Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Tuesday, 11 December, 2007

مبعـوث الإسلام الروحي إلى الغرب!!(*)

فرج بوالعَـشّة

"الرومي" الذي لا غـنى عـنه

بعد أكثر من سبعة قرون على وفاة "مولانا" جلال الدين الرومي،تنبث روحه في العالم الجديد،أو ما يُدعى بالولايات المتحدة الأمريكية.!
لا تزال روح "مولانا"،وستبقى،حية في شعره،المشتعل بالحب الإنساني،العابر للأجناس والثقافات والمعتقدات.فالشاعر الصوفي المسلم،المولد عام 1207،في "بلاد بلخ"،أي افغانستان،هو اليوم أكثر الشعراء مبيعا في أمريكا،والأكثر إقبالا على دراسة أشعاره وتجربته في الجامعات الأمريكية.وحيث تتزايد،في المدن الأمريكية الكبرى،الندوات والمحاضرات عن حياته وتجربته وأعماله،وقراءة أشعاره.كما تنتشر تسجيلات قصائده على الأقراص المدمجة.!
لم يكن"الرومي" ـ كما يسمونه في أمريكا:Rumi ـ معروفا،في الولايات المتحدة،قبل عشرة سنوات فائتة.ويعود الفضل في انتشار شعبيته إلى المترجم الأمريكي البروفيسور كولمان باركس،الشاعر وأستاذ اللغة الإنكليزية في جامعة جورجيا،الذي أصبح،منذ 1977،عالِما مُختصا في أدب "الرومي".
ويروي باركس،في مقدمة كتابه:"روح الرومي"،حكاية ارتباطه الروحي بـ"الرومي"،بأنه رأى في المنام،بينما كان نائما،في "كيس النوم"،على ضفاف نهر"تنيسي"،ومضة ضوئية خاطفة أضأت السماء.وصفها باركس بـأنها:"كرة من الضوء انبعثت من جزيرة "وليَمس" وأقبلت عليّ،كاشفة عن إنسان جالس في وضع متصالب الرجلين،ورأسه مطأطأً إجلالا، معمماً بشال أبيض،وعيناه مغمضتان.رفع رأسه وفتح عينيه.وقال"أحبك"فأجبت: وأنا أيضا"!
مُذّاك تعمقت علاقة باركس الروحية بشخصية"الرومي"وتجربته الصوفية،وتراثه الشعري.فانكب على ترجمة اشعاره،دون أن يكون لديه مخطط لنشرها،إلا أنه قرر،بعد حوالي سبع سنوات من انشغاله بها،أن يجرب نشر كتاب يضم مجموعة مختارة من هذه القصائد.وقد فاق نجاح الكتاب توقعات المترجم والناشر من ناحية توزيعه على نطاق واسع،واهتمام النقاد به بشكل ملفت.الأمر الذي دفع باركس إلى تأليف كتابه المهم: The Essential Rumi،الذي يمكن ترجمته بـ:الرومي الضروري،أو الرومي المميز.لكني أظن أن الترجمة الأقرب لمعني العنوان،هي:"الرومي الذي لا غنى عنه.."..لأن شعره،كما قال الشاعر الألماني هانز ماينكي:"الأمل الوحيد في الأوقات المظلمة التي نعيش فيها.".أي الأمل الذي لا غنى عنه.!
صدر الكتاب العام 1995،ولاقى إقبالا واسعا من القراء الأمريكيين.وكان بمثابة:"الشرارة التي أشعلت اهتمام أميركا بشاعر اللغة الفارسية."نشر بعدها باركس دواوين عدة لأشعار "الرومي" وكتاباته،بيع منها أكثر من 500 ألف نسخة.أكثر مما قد يتخيله أي شاعر أو دار نشر،في هذا الزمن؛حيث لا يتجاوز توزيع الكتاب الشعري،الفائز بجائزة بوليتزر ـ أهم الجوائز الأدبية الأمريكية ـ عشر آلاف نسخة في أحسن الأحوال.بينما وصل توزيع اشعار الرومي التي تعود إلى القرن الثالث عشر،أكثر من ربع مليون نسخة.لقد استطاع باركس أن يوفر ترجمات عميقة لأشعار"مولانا"الرومي،ويجعلها في متناول القراء الأمريكيين.ويعود تعلق الأمريكيين بأشعار"الرومي"،وتجربته الروحية،إلى:"ما نعانيه من ظمأ روحي كبير"،على حد تعبير "فيليس تيكيل"،المحررة بمجلة Publishers Weekly،المهتمة بالإصدارات الأدبية.حتى أن أشعاره،المسجلة على"سي دي"،بأصوات ملقيين محترفين، دخلت قائمة "العشرين الأوَل" Top 20 list.وستظهر في الأسواق الأمريكية اسطوانة"سي دي"تضم مجموعة من قصائد في الحب الصوفي،بأصوات نجوم هوليودد،بمناسبة عيد العشاق "فالنتاين" في 14 فبراير القادم.إن مولانا الرومي هو "فالنتاين" المسلمين!!
وإن لم يصل،الولع بجلال الدين الرومي في الولايات المتحدة،تماماً،إلى:"مرتبة الولع بفريق البيتلز الذي كان سائدا في وقت من الأوقات،فإنه،رغم ذلك ولع مثير للدهشة والإعجاب.فخلال السنوات العشر الماضية، حسبما تقول مصادر متعددة، فاقت مبيعات دواوين جلال الدين الرومي مبيعات دواوين أي شاعر آخر في الولايات المتحدة.وبالبحث على شبكة الانترنيت نجد أن كتابة اسم الرومي ينتج عنها ظهور حوالي 800 ألف موقع ورد اسمه عليها. وتوجد في الأسواق الأميركية الآن، سواء كانت تلك الأسواق في حرم الجامعات أو في محلات بيع الكتب أو أماكن أخرى، روزنامات (نتائج حائط) وأكواب قهوة وقمصان أو تي شيرتات عليها صور جلال الدين الرومي.."..حسبما ورد في الموقع الإلكتروني لبرامج الإعلام الأمريكي الخارجي{يو إس إنفو}.. وحتى السيد بوش دخل على خط شهرة "الرومي"؛فاستخدمه كتبة خطبه،في سياق مجاملة المسلمين والتقرب إلى قلوبهم.فنجده،عندما زار المركز الإسلامي بواشنطن،يشير،في كلمته التي ألقاها،هناك،إلى جلال الدين الرومي،قائلا:"..ونحن نحتفظ في قلوبنا بحكمة الشاعر المسلم العظيم الرومي القديمة:المصابيح مختلفة،ولكن النور واحد.." وبالطبع لا نتوقع وجود علاقة روحية تربط بين"رئيس حرب"وأشعار مولانا جلال الدين الرومي في سموها الإنساني الكوني،والتي،كما قال الشاعرالأمريكي كولمان باركس عنها:"أبادت كل الحدود التي أقامتها العادات والقوميات في أذهان الناس والتي منعت انتشار الحب والصداقة بين أفراد البشرية .." وهذا ما جذب الأمريكيين العاديين إليها.أما "انجذاب" السيد بوش فمقصده الاستخدام السياسي الترويجي،لا سيما أن "الرومي"،الذي عاش في فترة اجتياح المغول للمشرق الإسلامي وتدميرهم للعراق،لم يبال بالشأن العام.وانصرف إلى التصوف وإنشاد قصائد الحب الإلهي والإنساني.وكأني بالسيد بوش تداعبه فكرة لو أن مسلمي اليوم،في زمن المغول اليانكيين،يتحولون إلى دراويش "المولوية" ـ الطريقة الصوفية المنسوبة إلى "مولانا" جلال الدين ـ منصرفين عن مجاهدة الغزاة!
لكن انعزال "الرومي" وتصوفه،الذي انتج تراثاً روحياً إسلامياً عظيماً،لم يمنع المسلمين،آنذاك،من دحر المغول،الذين تحولوا إلى الإسلام وأصبحوا من فاتحيه العظام...وبالتالي يحق لمسلمي اليوم أن يتزودوا،من "مولانا الرومي"،بالمعرفة الروحانية والسكينة النفسية والمحبة الإنسانية.وتلك خاصية روحية/صوفية فريدة في رؤية الرومي الصوفية/الشعرية للوجود الكلي المُتخلَّق في أضيق موضع ممكن للعبارة،حيث الاتساع الأكبر للرؤية بتعبير"مولانا" النفري،القائل:"كلما ضاقت العبارة اتسعت الرؤية."..!
لقد وجد الأمركيون في أشعار الرومي بلسما روحيا لاغترابهم الوجودي في عالمهم المادي الاستلابي.إن أسئلة الرومي الشعرية،تخترق الأزمنة والأمكنة،المعتقدات والثقافات،لتقبض على الوجود بقوة الطاقة الروحية الإنسانية،التي هي في صفاء قلب طفل وليد،الذي هو العارف الأكبر ببراءة الكينونة،لأنه صفر المعرفة في لحظة اتحاد الوجود بالحب. إنها لغة الحب الإنساني بدفئها الكوني الوثير ضد صقيع العقلانية المادية،وغرائزها الحسية الأبيقورية..!؟
"مولانا"الرومي قارع الاغتراب الإنساني.فعندما تغرّب{من الإغتراب} وجوده الفردي/الذاتي المحدود في الوجود الكلي اللامحدود،حيث لا يدري من أين جاء ولا يعرف ما يجب أن يفعل:"لا أعلم من أين جئت، ولا أعرف ما يجب أن أفعل،"،لا يقول ذلك من منطق العدمي اليائس،إنما من باب التوسل بالاغتراب الروحي العرفاني،مفارقة المادي المبتذل والمكرور والمنقضي،لأجل تعميد الحب،وتطويبه مركزا للوجود الإنساني،ووحدته الجامعة للأعراق والأديان والثقافات والقيم.
ويبدو إن الحاجة الروحية والجمالية،عند الأمريكيين،إلى"الرومي"قد ألحّت،بعد تفجيرات 11 سبتمبر،أكثر من أي وقت مضى.فقارعة 11 سبتمبر كما كشفت عن عداء غربي مكين ضد الإسلام والمسلمين،كشفت،أيضا،عن خرق أوزوني في مشاعر الأمريكيين وقد اجتاحها الخوف من المجهول وفقدان الثقة وعدم اليقين. وكان"كولمان باركس" محقا عندما وجد في أشعار الرومي الوسيط الأمثل في التقريب بين الأميركيين والمسلميين،اكثر من أي شيء آخر،قائلا:"إن الأميركيين لا يرون أشياء كثيرة في العالم الإسلامي. ومن بين تلك الأشياء جلال الدين الرومي. إننا لا ندرك تماماً ما في أعماله من جمال."..فأشعاره،حسبه:"أبادت كل الحدود التي أقامتها العادات والقوميات في أذهان الناس والتي منعت انتشارالحب والصداقة بين أفراد البشرية .....إن هذا الشعر كتبه جزء مختلف من النفس البشرية،ولا أعني الشخصية،لكنه شيء آخر مبهم يتجاوزها....".!
...وإذا كان المسلم،وهو الأكثر قربا ومداخلة،لجمالية وروحية،تجربة مولانا جلال الدين الرومي،إلا أن مسلمي اليوم،في عمومهم،مغتربين،روحيا،عن صوفية دينهم في سموها الإنساني الكوني الخلاق.إن المسلمين اليوم أكثر،من الغربين،ظمأ إلى النهل من ينابيع الرومي وابن عربي والنفري،وغيرهم من غوّاصي الأعماق في اوقيانوس الروح الإنسانية حيث "الخاتم المفقود".والنهل من حيث نهل الشاعر الإسلامي العظيم،الباكستاني محمد إقبال،القائل،عندما ارتوت روحه من فائض روح "مولانا":حوّل الرومي طيني إلى جوهر، ومن غباري شيد كونا آخر...

مؤسس دولة الحب

وكما قال العارف الكبير،فريد الدين العطار لوالد جلال الدين:"اعتني بهذا الولد، فإنه عما قريب سينفث في هذا العالم نفسا مشتعلا"،لا يزال ذلك النفس الروحي الجمالي مشتعلا منذ هاتيك القرون.إذ يصادف هذا العام{2007} احتفاء اليونسكو بسنة "الرومي"،بمناسبة مرور 800 عام على ولادة مؤسس "دولة الحب" الكونية:
كنت ميتا فأصبحت حيا، كنت باكيا فأصبحت ضاحكا
لقد جاءت دولة الحب، وأصبحت دولة راسخة

إنه،حسب أنساب التراث: جلال الدين محمد بن محمد بن حسين بن أحمد بن قاسم بن مسيب بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.ولد ببلاد فارس في 6 من ربيع الأول 604 هجري الموافق ـ 30 من سبتمبر 1207ميلادي.
وفي عام 616 هجرية،1219 م، عاث المغول بقيادة جنكيزخان في المشرق الإسلامي فوضى مُدمِّرة{كما هي فوضى الأمريكان المُدمِّرة اليوم}.وقد أنطلق غزوهم،كما هو الغزو الأمريكي اليوم،من بلاد "بلخ"{التي تسمى اليوم أفغانستان}.وكما غزا المغول الجدد(الأمريكان) أفغانستان بحجة معاقبة قتلة الأمريكيين في تفجيرات 11 سبتمبر،غزاها المغول القدامى بحجة الثأر لمقتل مجموعة من تجارهم على يد مسلمين من خوارزم.وكما تطور غزو الأمريكان لأفغانستان إلى غزو للعراق،عبر الكويت،وفي استراتيجته التمدد،شرقا،إلى إيران،وغربا،إلى سوريا،إذا أمكن،كذلك تطور الغزو المغولي،الذي واصل زحفه التدميري إلى بغداد،عبر بلاد فارس،ثم تمدد في اتجاه بلاد الشام{سوريا لبنان وفلسطين}،حتى انهزمت جيوشه،نهائيا،في 3 سبتمبر العام 1260 ميلادي،في معركة عين جالوت،الواقعة في غور الأردن بفلسطين..!
كان مولانا الرومي،أثناء الغزو المغولي،مراهقا،في ربيعه الثاني عشر،نزح مع عائلته إلى "قونية" بتركيا.كان والده الشيخ بهاء الدين قاضيا وعالم دين،ومتصوفا معروفا. أخذ عنه ابنه جلال الدين تعليمه الديني ـ الفقهي والروحي المبكر.وبعد وفاة أبيه أشرف على تعليمه،تلميذ والده المقرب،الشيخ والعالم الصوفي "برهان الدين محقّق".فأخذ عنه المعارف الصوفية.ورحل،بعدها،إلى دمشق للتتلمذ على يد كبار علمائها العلوم الفقهية والعقلية،والآداب الصوفية،في الوقت الذي أحال فيه المغول بغداد إلى خرابة.حيث،كما تقول بلاغة الهزيمة:جرت دجلة بلونين:أحمر من كثرة الدماء وأسود من كثرة المداد!
عاد "مولانا"،بعد حوالي أربع سنوات قضاها في دمشق،إلى "قونية"،وتسلم موقع والده في التدريس والوعظ.أما نقطة تحوله الروحي الكبرى فكانت لما بلغ الرابعة والثلاثين،والتقى معلمه الأكبر:" شمس الدين التبريزي" المعروف بشمس المغربي،العام 1247 ميلادي،،الذي هيمن علي روح "مولانا الرومي" بسلطانه الصوفي الطاغي.فتبدلت علاقته بالمحيط المعاش.وتبدلت نفسه،في رؤيتها لذاتها وللآخر وللعالم والطبيعة والكون.!
كان مولانا التبريزي أميا،بمعنى القراءة والكتابة.ودرويشا رحّالا لا يلوي على شيء،كأن كل الأسئلة الممكنة وغير الممكنة تسكن إلى سكينته المستتبة.وهو في مرتقاه،البعيد المنال،حيث اسمى مقامات التصوف عرفانا..!
عثر مولانا الرومي"،في مولانا التبريزي،على أناه الآخر{:أنا الآخر ـ يقول رامبو في استشراقه الجحيمي}.وعثر فيه على "الصورة الكاملة للمحبوب" ـ بالتعبير الصوفي ـ.فأدى به تأثيره الروحي الصاعق إلى الانقطاع عن تقديم الدروس التقليدية،والتفرغ لفروض التصوف،والانصياع لطغيان الشعر والموسيقى.واصفا انقلابه الروحي عند درجة الصفر:

عندما اشتعلت نيران الحب في صدري
أحرق لهيبها كل ما في قلبي

فازدريت العقل الدقيق و المدرسة و الكتاب

وتروي الأخبار القديمة أنهما اعتكفا معا في خلوة روحية لمدة أربعين يوما،يتبادلان المعارف والأسرار الصوفية،ويكابدان تجربة الارتقاء الروحي لمقامات الكمال الصوفي.وبعدما فكّا خلوتهما،خرج"مولانا الرومي" عازفا عن ملاقاة تلاميذه،وإلقاء الدروس والمواعظ،مُؤثِرا الاختلاء بنفسه والتفرغ للتأمل الصوفي ونظم الشعر وإنشاده.
وتقول الأخبار القديمة أن تلاميذه حمّلوا شمس الدين التبريزي مسؤولية إعراض أستاذهم عنهم.فوغرت صدورهم ضغينة وحقدا ضد "شمس تبريز" كما أصبح يسميه قرينه جلال الدين.وضايقوه حتى أكرهوه على الابتعاد.فارتحل إلى دمشق دون أن يُعلم قرينه،الذي أرسل ابنه الأكبر ليعود به بعدما علم بوجوده في دمشق مريضا.عاد"شمس تبريز"إلى مصاحبة جلال الدين.لكن مريديه،بمعية الأبن الثاني لجلال الدين،عادوا إلى مضايقة شمس تبريز،وملاحقته بغرض قتله.فارتحل من جديد.ويقال أنهم تعقبوه حتى عثروا عليه وقتلوه.ولما نبأ إلى جلال الدين خبر موت شيخه الروحي فجعه فجعا عميقا.تجلت لوعته في أشعاره،وخصه بديوان مُخلَّدا،سماه "شمس تبريز":

من ذا الذي قال إن شمس الروّح الخالدة قد ماتت
و من الذي تجرّأ علي القول بأن شمس الأمل قد ولّت
إن هذا ليس إلا عدوّا للشمس وقف تحت سقفها
و عصب كلتا عينيه ثم صاح: ها هي الشمس تموت

*****

أيّها الحبيب إني لم أر طربّا في الكونين بدونك
لقد رأيت كثيرا من العجائب و لكني لم أر عجبا مثلك
إن الاحتراق بالنار يصيب الكافر
و لم أر محروما من نارك سوي أبي لهب

*****

ما أسعد تلك اللّحظه حين نجلس في الإيوان أنا و أنت
نبدو نقشين و صورتين لكننا روح واحده أنا و أنت

لأن لون البستان وشدو الطيور يهبنا ماء الحياة

في تلك اللحظة التي نذهب فيها إلي البستان أنا و أنت

و تقبل نجوم الفلك رانية إلينا بأبصارها

فيجلو القمر نفسه لتلك الأفلاك أنا و أنت

أنا و أنت بدون أنا و أنت نبلغ بالذوق غاية الاتحاد

فنسعد و نستريح من خرافات الفرقه إليّ أنا و أنت

و سيأكل الحسد قلوب طيور الفلك ذات الألوان الباهرة

حينما تشاهدنا نضحك جذلين علي تلك الصورة أنا و أنت

*****

بعد موت شمس تبريز غاص"مولانا"أعمق فأعمق في روحه العاكفة على وجودها في كلية الوجود.وانجذب أكثر فاكثر في لغة الناي،حيث لا أثر للكلمات.ففي الموسيقى تنغلق اللحظة على ذاتها كما رقصة الوجود الدائرية،رقصة دراويش جلال الدين،المعروفين بـ"الدوّارين"،التي تجسد خلود حركة الوجود/الحياة حول مركزها:القلب الإنساني،المجرد من أي إقامة محددة في جغرافيا محددة أو تاريخ معين،أو لغة خاصة،أو معتقد استثنائي!

فلا معنى لتحديد إقامة المقيم في الوجود الكلي،داخل القلب الإنساني،بحدود الجغرافيا ومستلزماتها السياسية والثقافية والعقائدية.إذ أن الكون مقبوض عليه في قلبه المسكون بكل الأخيلة الممكنة وغير الممكنة،حيث الروح "المثنوي" يثني بعضه على بعض في رقصة الوجود الدائرية،التي لا تتوقف ما دامت الحياة بهذا التثني:

اذا رحلت الحياة
فالله يعطيك حياة جديدة
الحياة الابدية تتجدد
فهذه الحياة من الموت
ينبوع الفساد يوجد في الحب
يجيء، وفي هذا البحر اللامتناهي من الحب يغرق.
لقد كنت سعيداً
ارقد في قلب اللؤلؤ
الى ان ضُربت باعصار الحياة
فركضت في موجها المندفع
نطقت عاليا سر البحر
ورقدت مثل غيمه مستنفدة على الشاطئ بلا حراك.

ففي"المثنوي" يتصدر "مولانا" مجلس "دولة الحب".وحوله يتحلق أخص رواة الخيال الإنساني من كل الأجناس،مترصدين الكلمات وهي تنثني على المعنى الجوهري للأشياء.وهي تتبدد في فائض الروح الشعري الصوفي في سبعة آلاف مثنوية.وإليها تختزل "شمس تبريز" طاقة الحب الصوفي في ستة وثلاثين ألفاً وثلاثمئة وتسعة وأربعين بيتاً،علاوة على ألف وسبع مائة وستين رباعية،وثلاثة آلاف ومائتين قصيدة غزلية!
ثم يأتي مؤلّفه:"فيه ما فيه"... وفيه وصف لمجالسته لأتباعه أو إخوانه باللغة الصوفية،أي إخوان طريقته "المَلَوية"،متضمنا قصص ومواعظ وأمثال،موجهة إلى عقول عامة المثقفين....
...........وعندما توفى مولانا جلال الدين الرومي،في السبعين من عمره،في5 من جمادى الآخرة 672 هجري ـ 17 ديسمبر 1273ميلادي.دفن حسب وصيته في "التكية"،التي اقامها في "قونية".لتكون مدفنه عندما تحين لحظته....وقد تحولت اليوم إلى واحدة من أجمل وأبدع العمائر الإسلامية القائمة..!
وهناك عند قبر "مولانا" يقرأ الزائر الحاج:

يا من تبحث عن مرقدنا بعد شدِّ الرحال
قبرنا يا هذا في صدور العارفين من الرجال.

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذه الدراسة في مجلة "نزوى" العمانية ، العدد 52 ، اكتوبر 2007.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home