Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الاثنين 12 ابريل 2010

الهوية الوطنية والمسألة الأمازيغية

فرج بوالعَـشّة

إن مناقشة الهوية الوطنية، في خضم الطرح الرائج في المواقع الليبية في المهجر، يبان عن جدل عقيم وموتور من طرفيه. من طرف المتعصبين المحسوبين على أمازيغ ليبيا، كما من طرف المتعصبين المحسوبين على الإسلام أو العروبة.

إن الهوية الليبية الوطنية لا تستدعي كل هذه اللخبطة. فهي واضحة بسماتها وخصائصها المشتركة العامة برسم الوطن (ليبيا) للجميع، والدولة لكل مواطنيها. دينها الإسلام. والعربية لغتها الرسمية. وذلك حسب قناعات الغالبية العظمى من الليبيين، المتشكّلة اليوم بحكم المُكوِّن ↔ المُكوَّن التاريخي (السوسيوثقافي) عبر أربعة عشر قرناً الماضية. بمعنى أن الغالبية العظمى من الليبيين، حتى وأن كانوا في الأصل أمازيغ أو أفارقة ، يعتبرون أنفسهم اليوم عربا ، لا إمكانية لأمزغتهم وأفرقتهم. وبالمقابل توجد إثنية من الليبيين المتأصلين عبر التاريخ في لغتهم الأمازيغية وخصوصيتهم الثقافية ومذهبهم الديني (الأباضي) المائز. وقد واجهوا ويواجهون، حتى اليوم، أشكال بشعة من الاضطهاد والإكراه من قِبل النظام. فليبيا لم تصبح بعد دولة ديموقراطية لكل مواطنيها. وحتى ذلك الحين فإن مسألة الهوية الوطنية الليبيية عرضة للمزايدات والمناقصات، بسبب الاصطفافات والانجذابات الآيديولوجية العقيمة. ومن هنا ضرورة مناقشة هذه المسألة ومقاربة أسئلتها، بعيداً عن مستنقع العنصرية الكريه الذي تنضح به شبكة الانترنت، كي يمكن إشاعة مناخ فكري حر بروح الاختلاف نحو ائتلاف منوّع ثري للهوية الوطنية الليبية. والمدخل إلى ذلك الاقرار بحقائق الأمور. وفي الأساس منها: إن الغالبية العظمى من الليبيين هم عرب (بالهوية الثقافية وليس بالانتماء العرقي). أو قل اعتنقوا العروبة. إذ لا يمكن عربنة الليبيين عرقيا لمجرد أنهم يتحدثون العربية. كما لا يمكن أمزغتهم لمجرد لافتراض أن أصول معظمهم أمازيغية. وبالمحصلة فإن المحددات الثقافية للهوية الوطنية الليبية ترسّمت تحصيل حاصل مخرجات المصهرة التاريخية لعيشهم المشترك. وذلك منذ الفتح الإسلامي، ثم توالي الهجرات العربية، لا سيما بني هلال وبني سليم، وهيمنة العربية (لغة القرآن) وثقافتها على اللسان والتفكير والذاكرة، وصولا التي تشكّل ليبيا (جيوبوليتكياً) في القرن العشرين، ما بعد تخلي تركيا العثمانية عنها لإيطاليا الاستعمارية، بوجهيها الملكي الصليبي، والفاشيستي الصليبي أيضا (إيطاليا هي التي رسّمت حدود ليبيا الحديثة). وضد غزوها واحتلالها جاهد الليبيون، عربا وأمازيغ، في الغرب والشرق والجنوب، دفاعا عن الدين والوطن أو الوطن والدين، لا فرق جوهري في الترتيب، لديهم، إذ جمعتهم هويتهم الدينية المشتركة (الإسلام)، وكذلك هويتهم الوطنية المشتركة وإن كانت في طور التشكل. فسليمان الباروني كما هو سعدون السوحلي وصالح الأطيوش وعمر المختار، وغيرهم من قادة المقاومة الوطنية، كانوا يدافعون عن ليبيا حرة من المستعمر الفرنجي "النصراني الكافر" وعن وطن اسمه ليبيا، دون أن تكون لديهم، بالتزامن مع ثقافة زمانهم، تصور متكامل لمفهوم الوطن بمعناه الهوياتي الحديث. كما كان الليبيون، عربا وأمازيغ، شركاء في "الجهاد المدني" أثناء المعركة الدبلوماسية في سبيل نيل ليبيا استقلالها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ولمعطيات وظروف حاكمة، لا مجال هنا لتحليلها، أستقلت ليبيا وصار لها دستور ونظام ملكي. وبغض النظر عن محاسن ذلك الدستور وذلك النظام، فإنهما كانا قاصرين كثيراً عن التعامل السوي مع مسألة الهوية الوطنية دستوريا وبالضرورة مؤسساتياً. إذ، وأن كانت الغالبية العظمى من الليبيين العرب، أو أن شئت الذين يؤمنون أنهم عرب، لم يشعروا باي ضيم طال هويتهم الثقافية (دستوريا ومؤسساتياً)، فإن الليبيين الأمازيغ، وإن شئت الليبيين الناطقين بالأمازيغية، لن تؤخذ خصوصيتهم الثقافية في الحسبان، علاوة على أن الوعي الأمازيغي لم يكن بارزا كما في صورته اليوم، خطابا وممارسة (فكرا ونشاطا).

ثم نكبت ليبيا بانقلاب القذافي الثورجي القومجي، الذي قام طرحه الآيديولوجي العروبوي على الإقصاء العنيف للثقافة الأمازيغية، ليس فقط بعدم الاعتراف بوجودها وإنما بمحاربتها، وسن القوانين الإقصائية ضد التعلم أو الكتابة أو التحدث أو التغني بها، أو حتى التسمي بأسماء أمازيغية، كما جاء في القانون (24) القاضي بمنع الأسماء غير العربية من التداول. لقد عبث القذافي بالهوية الوطنية على نحو مزاجي مريض. فكما أقصى الأمازيغية ، شوّه مفهوم العروبة السوي بأطروحاته القومجية العروبوية. وبالمحصلة فإن الليبيين جميعهم، أمازيغ وعرباً، رهائن في قبضة القذافي المستبدة. وقد نهضت ضد استبداده قوى وطنية،من عرب وأمازيغ، بيض وسمر وسود، من الغرب والشرق والجنوب، منذ بدايات استيلاءه على السلطة وحتى هذه اللحظة. وكان انخراط الليبيين من أصول أمازيغية، في حركة المعارضة الليبية، بارزا ، بمفهوم النسبة الأثنية، وكذلك بمعيار الصورة البطولية، وفي ذهني التضحيات الوطنية الجليلة للأسرة المعمرية في مقاومة طغيان القذافي، وأعني أسرة الشيخ العالم الأمازيغي الكبير الشهيد علي يحي معمر وأبناءه الشهداء: خالد على يحي معمر ويحي على يحي معمر ومحمد على يحي معمر، وغيرهم من الابناء الذين تعرضوا للاعتقال والتعذيب، مثل حسن وفريد وعبد الله.... ولا يزال معظم المعارضين من الأمازيغ يناضلون في حركة المعارضة الليبية الجذرية، كما أفهمها، من منطلق ألاّ خلاص حقيقي لليبيين إلا بالخلاص التام من طغيان القذافي ونظامه. وأن المسالة الأمازيغية قضية مركزية كغيرها من القضايا الوطنية المركزية ضمن وحدة النضال من أجل القضية الوطنية الكبرى في الخلاص التام من حكم القذافي، ومن ثم بناء دولة الاستقلال الثاني: دولة ديموقراطية بمواصفات الديموقراطية الوافية: بمعنى الديموقراطية السياسية والديموقراطية الاقتصادية والديموقراطية الاجتماعية والديموقراطية الثقافية. ودون أوهام طوباوية فإن طريق النضال الوطني طويل من أجل هكذا استحقاقات حتى بعد الخلاص من القذافي ونظامه. لكن المقصود بهذا الطرح هو محاولة الوصول بالمسألة الأمازيغية إلى رؤية وطنية جامعة. ومن جهتي أرى، ككاتب يعتقد أنه "مثقف" و"معارض جذري"، أن حلّ المسألة الأمازيغية يكمن في حلّ المسألة الوطنية. فالمسالة الأمازيغية ليست مجرد مطالب حصرية. إنها قضية جوهرية في صلب التصور الدستوري لمستقبل ليبيا إذا أُريد له أن يكون مستقبلاً ديموقراطيا بمواصفات الديموقراطية الحضارية كما تفهما وتمارسها كل الشعوب الحرة المتمتعة بها في أنحاء كثيرة من العالم. ليس لأن الديموقراطية المنجزة في أفضل نماذجها في العالم هي الذروة المشتهاة، ولكن لأن الديموقراطية هي أفضل الأسوأ في أنظمة العالم حسب تعريف تشرشل الثاقب.

وفي ظني هذا ما يريده الليبيون الأمازيغ في باب التصور المستقبلي لليبيا المرغوبة. أما دعاة الشخصية الليبية المجردة، من الأمازيغ المتطرفين، فإن لا تصور دستوري ملموس لديهم للهوية الليبية. لذلك تجدهم يتمسكون بوهم أن يكون الليبيين ليبيين وفقط. أي أن تكون هوية ليبيا هوية نقية خالصة. فحتى وأن تحدث أهلها العربية وكان تراثهم عربي وأدبهم عربي وتاريخهم عربي و ثقافتهم عربية وشعرهم عربي ومقاماتهم الموسيقية عربية، يُراد منهم فك صلتهم بالأمة العربية وقضاياها. فالقضية الفلسطينية، في تصورهم، قضية إنسانية مثلها مثل غيرها من القضايا الإنسانية في العالم. لا رابط قومي لليبيين بها. وبالتالي هم يقفزون على حتمية الواقع الجيوبولتيكي ـ التاريخي ـ الثقافي لليبيا، المتصل عضويا بمحيطها العربي، كرهنا أم أحبننا. ومن المؤكد، في اعتقادي، أنه بعد سقوط أنظمة الاستبداد والفساد العربية القائمة وقيام أنظمة ديموقراطية، تستمد شرعيتها من إرادة شعوبها الحرة، ستصبح فكرة الاتحاد، أقله على نسق الاتحاد الأوروبي، حقيقة واقعة. وسوف تكون ليبيا الديموقراطية من بين أكثر المتحمسين لها.

لذلك على المتعصبين المحسوبين على أمازيغ ليبيا أن يكفوا عن ازدرائهم لكل ما هو عربي وإسلامي باسم الذود عن الهوية الأمازيغية، بينما هم في الحقيقة يسيئون للمسالة الأمازيغية ويضرون بحقوقها المشروعة ضمن القضية الوطنية الليبية. وبالمقابل على المتعصبين عن جهالة وعقد ،من طرف المحسوبين على الدفاع عن عروبة ليبيا وإسلامها، أن يكفوا عن إقصاء الثقافة الأمازيغية، وأن يعترفوا بها رافداً عضويا من روافد هويتهم الوطنية.

وحيث أن الغالبية العظمى من الليبيين يعتبرون أنفسهم عرباً، أكان نتيجة تجذر أصول القبائل العربية بعد الفتح الإسلامي أوهجرات بني هلال وبني ساليم أو تعرّب عديد القبائل الامازيغية، فإنه من حق هذه الغالبية العظمى أن تحدد طبيعة الهوية الرسمية للدولة، من خلال تمثلها في لجنة صياغة الدستور المنتخبة وتأثير أصواتها الحاسمة عند الاستفتاء عليه. وعليه من باب التحليل الملموس للواقع الملموس فإني أرى أن الهوية الوطنية السوية ينبغي أن تبني على مقومات دستورية أساسها مبدأ المواطنية (بمعناها الواسع) وحقوق الإنسان والآليات الديموقراطية المتكاملة. ومن هنا ينبغي لنا، في المعارضة الوطنية الجذرية، النضال معاً كليبيين، عربا وأمازيغ وتبو وطوارق، في سبيل تحرير ليبيا من الاستبداد الثورجي الهرطقي، نحو ولادة استقلال ليبيا الثاني في دولة ديموقراطية لكل مواطنيها، تُعتبر فيها المكونات الأثنية والثقافية (العربية والآمازيغية والأفريقية..) مقومات رئيسة للهوية الوطنية، بما يضمن للمكوَّن الامازيغي خصوصية حقوقهم السوسيوثقافية كاملة بلا نقصان دون أي منة. وهي الحقوق التي ينبغي على كل الليبيين أن يناضلوا من أجل استحقاقها، لأنها جزء عضوي من هوية كل ليبي. وإذا كان لي أن أطرح رؤية دستورية مبتغاة لمستقبل ليبيا، بعد الخلاص من القذافي ونظامه قضا وقضيضا، فإنها ماثلة، في تصوري، في تبني نظام جمهوري ديموقراطي برلماني قائم على دستور عصري وحضاري، تتسق حقوقه وواجباته مع روح الإعلان الإعلامي لحقوق الإنسان ومواثيقه ومعاهداته الملحقة. ويكون فيه الإسلام دين الدولة وأحد مصادر التشريع الرئيسة. والعربية لغة الدولة الرسمية. ويحق لكل جماعة إثنية ممارسة مناشط خصوصيتها الثقافية بكل حرية. وتُعتبر كل لغة لاتزال منطوقة ومتداولة، لغة وطنية، تلزم الدولة، بحكم الدستور، الاعتراف بها وضمان ترقيتها من خلال مجلس أعلى للّغات الوطنية أكانت أمازيغية أو طوارقية أو تباوية. كما تلتزم الدولة بحفظ الحقوق الثقافية الكاملة للحماعات الأثنية، دون منّة من أحد، في أن يتحدثوا بلغتهم الخاصة ويتعلمون بها في مدراسهم، وينشرونها في وسائل إعلامهم الخاصة: المقروءة والمسموعة والمرئية، أو باي طريقة يشاؤون. يسمون أبناءهم بالأسماء التي تروق لهم ويغنون غناءهم الخاص ويرقصون رقصهم الخاص ويحتفلون باحتفالاتهم الخاصة: الدينية والتاريخية. بل والأكثر إغناء أن يشاركهم غيرهم من الليبيين في تعلم لغتهم والاحتفاء بأعيادهم بحسبانها جزء عضوي أصيل من هويتهم التاريخية والحضارية عبر العصور... فهل يريد الأمازيغ الليبيون أكثر من ذلك.؟!!

faragasha@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home