Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 11 يونيو 2009

بين باراك أوباما وبركة بوعمامة!!

فرج بوالعَـشّة

على مدار أسابيع و"محور الاعتدال" يشتغل بجد واجتهاد من أجل إتمام كافة الاستعدادات اللازمة لزيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، أو بركة بوعمامة كما في منطوقه الأصلي..!

كان أول الطائرين إلى البيت الأبيض، العاهل الأردني حاملا معه رسالة خطية صاغها عدد من وزراء الخارجية العرب، تتضمن "موقفاً عربياً موحداً بشأن السلام" مع إسرائيل، لعرضها على الرئيس الأمريكي. وما أن عاد الملك الأردني من واشنطن حتى طار إلى القاهرة ليطلع الرئيس المصري على ما جرى معه في واشنطن. وإلى الرياض ليطلع الملك السعودي. ثم استقبل في ديوانه الملكي "رئيس السلطة الوطنية" وأطلعه على المطلوب منه، والذي طار بدوره إلى واشنطن ليستمع من الرئيس الأمريكي مباشرة. وفي طريق عودته هبط في القاهرة ليطلع الرئيس المصري على ما جرى معه في واشنطن، وفعل الأمر نفسه مع الملك الأردني، الذي طار إليه من القاهرة مباشرة. وكان من المفترض أن يطير الرئيس المصري إلى واشنطن، لكنه أجّل الزيارة حدادا على حفيده المتوفى "كما قيل". وأوفد وزير خارجيته ووزير مخابراته لنقل رسالته إلى سيد البيت الأبيض. وما أن عاد الثنائي أبو الغيط وسليمان إلى القاهرة، وأعلما رئيسهما بما جرى معهما في واشنطن، حتى أوفدهما مرة ثانية إلى عمان لمقابلة الملك الأردني. ثم إلى الرياض لمقابلة العاهل السعودي. وكان موضوع كل هذه الرحلات المكوكية بين عواصم "محور الاعتدال"وواشنطن، ثم بين عواصم الاعتدال بعضها البعض، هو، حسب الإعلام الموالي لأنظمة "الاعتدال"، إيجاد موقف عربي موحد من عملية السلام قبيل زيارة الرئيس الأمريكي لكل من الرياض والقاهرة..!

والحال جاء الرئيس الأمريكي إلى مضارب العرب. مر على العاهل السعودي خِطافا، ثم حل في القاهرة، التي خضعت، على شرفه، لإجراءات أمنية مشدّدة، تقضي بمنع سكان العمارات المطلة على قصر القبة من فتح النوافذ أو الخروج إلى الشرفات أثناء وجود الزائر الاستثنائي في القصر. وانتشار قوات الأمن حول العمارات وفوق أسطحها لمراقبة التزام السكان بالأوامر الصادرة. وإخلاء شوارع رئيسة كثيرة في وسط القاهرة. ومنح الطلاب والموظفون إجازة اجبارية. وتم إزالة أكوام القمامة من المناطق التي يُحتمل أن يزورها أو يمر بها. كما تم دهان أعمدة الإنارة وتسوية الحفر وإصلاح الطرق بوضع أسفلت جديد بعد كشط القديم. ورصف الشارع المواجه لجامعة القاهرة بطول كيلومتر واحد، فى ١٢ ساعة فقط. فبدا الأمر وكأن المدينة تتزين لإطلالة عيد عظيم، سماه ظرفاء مصر "عيد أوباما"...!

2
..وأخيرا أطل الضيف المنتظر من على مسرح قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة العريقة. تلقاه الحاضرون ببهجة المولعين بنجم غنائي Rock Superstar وقد أطل عليهم بعد ترقب وتشوق. هتفوا له لنحو ثلاث دقائق متواصلة. وعندما ألقى عليهم السلام باللغة العربية، انتاب الكثير منهم حالة فرح هستيرية عبروا عنها بصيحات جماعية، قبل أن يعرفوا ماذا يحمل لهم في خطابه، الذي قوطع بالتصفيق الحاد 41 مرة، تعبيرا عن إعجابهم بإعجاب أوباما بالإسلام والقرآن والحضارة الإسلامية...؟!

فهل كان أوباما بصفته رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وبخطابه الذي يعبر عن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، جديرا بكل هذه الاحتفائية التي غلب عليها الطابع الهستيري، المقرون بأداء عاطفي مثقوب بعقد النقص والتماهي في حب القوي المهيمن الرؤوف...!

لا شك أن أوباما ليس بوش. ورؤيته خلاف رؤية بوش. لكن لا ينبغي أن نغفل أنه ليس بركة بو عمامة، وإنما هو باراك أوباما رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الذي تهمه، بالدرجة الأولى ودائما، مصالح البلاد التي يحكمها وتحكمه مصالحها .. وبالتالي كان الغرض الجوهري من خطابه التوددي هو تحسين صورة أمريكا في عيون العرب والمسلمين وتعزيز نفوذها في العالمين العربي والإسلامي. لذلك ثقف خطابه بجواهر الكلم البليغ، وأكثر من الاستشهاد بآيات القرآن، وأظهر التمجيد لدور الحضارة الإسلامية في بناء الحضارة الغربية. وطعّم تعبيراته برطانة تبشيرية، محمولة على مبادئ الحق والعدالة، ووعود خلابة بحلول منصفة للقضايا المُعقدة، ومساعدات مادية مغرية. فظهر كما يقول روبرت فيسك في هيئة: "واعظ ومؤرخ واقتصادي ومدرس وناقد ومحارب وإمام وإمبراطور. حتى كدنا -أحيانا- ننسى أن باراك أوباما هو رئيس الولايات المتحدة"...!

3
إن من يقرأ خطاب الرئيس أوباما الذكي قراءة عقلانية سياسية ذكية لا بد أن يقر أنه، بعد خصم الكم الكبير من رطانته البلاغية واستشهاداته الترضوية ودغدغاته العاطفوية، بيان عن خطاب متميز بالقياس إلى الخطاب البوشي الإمبريالي المتعجرف. دون أن يعني ذلك الإقرار طهارة الخطاب الأوبامي من النزعة الإمبريالية. فهي كامنة في مقاصد الخطاب الاستراتيجية...!

لكن يمكن القول، في الإجمال، إن الخطاب الأوبامي مفارق لمواقف الرؤساء الأمريكيين السابقين من حيث محاولة تصحيح العلاقة بين العالم العربي ـ الإسلامي وأمريكا. ومتقدم، وإن على خجل، في مقاربته لمسألة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، دون أن يأتي بجديد منصف في شأن حقوق الفلسطينيين الجوهرية: حق اللاجئين في العودة، وحق القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية ..!

وبمعنى واضح لم يكن خطاب أوباما، بالقياس إلى معايير الحق والعدالة والتوازن، التي يبشر بها، منصفا. فهو لم يساو فقط بين الجلاد الصهيونازي والضحية الفلسطيني، إنما لام الضحية لمقاومتها جلاّدها. أظهر تعاطفه مع القتلى من الإسرائيليين، وأقام مناحة على "محرقة اليهود" (وكأن الفلسطينيين من ارتكبها وليس الأوروبيين الألمان)، فيما سكت تماما على "محرقة غزة". وجاء توصيفه لمأساة الفلسطينيين وكأنهم يعانون من كارثة طبيعة ألمّت بهم، وليس احتلالا استيطانيا عنصريا يمارس ضدهم إرهابه المتواصل منذ أكثر من ستة عقود....!

في رأيي أن المكسب العملي الوحيد الملموس لصالح القضية الفلسطينية، في خطاب أوباما، هو موقفه القوى بمطالبة إسرائيل بوقف الاستيطان. وهو موقف لم يكن نتيجة لموقف عربي موحد، أو ترضية لعرب الاعتدال، إنما جاء نتيجة لفشل مشروع الهيمنة الأمريكية بفضل قوى المقاومة الضاربة، كما في العراق وأفغانستان وغزة وجنوب لبنان، وصمود دول الممانعة، مثل إيران وسوريا والسودان، علاوة على كراهية ومعاداة الشعوب العربية والإسلامية للسياسة الأمريكية وعملائها، مما يهدد بهلاك المصالح الأمريكية وسقوط أنظمة الاستبداد والتبعية .. لذلك كان خطاب أوباما موجها إلى هؤلاء، وليس الجمهور المجلوب له في قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة. ولذلك على قوى المقاومة، سيما حماس، أن تكون على قدر عالٍ من الذكاء التكتيكي كي توظف المخرجات السياسية الإيجابية التي قد تتأتى عن خطاب أوباما. وذلك بأن تلتزم بالتهدئة، وتجتهد في إنجاح الحوار الوطني الفلسطيني مترفعة على المكاسب السلطوية الفئوية، وترفض الانجرار وراء استفزازات ميليشيا دايتون، كي يتسلط الضوء بكثافة على المواجهة المحتملة بين إدارة أوباما وحكومة نتانياهو بشأن الموقف من الاستيطان. فإذا استطاع أوباما إجبار إسرائيل على الوقف التام للاستيطان تحقق للقضية الفلسطينية مكسبا شديد الأهمية. أما إذا تراجع أوباما ووجد أعذارا لاستمرار الاستيطان بحجة النمو الطبيعي أو غير ذلك، فإن المقاومة تكسب سقوط خيار المراهنين على نزاهة أوباما وإنصافه. ويتضح أكثر فأكثر أن خيار المقاومة وحده الذي يجبر دولة بني صهيون على رد الحقوق لأصحابها...!

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 11 يونيو 2009م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home