Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


Faraj Abul-Asha


Thursday, 12 January, 2006

أعـرف عـدوك.. أعـرف شارون

فرج أبوالعـشة

بينما كان شارون، منقولا في سيارة الإسعاف، في طريق صعودها إلى القدس، أخذ يتقيأ ما في معدته الضخمة. وعندما وصل إلى المستشفى: «أصبح مطموس الوعي، في الطريق إلى فقدان الوعي..»، وفيما كان مطروحا على النقالة، في طريقه إلى غرفة العمليات، نُقلت صلاحياته إلى نائبه إيهود أولمرت. أجريت له عملية أولى، ثم عملية ثانية، وثالثة. ولا تزال حالته حرجة. وحتى في حالة نجاته من الموت، لن يعود رئيسا للوزراء. لقد مات سياسيا.

والحال سقط، أخيراً، آخر الآباء المؤسسين، لدولة الإرهاب الصهيونازي، بجلطة الانتفاضة القاضية. تقول صحيفة عبرية إن جهات قريبة من العلاج الطبي لشارون عبرت عن آراء مختلفة حول مسببات إصابته بالجلطة الدماغية. فهناك من أرجع السبب إلى تركه المستشفى، في المرة الأولى، وعودته سريعا إلى العمل، بدل الخلود إلى الراحة لفترة كافية. رأي ثان رأى أنه «ربما كانت الرغبة في عدم فقدان نائبين أو ثلاثة قد كلفته ثمنا باهظا، وسببت له فقدان كل شيء»، ورأي ثالث يعتقد أن الحادثة الدماغية انفجرت بعد الضغط النفسي الثقيل الذي تعرض له عقب الكشف عن فضيحة رشا جديدة تلقاه البلدوزر وابناه. لكن، في ظني، وفي ظن الفلسطينيين، على ما اعتقد، أن المسبب الرئيس، لانفجار دماغ شارون، هو ضغط الانتفاضة المستمر على أعصابه ودماغه وأوهامه. الضغط الذي أجبره، بفعل المقاومة، أن يخون معتقداته الصهيونية، وينسحب مهزوما، من غزة، لأول مرة في تاريخ حروبه العسكرية. لقد تعود شارون على هزم جيوش العرب وأنظمتهم، وهو القائل: «يجب ضرب العرب ضربة كبيرة لكي نجتث من داخلهم الرغبة بالقتال»، وكانت غايته المشتهاة تطهير كامل فلسطين من سكانها العرب. وعندما تبين له استحالة ذلك، قصرّ رغبته على فرض الهزيمة على الشعب الفلسطيني، كي يرضخ لإرادة الحل الصهيوني برسم دولة فلسطينية لا معنى له على الأرض، إلا بما هي كانتونات ممزقة على شكل غيتوات، تتلقى الإعانة الدولية. لكن إرادة الشعب الفلسطيني، رغم جبن العرب، وخنوعهم، كاسرت قوته الغاشمة، ودمويته الوحشية، حتى تجلط دماغه. وإذا كان أبو عمار قد مات مسموما بطريقة صهيونية جبانة. فإن موت شارون الوشيك، هو قصاص بسم الرفض الفلسطيني.

فها هو، أخير، يخرّ جزّار صبرا وشاتيلا. شرّاب الدم الفلسطيني، ينفجر دمه في قحفة جمجمته، فيعطل عمل دماغه، وجهازه العصبي. ويتركه مجرد كتلة، أو قل كتل لحم وشحم في جسد مشلول، عاجز عن الاستيعاب والتفكير، والنطق السليم.

هناك طرفان عبرا عن سعادتهما لموت شارون المرتقب. من طرف أول الصهاينة، الذين، من حيث هم على يمين اليمين المتطرف، اعتبروا سقطوا شارون في المرض المميت سقوط شيطان، ومن حقهم أن يفرحوا به. ومن طرف ثان، الفلسطينيون، الذين، من الطبيعي، أن تغمرهم الفرحة، ابتهاجا بنهاية السفاح، الذي وغل في دمائهم لأكثر من نصف قرن.منذ مجزرة «قبية» 1953، التي أشرف على تنفيذها، بصفته قائد«الوحدة 101»، المسؤولة عن قتل 69 مدنيا فلسطينيا، معظمهم من النساء والأطفال، وعندما تسأل أحد أفراد «الوحدة» قائلا: «أهذا هو العدو؟ بضع مئات من اللاجئين المساكين ومعهم نساء وأطفال؟». رد علىه شارون، بروحه العنصرية الدموية: «أنهن نساء فاجرات يخدمن المتسليين الذين يخرجون للمس بمواطني بلادنا. إذا لم نعمل ضد مخيمات اللاجئين، فستتحول (مخيمات اللاجئين) إلى أوكار للقتلة». فمن الطبيعي، أن يوزع الصبية الفلسطينيون الحلوى على المارة والسيارات، وتنطلق الهتافات: «الموت لشارون جزار صبرا وشاتيلا»، وتطلق الفلسطينيات، صبايا وجدات، الزغاريد. وتجوب سيارات مجهزة بمكبرات للصوت أزقة مخيم الرشيدية للاجئين باثة أناشيد فلسطينية ثورية وأغاني فولكلورية فلسطينية، ابتهاجا بقرب الخلاص من الإرهابي الكبير. أو بتعبير الناطق باسم حركة حماس، سامي أبو زهري، فإن: «العالم على وشك أن يتخلص من احد ابرز قادة الشر في العالم»، وإذا كان معظم «القادة» العرب قد التزموا الصمت عن التعليق، منعا لمزيد من تراكم احراجات الخنوع في نظر شعوبهم. فإن الرئيس الإيراني الشاب مستمر في التحدث رسميا بما يفكر فيه الشارع الإيراني، بصراحة شعبية، تسمح له بالتعبير عن أمله في تكون الأنباء عن أن: «مجرم صبرا وشاتيلا لحق بأسلافه مؤكدة»، والسؤال ما مصير نبوة الرئيس مبارك الذي قال إن شارون هو وحده القادر على صنع السلام!

والآن، بعد القول إن غياب شارون، غير مؤسف عليه، في نظر شعوب العربية والإسلامية، يبقى لابد من قراءة المغزى الموضوعي من وراء مقارنة معظم الإسرائيليين لفقدان شارون بفقدان بن غوريون. بل هناك من يضعه في منزلة ملوكهم الخرافيين. إن شارون، مجرم الحرب، في نظر العرب، والإنسانية السوية، والقانون الدولي، هو، في نظر غالبية اليهود الدولة، بطلا أسطوريا. وإذا كان عشرات ألوف الإسرائيليين قد تظاهروا في شوارع تل أبيب عقب انكشاف مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982، فإنهم كانوا يرفضون أسلوب القتل، وليس فعله. فالشارون المدان، لو جزئيا في لجنة كهان، التي أوصت بحرمانه من شغل وظيفة وزير الدفاع، سرعان ما عاد إلى ممارسة العمل السياسي، ثم تحول انتخابه عام 2001 إلى انتخاب ميتافزيقي لاستنساخ «داود المخلِّص».

أنه لمن المهم أن تُقرئ سيرة شارون، بمواقفه وأفكاره، وتعلق الإسرائيليين به، من منظور: «اعرف عدوك». لا لكي تتصهين على طريقة أنيس منصور، «فيلسوف» السادات المفضل. وإنما لكي تجيد هزيمته على طريقة الشيخ حسن نصر الله. قراءة تستخلص مقومات قوة المقاومة التي أجبرت البلدوزر، بنّاء المستوطنات، على هدمها في غزة، في طريقها إلى ملاحقته في الضفة.

إن شارون، جنرالا وسياسيا، مجبولا من: «استراتيجية التخندق»، بمعنى أنه متمسك متطرف بخندقه حتى يدرك أنه لا محالة خاسره.فيسلم فيه، متراجعا إلى خندق جديد. إن شارون لا يفهم السلام إلا بالهزيمة. إن خطته في إلغاء غزة يجب أن تفهم على أنها استراتيجية تراجع تعود إلى الأسلوب الصهيوني المرتبط باستراتيجية القلاع التلمودية. فخروج أجناد شارون من غزة ليس إلا تراجع إلى خنادق خلفية، على أساس أنها الجدار الأخير، كما تجسدت في خطة جدار الفصل الأحادي الجانب.

إنه من المفيد أن تتعلم الشعوب العربية مقارنة الوزن التاريخي لما لديها من «قادة»، مع ما لدي بني صهيون. من بن غوريون إلى شارون، الجنرال الصهيوني الذي أعطى كل حياته المهنية عسكريا، والمدنية سياسيا، من أجل منعة شعبه، وتوسع دولته. إنه بطل حروب إسرائيل في 48 و67 و73 وغزو لبنان 82 وقد استعمله الإسرائيليون كبش محرقة، لكنهم عادوا ولجئوا إليه، بصفته: «مستر أمن» القادر، في نظرهم، على إنهاء الانتفاضة، وتحقيق الأمن لليهود. ورغم ضربات المقاومة المتواصلة في أراضي فلسطين المحتلة 67، وفي عمق فلسطين 48، ظل الرهان عليه قائما، عندما محضّوه ثقتهم في تخندقه السياسي الجديد في حزب «كاديما»، التي تعني إلى الأمام، بمعنى التراجع عن غزة، مقابل ضم القدس والكتل الاستيطانية الكبرى في الصفة الغربية. ولكن، فجأة، إذ بمحرك البلدوزر يتعطل. فيكتب معلق إسرائيلي: حبست مواطنات دولة إسرائيل ومواطنوها أمس أنفاسهم، وشبكوا بين أصابعهم، ودعوا الله أن يسلم رئيس الحكومة. صحيح، كان هنالك كثيرون في فترات مختلفة أحبوا ألا يحبوا شارون، وان ينقدوه نقدا لاذعا من هذه الجهة أو تلك، لكننا شعرنا دائما بأن شارون جزء منا، ويعبر تعبيرا كبيرا عن طابعنا القومي. لقد استطاع أن يكون في نظر كثيرين بطلا ووغدا، وجليلا وحقيرا، ومحبوبا ومشنوءا.

البطولة والشجاعة، والخيال والجرأة، والاندفاع والخيال، والقدرة على التغيير والتغير، والهدوء حيال العاصفة وبرود الأعصاب حيال النار. ويتضح العلم بأن هذه المزايا ستنتقص انتقاصا بارزا، ويخفق أمل أن يكون هنالك انتعاش وشفاء، لأننا نريده هنا معنا، مهما يكن الأمر.

والحال أن إسرائيل حكمها، بطريقة ديمقراطية، 14 رئيس وزراء، كانوا موظفين في خدمة شعبهم ودولتهم ومشروعهم الصهيوني، وعرضة للمساءلة والمحاسبة، بينما لا يترك «قادة» العرب شعوبهم إلا إلى القبر، وبدون أي مجد عسكري، ومع ذلك ينشون صدورهم بأكداس من الأوسمة. وحدهم قادة المقاومة الشعبية، من حسن نصرالله إلى عرفات والشيخ ياسين والرنتيسي، وغيرهم من الأفذاذ، من يُغذي ثقة العرب في القدرة على مصاولة المشروع الصهيوني وقهره. وإذا كان شارون وبنى صهيون يستهزئون بالحكام العرب، إلا أنهم يتوقفون بجدية، محمولة على قلق على وجودهم، عند الحديث عن قادة المقاومة الفلسطينية، وحزب الله، لا سيما حسن نصر الله، بصلابته الفذة وذكائه الوقّاد. أما السادات أو الملك حسين، وإن وصفوا الأول بـ «الشجاع»، وسموا، باسم الأخير، حديقة عامة، فلا يرتقي مقامهما، في نظرهم، قامة المستسلم اللطيف.إن الإسرائيليين لن يتخلوا عن انتخاب اليمينيين والمتطرفين لقيادتهم، ورفض السلام العادل والشامل، إلا عندما يشعرون بأن العرب، في دول الطوق تحديدا، تمكنوا، أخيراً، من نيل حقوقهم الديمقراطية كاملة، وبالتالي انتخاب قادة وطنيين حقيقيين، يعكسون مواقف شعوبهم من إسرائيل وأمريكا، ويصونون مصالح الوطن وكرامة الأمة، مدركين أنهم عرضة للاستبدال بغيرهم عند فشلهم في تنفيذ وما تعهدوا به لشعوبهم.

faragasha@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home