Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الخميس 11 ديسمبر 2008

المثقف بين الاحتراف والهواية!!(*)

فرج بوالعَـشّة

هل يمكن وصف المثقف، من نمط أساتذة الجامعة والأكاديميين، والمشتغلين فكريا ضمن مؤسسات عامة أو خاصة، بالمثقف الحر الذي: "يعمل مستقلاً بذاته، لا منّة.وبالتالي لا حجر عليه من جامعات تدفع مرتبات، وأحزاب سياسية تصرّ على الولاء لمبادئ ما، ومصانع فكرية تعمد، ربما بأسلوب أكثر براعة، وبينما توفّر الحرية لإجراء الأبحاث، إلى شلّ القدرة على استخدام ملكة التمييز، وكبت الصوت النقدي.."..؟!

الجواب، عند إدوارد سعيد، نقلا عن المثقف الفرنسي الشهير ريجيس دوبريه:لا...لأن بمجرد ما أن يأخذ المثقف في اعتباره، بقدر أو آخر:"إرضاء جمهور ما، أو رب عمل ما يكون أمر ما في وظيفة المثقف قد ثُبّط بالتأكيد، إن لم يكن أُبطل"!!
أي لا يوجد مثقف حر بالمطلق كما لا يوجد إنسان حر بالمطلق.كل حرية إنسانية هي حرية مشروطة!.

لا وجود لوجهة نظر مستقلة لمثقف أو لشخص عادي..حتى مثقف أسطورة "البرج العاجي" هو مثقف اجتماعي، بما يتضمنه الاجتماعي من وعي فكري أيديولوجي سياسي ديني ...إلخ!!..
فما دام المثقف يستعمل اللغة، وبما أن اللغة كائن اجتماعي، فلا مهرب له إلى وجود فردي مستقل عن الجماعة/العالم!.. إذن معايير استقلالية المثقف تنبني على مواصفات واعتبارات ومقتضيات شائكة في خصوصيتها بحسب معطيات الظروف والشروط التاريخية: "الاجتماعية، الثقافية، السياسية" الفاعلة/المتحكمة في حياة الأفراد ووعيهم!..
وبالتالي فإن اتهام المثقفين بخيانة مبادئهم لأنهم يكسبون رزقهم من العمل في جامعة أو صحفية، حسب إدوارد سعيد:"هو اتهام فظ ولا معنى له نهائيا.ولسوف يكون يأسا من صلاح البشر، مغاليا جداً من حيث اللاتمييز، القول عن العالم فاسد إلى درجة أن كلّ امرئ يستسلم في نهاية الأمر إلى شيطان الجشع"!..
إن مفهوم المثقف المتعالي قد فارق، منذ قرون غائرة، وظيفة الكاهن/القديس..ولم يعد يملك التعريف الجامع المانع لمعناه ووظيفته..فالمثقف الحديث اليوم{منذ قضية درايفوس}هو مثقف الموقف، بمواقفه الفكرية/السياسية/الحقوق إنسانية، المتداخلة، المتقاطعة مع بعضها البعض!..

ولا وجود لمقاييس صارمة وحاسمة في تبيان مواقف المثقف المُحقة من المواقف الباطلة ..ولكن توجد، بالتأكيد، معايير أخلاقية تموضع انحياز المثقف لقيم العدالة والمساواة واحترام الآخر ـ الغير، المخالف:في الفكر أو الدين أو العرق أو اللون أو الجنس..وكذلك انحيازه للضعفاء والمهمشين والمفقرين والمضطهدين...ضد مختلف أشكال المظالم بمختلف وجوهها:الجور، التسلط، التفرقة العنصرية والجنسانية والاجتماعية والطبقية، والحروب العدوانية!..
إن المثقف "الحر" بهذا المعنى :"عليه تطبيقيا أن يثير النقاش، لا بل الخلاف إذا أمكن.لكن الخيارين ليسا همودا كاملا أو تمردا شاملا"!.
ويدلل إدوارد سعيد على ذلك بالمثقف الأمريكي اليساري"راسل جاكوبي" الذي فجّر كتابه:"آخر المثقفين"، في العهد الريجاني، نقاشا متشابكا حول أطروحته القائلة بأن""المثقّف اللاأكاديمي اختفى كليا من الولايات المتحدة.."..ليحل محله من يصفهم بـ"أساتذة الجامعات الرّعاديد ممن تستحوذ عليهم اللغة الإصلاحية، والذين لم يعرهم أحد في المجتمع أيّ اهتمام يُذكر"!..
أما مثاله للمثقف الحقيقي فهم مثقفو الزمن النيويوركي، من اليساريين، المناهضين في الوقت نفسه للشيوعية.أمثال:أدموند ولسون، جاين جايكوبس، لُوبس ممفورد...إلى:ألفرد كايزن، أرفينغ هاوّ، سوزان سونتاغ..راصدا هزيمتهم في مواجهة رضى الطبقة الوسطى بالسياسة الدارجة وصورتها الاجتماعية المريحة في صورة الرخاء الاقتصادي ما بعد الحرب العالمية الثانية..علاوة على:"التصرفات اللامسؤولة لجيل الوجوديين الذين كانوا روّاد فكرة الانسحاب من المجتمع التقليدي وهجر منزلتهم الاجتماعية المرموقة في الحياة؛وتوسُّع مؤسَّسة التعليم العالي؛واندفاع اليسار الأمريكي المستقل السابق إلى الجامعات"!...
وإذا كان هذا التشخيص يبدو متعلقا عضويا بوضعية المثقف الأمريكي إلا أنه في العمق يمس صورة المثقف المتصل بالانشغال الأكاديمي بصورة عامة، سيما في المجتمعات التعليمية المؤسساتي المتقدمة...من حيث كون المثقفين متخصصين أو قل يتصرفون كمتخصصين يحصلون على رواتب شهرية منتظمة، ومحاضرات تعليمية محددة يؤدونها..وهو ما يجعل "جاكوبي" يزعم:"أن أمثال هؤلاء الأفراد يكتبون كلاما مملا، مقصورا على فئة قليلة، متنافيا مع المعايير العصرية، غرضه الرئيسي تقدم الأكاديمي لا التغيير الاجتماعي...".....يتبع..

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 11 ديسمبر 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home