Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الخميس 11 سبتمبر 2008

دولة الحداثة المعاصرة..(*)

فرج بوالعَـشّة

إن الحداثة، بعد حوالي ثلاثة قرون من انبثاقها في أوروبا وبعد 200 سنة من اصطدام العالم العربي الإسلامي بها، لا تزال موضوع قراءات وتفسيرات متضاربة، ملتبسة..
ومن بين هذه القراءات المتعددة المستويات الثقافية ـ الأيديولوجية، يمكن أن نميِّز منها، أبرزها:
أولا، قراءة تنظر في البون المعرفي {الإبستيمولوجي} الهائل بين مناهج ورؤى ثقافة الحداثة الغربية بتراثها العتيد من التنوير والعقلانية، وبين ثقافة عربية إسلامية لا تزال أسيرة استبداد شرقي: سياسي/ سوسيوثقافي..!
وترى هذه القراءة أن الحل والمخرج من القدامة إلى الحداثة كامن في الارتباط العضوي بمصادر التنوير الغربية، تحديداً، في القرنين 17 ـ 16 أي بالعودة إلى الموقف التنويري النقدي عند سبينوزا وفولتير وديكارت، على سبيل المثال.
إذن {حسب هذه القراءة} لن يُنجَز مشروع الحداثة، المنطوية على ما بعدها، ما لم يُنجَز، سلفاً، استحقاق التنوير العقلاني الضروري في نقد الثقافة اللاعقلانية الاستبدادية.!
يؤخذ على هذا الطرح روح الأستاذية في استعلاء ثقافة الآخر {الغرب} مقابل تبخيس وتسفيل الذات {العربية الإسلامية} وإظهار عجزها التام عن إحداث التنوير من داخلها.!.
إن قراءة كهذه تصوّر الحداثة على أنها منهج مدرسي غربي وعلى العرب أن يتدرجوا في فصول، هذا المنهج، حتى نيلهم شهادة التخرّج. وهي، في الواقع، تغفل ما يطرحه التراث والثقافة العربية الإسلامية من إشكاليات ذات طبيعة تاريخية تزامنية شديدة الخصوصية، فمن الاستسهال والتبسيط بمكان إسقاط قراءات منهجية من خارج منظومة الفكر والتراث العربي والإسلامي ومنطق خطابهما {دون أن يلغي المرء ضرورة التواصل المعرفي مع الحداثة الغربية وأدواتها المنهجية}.. فهذه القراءة تمركز الحداثة في موقعها الغربي وتتعامل معها وكأنها: "مدوّنة انجيلية لا تمتلك من حيلة في التعاطي معها غير حسن الاستيعاب والتلقي" بحسب أحد نقاد أطروحة "استغراب الحداثة"!

هكذا.. كل يدلي بدلوه الفكري في بئر الحداثة العميقة.. هناك من يرميها بحجر ويمضي ومنهم من يحاول أن يردمها خوفاً مما في أعماقها من أرواح معرفية "شيطانية" قد تتلبسه فتخبل معارفه الروحية ونفسه المؤمنة والراضية المرضية..! إنها البئر العميقة التي لم نشارك في حفرها وارتواز مفاهيمها واستحقاقاتها ومنجزاتها، وإن حاولنا ونحاول مقاربتها والتداخل معها؛ فإن ما أخذناه منها، حتى الآن، لا يتجاوز التحديث. والفارق عميق، بين خطاب التحديث وخطاب الحداثة..!

ثانيا.. قراءة تعُد الحداثة فلسفة ونظام أفكار بنت المركزية الغربية الاثنية ونزعتها الإمبريالية العنصرية وتشترط نقدها، وذلك أمر واجب وضروري شرط عدم التوقف عنده. فالحداثة في جوهرها العقلاني العلمي ليست لها جنسية قومية أو هوية أيديولوجية معينة، إذ انها تتحرك في فضاء حضاري كوني خصوصا في طور عولمتها..!
إن القول بوجود "تعدد العقلانيات وأنظمة الإدراك. بحسب تعدد الثقافات وأنظمته التداولية الخاصة" ينبغي ألا يعني الإقرار بوجود حداثة إسلامية أو إمكانية أسلمة الحداثة التي ينادي بها مثقفو الإسلام "الليبرالي" فلا يمكن الجمع بين الحداثة وبين دولة دينية تشرع إقامة الحدود من جلد ورجم وقطع أيد وحرابة وجزية.. الخ.. أو يجرى توظيف منهج ما بعد الحداثة في نقد الحداثة لتبرير رفضها كما يفعل بعض المثقفين الإسلامويين استناداً إلى تحليلات مثقفي اليسار العربي الجديد..!
فيأخذ الأولون عن الآخرين ملاحظات نقدية مبتورة من سياقها الموضوعي كالقول بأن الحداثة "ذات آفات ومضاعفات كامنة في عقلانيتها الغربية، بسبب طابعها التجريدي المنحدر من الجذور الإغريقية، أساسا لاختزالها في منطق صوري، واستبعاد مجالات وحقول أخرى" مثل "الحدس والإلهام والتخيل المعتبرة في الحداثة وهماً"..!
ثالثا، تظهر في الهامش قراءة ورؤية التيار "الاستغرابي" كما عند الليبرالي العلماني المتشدِّد، الماركسي سابقاً، العفيف الأخضر، الذي على الضد من أطروحة التحديث من الداخل، أو ما يعتبره نوعا من "المصالحة السعيدة بين الأصالة والحداثة" يطرح "أطروحة التحديث من الخارج" أي بالاندماج في شبكات العالم الحديث دون قيد أو شرط لاستحالة طرح القيود والشروط على التاريخ". المحصلة، طرح "أتاتوركي"، لأن التاريخ هو الذي يطرح قيوده وشروطه في الأساس ولا يمكن القفز على هذه القيود والشروط بالاستعلاء والأستاذية الفوقية، فلا مجال لأتاتورك ليعلّم الحداثة والعلمانية على سبورة وبالطباشير والممحاة..!
يطرح العفيف الأخضر وصفة فكرية، تبدو صائبة ومنطقية، تدعو إلى تكييف التراث مع الحداثة بدلاً من تكييف الحداثة مع التراث.. أي إخضاع التراث "لعملية جراحية مؤلمة مثل تحويل إمبراطور اليابان من إله يُعبد إلى ملك يملك ولا يحكم متخلياً، طوعاً أو كرهاً، عن صلاحياته للمؤسسات الحديثة"..!
ولكن كيف؟!.. كم يلزم من وقت؟!... عقد! عقود! قرن! قرون!.. كي تتحول العائلة المالكة المغربية أو الهاشمية الأردنية (حتى لا نقول السعودية) إلى عائلة ملكية تملك ولا تحكم؟...
إن المخرج، في رأيي، يكمن في الاتصال بتراث التنوير العربي/الإسلامي وتطوير مهامه الاستراتيجية...!
إن الحداثة لا تسقط بـ"الباراشوت"، أو بالغزو البوشي.. وليست من عمل قائد فرد أو هي خيار نخبة ثقافية أو سياسية. إنها عمل الجميع. في الطليعة يحضر مثقفون عضويون مختلفون، لكنهم يجتمعون على هدف مشترك لا خلاف عليه ولا مخرج إلا به وهو عهد "الاستقلال الثاني"، كما يعرِّفه المثقف العضوي التونسي منصف المرزوقي {طبيب نفساني ومناضل حقوقي مدني وداعية حقوق إنسان تعرّض للسجن ولا يزال يتعرض للمراقبة والمعاقبة في محاولة للحجر على أفكاره..}..!
يرى المرزوقي انه، إذا كان "الاستقلال الأول" في المجتمعات العربية الإسلامية يعني تحررها من الاستعمار الخارجي، فإن مفهوم "الاستقلال الثاني" يعني تحرر المجتمع المدني والحياة السياسية من استبداد الأنظمة الفردية والعائلية الحاكمة..!
أي أن نيل "الاستقلال الثاني" يعني نيل حقوق المواطنة المدنية الديمقراطية بما تعنيه من تعددية سياسية حزبية صريحة وتداول سلمي حقيقي للسلطة وحرية تفكير وتعبير ومعتقد وحرية تأسيس الجمعيات والمنظمات المستقلة، إلى غيرها من حقوق دولة الحداثة المعاصرة، التي أصبحت مواصفاتها معولمة... يتبع...

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 11 سبتمبر 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home