرية وعربية (أهوازية) مناهضة للنظام الإيراني لأسباب مذهبية أو عرقية.

ولذلك فمن مصلحة إيران، التي تتوالى قرارات العقوبات الدولية ضدها، وتصورها الدعاية الإعلامية الصهيوأمريكية برسم "رايخ إسلامي فاشي"، وزعيمها أحمدي نجاد برسم "هتلر" شرقي بلحية أصولية، أن تتورط القوات الأمريكية أكثر فأكثر في المستنقع العراقي، حيث :"الجنود الأمريكيون في الشرق الأوسط هم في واقع الحال رهائن في أيدي الإيرانيين. يستطيع الإيرانيون استهدافهم في أي وقت، وصواريخ الباتريوت لن تحميهم ولن يستطيع أي شيء آخر حمايتهم.. " كما يقول نجف علي مرزاي، السفير الإيراني السابق في بيروت، ورئيس مركز الدراسات العربية - الإيرانية!

إيران تدرك جيدا أن استهدافها عسكريا، من قبل أمريكا وإسرائيل، احتمال وارد جدا. وهي تتابع المحاولة الأمريكية لتشكيل حلف عربي، في إطار مذهبي (سني)، بدعوى مجابهة "الخطر الإيراني". وتراقب إسرائيل وهي تطرح نفسها حليفة للدول العربية "المعتدلة"، التي، حسب أولمرت، وهو محق، توصلت إلى قناعة بأن إيران والإسلام الجهادي هما الخطر الأكبر على أنظمتها وليس إسرائيل!

وعلى هذا فإن حربا تشنها أمريكا على إيران ويدعمها العرب "الاعتداليون"، هي حرب:"صُنعت في إسرائيل وليس في أي مكان آخر... لقد كنت أبحث عن الحقيقة، وفي حالة إيران الحقيقة واضحة أمامي الآن، إذ إن إسرائيل هي التي تريد أن تحارب إيران ولكن بدمائنا نحن وأموالنا نحن" على حد تعبير سكوت ريتر، مؤلف كتاب:"الهدف إيران: الحقيقة حول خطط البيت الأبيض لتغيير النظام"!

ولتبرير مهام الحلف العربي هذا ظهرت الحاجة إلى تسويق مشروعية عقائدية تسوغ لعوام الشارع العربي ـ الإسلامي (السني) معاداة إيران بحسبانها خطرا شيعيا يهدد السنة!

ومن الواضح، ليّ على الأقل، أن الأمريكيين هم الذين وضعوا الكلام الدعائي عن خطر الهلال الشيعي، في أفواه وكلائهم في المنطقة، الذين وجدوا، في الترويج لخطر الهلال الشيعي، الممتد، حسبهم، من إيران، عبر شيعة العراق، إلى شيعة لبنان بالتحالف مع سوريا وحماس، ما يتسترون به على تنصلهم من مسؤولية دعم المقاومة الجهادية في فلسطين ولبنان، ويبررون به عزلهم لسوريا، بإظهارها على أنها خارجة عن "السرب العربي"، ومتحالفة مع "العدو" الإيراني "الشيعي ـ الفارسي"!

وإمعانا في تضخيم "الخطر" الإيراني المذهبي، اتخذ المحور الثلاثي(السعودي المصري الأردني) دور المدافع عن السنة ضد "الخطر الشيعي"، وكأنهم معنيون حقا بالدفاع عن السنة. فها هم الفلسطينيون السنة، في أرض القبلة الأولى، والحرم الثالث، والمسجد الأقصى، ومسار الإسراء والمعراج، يُذبَّحون على أيدي بني صهيون، دون أن يتحالفوا للتصدي لإسرائيل!

صحيح يوجد دعم إيراني قوي لسوريا وحزب الله وحركة حماس و"الجهاد الإسلامي"، وذلك من حسن حظ قوى الممانعة والمقاومة. وقد يكون هناك دعم إيراني سياسي لحركات إسلامية عربية معارضة لأنظمتها. لكن من المغالطة المتعمدة الحديث عن وجود خطر إيراني ـ مذهبي أو عسكري ـ نووي، على الشعوب العربية أو الإسلامية. سواء كان خطرا ماثلا، أو مرجحا في المستقبل المنظور. إذ ليس من مصلحة إيران في شيء الدخول في حرب لا معنى لها ضد جيرانها العرب!

هذا لا يعني أن إيران بريئة، بالكامل، مما يحدث في العراق. لكن ينبغي ألا نغفل عن الحقيقة السياسية البديهية. وهي أن مصالح الدولة العليا تملي على أي دولة ضرورة حمايتها بكل السبل والوسائل المشروعة، وحتى غير المشروعة. وعلى رأس هذه المصالح العليا تأتي مسألة الأمن القومي. ومن هنا، من الطبيعي والمنطقي، أن تعمل إيران كل ما تستطيع لحماية أمنها القومي ضد الخطر الأمريكي الماثل على حدودها مع العراق، وفي مياه الخليج "الفارسي ـ العربي". وضد الخطر الإسرائيلي، الذي لا يُبعده عنها بُعد المسافات. فنظرية الأمن القومي الإيراني تتحرك في مجال جيوبوليتيكي واسع، من وسط آسيا إلى فلسطين. ومن بحر قزوين إلى باب المندب. بينما مفهوم الأمن القومي العربي غير مُعين، لأن الأنظمة العربية غير معنية بترسيم استراتيجي لمفهوم الأمن القومي، سواء في فضائه العربي الواسع، أو حتى نطاقه القطري. فمعظم الأنظمة العربية تختزل مفهوم مصالح الدولة العليا في مصلحة الحفاظ على الحكم واستمراره. وبالتالي فإن مفهومها للأمن القومي ينحصر في حماية أمن أنظمتها، المرتبط، عندها، بحماية أمريكا لها، ورضاها عنها، مقابل رعايتها للمصالح الأمريكية والتجاوب مع إملاءاتها السياسية!

وهكذا فيما تنصاع معظم الأنظمة العربية للمشروع الأمريكي، تثبت إيران جدارتها السياسية في المواجهة القائمة مع الغرب (الأمريكي ـ الأوروبي). فهي تمسك بأوراق قوة متعددة. ففي العراق لديها نفوذها القوي المتمثل في الائتلاف الشيعي، وجماعات شيعية أخرى. وهي لا تجد غضاضة حتى في تسريب الأسلحة إلى المقاومة العراقية السنية، مثل الصواريخ المضادة للدروع، والعبوات الناسفة. ونتيجة لنفوذها القوي هذا، تتحكم، بقدر كبير، في مصير القوات الأمريكية المتورطة في الفوضى التي صنعتها في العراق. فبيد إيران، إذا أرادت، تقديم المساعدة الفعّالة لتأمين انسحاب مشرف للقوات الأمريكية من العراق، يحفظ ماء وجه "القوة الأعظم"، مقابل تسوية مقبولة للمسألة النووية. وبيد إيران، وهو الأرجح، تعميق التورط الأمريكي في العراق، أكثر فأكثر، لإسقاط الخيار العسكري ضدها!

وفي لبنان وفلسطين تشكل إيران، بالتحالف مع سوريا، الداعم الرئيس لمشروع المقاومة كخيار استراتيجي، اثبت نجاعته في لبنان وفلسطين. حيث حقق حزب الله انتصارا واضحا، تمثّل في إفشال أهداف عدوان يوليو الصهيوأمريكي، المدعوم بغطاء عربي. وصمدت حركة حماس، حتى فرضت على أبي مازن ورعاته السعوديين، القبول بحكومة وحدة وطنية برئاستها. وبفضل التحالف الإيراني ـ السوري الوثيق تمكنت سوريا من تصميد موقفها في مواجهة التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأمريكية، وإفشال مخططات قوى 14 آذار (مارس) الحاكمة لإنهاء نفوذها في لبنان، وإحباط محاولات المحور الثلاثي (المصري - السعودي - الأردني) لتهميش دورها وعزلها عن التأثير في الموقف العربي العام!

والأهم من كل ذلك أن الإدارة البوشية سلمت، في قرارة نفسها، بأن إيران وسوريا لاعبان إقليميان لا يمكن تجاهل دورهما المحوري في جلب الاستقرار للعراق. لكن لا إيران ولا سوريا، جمعيات خيرية. وأمريكا تدرك، بطبيعة الحال، أن عليها دفع ثمن مقبول لإيران في ما يخص المسألة النووية بالدرجة الأولى. وثمن مقبول لسوريا فيما يخص إعادة الجولان إليها. وهو ما لن تفعله الإدارة البوشية العرجاء، في وقتها الضائع. ولذلك ستستمر إيران في توثيق نفوذها داخل العراق، ودعم حزب الله وحماس. وتعزيز تحالفها الاستراتيجي مع سوريا. فيما تدير بذكاء وجدارة الأزمة الدبلوماسية مع الغرب بشأن برنامجها النووي. ماضية في دعم موقفها الصلب باستعراض قوتها العسكرية في مناورات متواصلة، كاشفة في كل مرة عن أسلحة متطورة من إنتاجها، وتطوير تقنياتها النووية. وهو ما يثير إعجاب الشارع العربي، مقارنة بأنظمته الخانعة للاستراتيجية الأمريكية الرامية إلى إدامة هيمنتها على المنطقة لعقود قادمة. لكنها تعاني من العقبة الإيرانية. الكأداء. فإيران لا تقبل أقل من أن تكون لاعبا إقليميا من الطراز الأول، بما يليق بموقعها الجيوسياسي استراتيجي، ومقدراتها وإمكانياتها الاقتصادية والعسكرية. لذلك هي ملزمة بإعداد ما تستطيع من قوة صلبة وناعمة، تُرهب بها عدوها، وتؤمن مصالحها الحيوية، وتحمى أمنها القومي، في منطقة "الخليج الفارسي"، حسب التسمية الإيرانية، التي مصداقها واقع ملموس، بإرادة سياسية حرة. أما تسمية "الخليج العربي"، فهي تبقى تسمية عربية فارغة من المصداق الجيو سياسي. إذ بينما يقوم أمن "الخليج الفارسي"، من المنظور الإيراني، على مبدأ: إما أن يكون آمنا للجميع أو لا يكون آمنا أبدا. نجد مفهومه، عند الضفة العربية، متروكا تفسيره للأسطول الأمريكي السادس!

والسؤال، في الختام، هل يمكن أن يترجى عوام العرب، من أنظمة تخضع مخابراتها لتوجيهات كونداليزا رايس، سياسة عربية تعبر عن إرادة شعوبها، وترسم استراتيجية قومية، مبنية على تصور محدد لمفهوم الأمن القومي العربي، يلزم أصحابه بإعداد القوة اللازمة، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، لتأمينه والدفاع عنه؟!

هل يمكن أن نتوقع من هكذا أنظمة أن تكون سياستها الخارجية، بشأن القضايا القومية، في خدمة المصالح العربية العليا؟! أو أن تدرك أن "المشروع الأمريكي" سقط في العراق. كما سقط في لبنان وفلسطين. ولا حظ له بالمرة في إيران. بل إن الأمريكيين قد يتركون العراق، في أية لحظة، غارقا في الفوضى المُدمِّرة، التي خلقوها، ويفرون إلى ما وراء محيطهم، من حيث أتوا!

عند ذاك ماذا ستفعل أنظمة المحور الثلاثي، المرتبط بالخيار الأمريكي، حيال الكارثة العراقية؟! ـ لن يكون لها أي دور. لأن ليس لها أي نفوذ عند القوى المحلية الفاعلة في العراق. بينما يشكل المحور الإيراني ـ السوري عنصر حل وعقد (عربي ـ إسلامي) في معالجة المسألة العراقية!

ويمكن القول، نظريا، بأنه لا تزال هناك فرصة متاحة لخلق موقف عربي مستقل عن السياسة الأمريكية، من خلال إعادة إحياء المحور المصري ـ السوري ـ السعودي، كمحور قومي قيادي، يتبنى حلولاً عربية للأزمات العربية (كما في لبنان، فلسطين، العراق، دارفور السودان، الصومال) بدلا من التسليم بالحلول الخارجية المشبوهة. ويبني مواقفه القومية الموحدة، من التحديات الخارجية، على أساس الحفاظ على المصالح العليا للأمة، وحماية الأمن القومي العربي. وهو ما يستوجب من العرب التعاون الإقليمي الوثيق مع إيران، وليس الانجرار المذعن وراء العداء الأمريكي لها. فمحددات المصالح العربية العليا وضرورات الأمن القومي العربي تفرض التفاهم مع إيران في إطار سياسة وفاق إقليمي، تقوم على التشارك في أمن الخليج "العربي ـ الفارسي"، وتبادل المصالح والمنافع، في فضاء القاسم الإسلامي المشترك! ولكن ذلك يبقى مجرد افتراض نظري، أما عمليا فلا معنى لمصالح عربية عليا، أو أمن قومي عربي، في وجود هكذا أنظمة، أجهزة مخابراتها ملحقة بوزارة الخارجية الأمريكية؟!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 12 أبريل 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home